من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
القاضي أبو الفتح نصر بن سيار الهروي
تلو القاضي الأزدي [و] بلديّه في الأخذ بأطراف الفضائل، والاشتمال على كرم الشمّائل. وله شعر كاسم أبيه بحوافر الإجادة سيّار، وبقوادم الإصابة طيّار. وولي القضاء والزعامة بهرات مدّة، وكان ذا كفايتيها، المستولي على غايتيها. ثمّ تكدّرت الحال بينه وبين الأمير يبغو، وتصورت له منه مطابقة مخالفيه، فساء ظنّه فيه، وأمر بنقله إلى سجستان، معتقلا مع وزيره مسعود بن محمد بن سهل.
فلمّا بلغوا أسفزار أحسّ منه المتوكلون باحتيال في التملّس من أيديهم، فعمد له بعض من مردة أولئك الشياطين، وعلّقوه في سوق أسفزار ببعض الأساطين، فجفّ ريقه، واختصر طريقه، وتفرّق عنه فريقه، وترك بها مخنوقا ينوح الفضل منه على أسد في جيده حبل من مسد.
وقد أحاطت المخنقة منه بملعب الكرم، وتدلى كما يتدلّى العنقود من عريش الكرم، رحمة الله على ذاك الجسد، بل على ذاك الأسد. فممّا أنشدني لنفسه من بدائعه قوله من قصيدة له في الوزير أبي الفتح مسعود بن محمد بن سهل [رحمة الله عليه]:
للمحسنين نصيب من مدائحناوللحسان نسيب من قوافينا
/
نطري أبا الفتح مسعودا وقد رفعتفي كلّ واد وناد نار مطرينا
وله في تفّاحة معضوضة:
تفّاحة قد عضّها قمرعمدا ومسّك موضع العضّه
وكأنّ عضته ممسّكةصدغ أحاط بوجنة غضّه
وكأنّها نونان قد كتبابالمسك في كرة من الفضّه
وقوله:
وبدا لنا بدر الدّجي والليل قدشمل الأنام بفاضل الجلباب
غطّى الكسوف عليه إلّا لمعةفكأنّه حسناء تحت نقاب
وقوله:
بنفسي أغيد، ألحاظهتمهّد لي في الذّنوب الرّخص
يشقّق كبدي إذا ما شداويرقص قلبي إذا ما رقص
وقوله:
يا ليلة ضمّنا عناقولفّنا تحتها التزام
ما لي سوى وجنتيه وردولا سوى ريقه مدام
تاب إلينا بها اللّياليفذمّها بعدها حرام
وقوله يصف نار السّذق:
ربّ ليل كشعر ليلى سواداشقّ جلبابه على الأرض نار
وترى الأرض كالسّماء فكلّقد تجلّى خلالها أنوار
بشرار كأنّهنّ نجومونجوم كأنّهنّ شرار
وله أيضا في معناها:
وليلة سامحتنيبها نوائب دهري
بتنا نضيع دجاها[ما] بين (خمر وجمر
فتلك ذائب جمروذاك جامد خمر
وله في صفة النار أيضا من قصيدة:/
لها شرر مثل النجوم تطايرتفمرّت دنانيرا وجاءت دراهما
قلت: كنت يوما من الأيام أطالع ديوان أشعاره، وقد تناهى فيها إلى حدّ الإكثار تفنّنا في أوصاف النار. فقلت في نفسي:
تعجبا لهذه الأوراق، كيف سلمت من الاحتراق!! وفي كلّ بيت منها بيت نار، وإن لم يكن صاحبها عاقد زنّار. وله في رمّانة سوداء:
وشادن ناولني بغنج
ظبي فراش وهزبر سرجغصن على دعص نقا مرتجّ،
رمّانة سوداء قبل النّضجكثدي بكر من بنات الزّنج
وله في معنى اقترح عليه:
دخلت يوما على صديقوالبرد يفري به الفريّا
قال: إلى) النار، قلت: كلّافأنت أولى بها صليّا
وله من أبيات [أيضا]
وكنت وعدتني عسلا مصفّىفها أنا منك أرضى بالمضيض
وله في الهجاء:
شعر عبد الكريم قد يترك الصّيف إذا أنشدوه مثل الشّتاء
ما رووه في مجلس قطّ إلّاأخذ الناس فيه بالعرواء
قد أتاني يوما لينشد شيئامنه عندي فقلت: هاتوا كسائي
قد غدونا ما بين بردين، ويلي؛برد أشعاره) وبرد الهواء!!
/
هو من آلة المحبّين إذ يبردن حرّ الأكباد والأحشاء وله في صفة النّرجس:
ونرجس غادرنيما بين عجب وعجب
كطبق من فضّةعليه كأس من ذهب
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع