من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
تميم بن معد صاحب مصر
أنشدني الشيخ أبو محمد الحمدانيّ قال: أنشدني الأديب أبو شجاع السّهرورديّ بمدينة السّلام له:
يا ليلة بات فيها البدر معتنقيوأمست الشمس لي من بعض جلّاسي
وبتّ مستغنيا بالثّغر عن بردوبالخدود عن التفاح والآس
ناولتها شبه خدّيها مشعشعةفي الكأس تحسبها ضوءا لمقباس
فقبّلتها وقالت، وهي باكية:وكيف تسقي خدود الناس للنّاس؟
قلت: اشربي، إنّها دمعي ومازجهادمي، وطابخها في الكأس أنفاسي
قالت: إذا كنت من حبّي بكيت دمافسقّنيها على العينين والراس
قال: وأنشدني له [أيضا]:
أسرب مها عنّ أم سرب جنّهحكيتنّهنّ ولستنّ) هنّه
أأنتنّ أنجم ذا الجوّ أمبروج النّجوم جلا بيبكنّه؟
ولم أر غيدا سواكنّ مسنفأشبهن في لينهنّ الأعنّه
فضحتنّ بالكحل أدم الظّباءوعبتنّهنّ بأجيادكنّه
ألستنّ كنتنّ قلتنّ ليبأن لا تحولنّ عن عهدكنّه؟
فيا ما أعيذب ألفاظهنّويا ما أميلح ألحاظهنّه!
إذا رمن ظلما فسلطانهنّعلينا ملاحة أحداقهنّه
برزن لنا عطرات الجيوببسفح العراق ووادي بونّه
فعطّرن من ريحهنّ النّسيموأبدين من لوعتي المستكنّه
فلله هـ تا غداة انقضتبطاعتنا و بعصيانهنّه
وصهباء تغدو لشرّابهاإذا ابتكروها من الهمّ جنّه
تروح علينا بأقداحهاحسان حكتهنّ من نشرهنّه
نواعم لا يستطعن النّهوضإذا قمن من ثقل أردافهنّه
حسنّ كحسن ليالي العزيزوجئن ببهجة أيّامهنّه
إمام يضنّ على عرضهولا يعتريه على المال ضنّه
فسل هل غدت قطّ أموالهوأمسين في جوده مطمئنّه؟
وسل هل وأت قطّ أرماحهعيون العدا غير زرق الأسنه؟
سحائب كفّيه منهلّةعلينا بمعروفه مرجحنّه
منعت الخلافة منع الأسودإذا ما غضبن لأشبالهنّه
وأمضيت عزمك حتّى أخفتبه في بطون النّساء الأجنّه
كلا راحتيك ندى أو ردىكأنّك للناس نار وجنّه
يليق بك الملك حسنا كماتليق المعالي بأربابهنّه
وإنّي وإن كنت نجل المعزّلعبدك والحقّ ما لم أجنّه
رأى الخير من أضمر الخير فيكوكوفىء بالشّرّ من قد أكنّه
ورأيت له هذه الأبيات في بعض التّعاليق وهي مستوفية لجمل الجمال، وإن كانت من عداد التّفاريق:
ما بان عذري فيه حتّى عذّراومشى الدّجى في خدّه فتبخترا
همّت تقبّله عقارب صدغهفاستلّ ناظره عليها خنجرا
قوله: همّت تقبّله عقارب صدغه، كناية حسنة عن عطفة الصّدغ يدلّ على أنّها من انعطافها، بحيث دنت من الشّفة، وكادت تقبّله، وكأنّ انعطافها إلى جانب المقبّل [منه] ظمأ منها إلى التّقبيل. وقلمّا تتّفق مثل هذه الاستعارة من هذا القبيل. [عاد الشّعر].
والله لولا أن يقال: تغيّراوصبا وإن كان التّصابي أجدرا
لأعدت تفاح الخدود بنفسجالثما، وكافور التّرائب عنبرا
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع