من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
أبو محمد علي بن الأزهر
ابن عمرو بن حسان. حيّاني الأديب يعقوب [بن أحمد] أيّده الله بريحانة شعره وأرخى طولي منه في روضة مستأسدة الأعشاب، مترنّمة الذّباب. فممّا سحر لبّي من لبّ كلامه قوله:
ديارهم بالرّقمتين سقيتسحابا من الوسميّ ثم وليت
وما لك في ريّ السحائب حاجةوقد طالما من مقلتيّ رويت
وإن كان ماء العين ليس بنافعفحسبك قد أبليت ثم بليت
وكم قد سبتني فيك من ذات برقعبأحسن عين للمهاة وليت
وألمى عليه لعسة زين حسنهابأبيض معسول الرّضاب شتيت
أيا بأبي الغوران طنّبت فيهماوأرض من الغورين كنت وطيت
وماء حللته وإن كان آجناوروض رعيت العشب فيه، رعيت
قلت: ما أحسن ما جمع بين قوله (رعيت العشب) على الإخبار، و (رعيت..) على الدّعاء!! فهما إذا سبرهما تقدير؛ روضة وغدير:
وركب عجال مدلجين تروّحواعلى كلّ موّار اليدين هريت
فقلت لهم: سيروا ولا تتروّحوافليس لناوادي الغضا بمبيت
فقالت: ولم أمسيت تطوي بلادنا؟فقلت: أمرتيني غداة نهيت
أراد (أمرتني)، إلا أنّه أشبع الكسرة فصارت ياء.
وقد كنت لا ترضين منهم بما أرىمن الضيم لي فاليوم كيف رضيت؟
وأقسمت ألّا تقبلي قول كاشحكذوب فلم أقسمت ثمّ نسيت؟
[قلت] كنايته عن الحنث بالنّسيان عندي أقصى غاية من الاحسان. وقد قيل: لم يكن أحد [كنّى] عن تكذيب الحبيبة بأحسن من قول المتنبّي:
تشتكي ما اشتكيت من ألم الشوق إليها، والشوق حيث النّحول
وله ضاديّة جمّل بها (كلّ ناطق) بالضّاد، طاه في قدور الصّاد، وهي:
سقت السحائب قبل أن تتقوّضاخيما على الخابور أمست رفّضا
فيهنّ من أبناء جوثة فتيةغضب فما يرضون إلّا بالرّضا
من كلّ أروع. ما يقرّ فؤادهكالحيّة النّضناض لمّا نضنضا
ما يقتني إلّا طمرّا ملجماومفاضة زغفا وسيفا منتضى
يا راكبا إمّا عرضت فبلّغنمن بالعراق مصرّحا ومعرّضا
إني غرضت عن المقام بأرضكمصفر اليدين وحقّ لي أن أغرضا
بعدا لمن يرضى بدار مذلةيمسي بها حرضا ويصبح محرضا
وإذا الكريم رأى الهوان ببلدةرفض الهوان بها وراح مركّضا
وأنادم الجبار لا أرضى بهإلّا إذا كان اللباب المرتضى
وأفضّ أوعية المدام وأجتليألوانهنّ مذهّبا ومفضّضا
إن ضاق مسرح ناقتي في بلدةفزمامها بيدي وما ضاق الفضا
وعليّ أن أسعى وأطلب مكسباوالرزق ما قسم الإله وما قضى
وله أيضا من قصيدة أولها:
البيد يا أيدي المهار البيداحتّى يصير لك الكلال قيودا
لا ماء إلا بالغوير ودونناعشر يعود بها الدّليل بليدا
واستبعدت أرض السّماوة، والذيفي الرّحل ليس يرى السماء بعيدا
قوله: (والذي في الرحل) يعني نفسه، وقريب منه قول المتنبي:
ومن خلقت عيناك بين جفونه[أصاب الحدور السّهل في المرتقى الصّعب]
وقوله [المتنبي]:
ما الخلّ إلا من أودّ بقلبه[ويرى بطرف لا يرى بسوائه]
[عود إلى الشّعر]:
يا سعد سعد بني سليم لا تنخحتى ترى أعلامهنّ السّودا
وتنوفة مجهولة، جون القطافيها، يحار إذا أراد ورودا
قطعت مناكبها مناكب جسرةجسرت فصيّرت الجبال صعيدا
ولطالما رفّهتها بمؤدّبفي الجري يأنف أن يرى مكدودا
متمرّد في الركض لا يسطيعهفخذاك إلّا أن تكون مريدا»
يغنيك عن حمل الزّناد بأربعتطس الصّفا فترى لهنّ وقودا
ومساير حلو الحديث إذا انتشىفيه ظننت حديثه تغريدا
يمتارني ما يشتهي ويميرنيمنه حديثا تارة ونشيدا
هذا وبادية حللنا فيهملا طالبين قرى ولا تزويدا
نحروا لنا الخيل الإناث وأصبحوارجلى وكانت عدة وعديدا
وكريمة من قومها استنقذتهاوالطعن يخرق لبّة ووريدا
أصحبتها كلتا يديّ وما رأتعيناي منها معصما ونهودا
وضممت هودجها وقلت لصاحبي:سر بيننا حتى تكون شهيدا
ما كنت في هذي العشيرة كلّهامذ كنت إلّا واحدا ووحيدا
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع