من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
القاضي أبو جعفر محمد بن اسحق البحاثي
كتبت على ظهر ديوانه فصلا جمع [ببن] بعض أوصافه، وإن كان مشتملا من الفضل على أضعافه. وفي القليل ما يغني عن الكثير، ولا ينبئك مثل خبير.
الفصل: لمّا تجاوزت عتبة إيوان هذا الديوان، أعذت في ذلك ناشر بزّها وواشي طرزها،/ [القاضي] أبا جعفر من عين الكمال، راغبا [في ذلك] إلى الله تعالى بأصدق الآمال. فقد خاض بها لجج البلاغة أتمّ الخوض،
وتفنّن في أنواعها تفنّن الحمراء والصفراء من قطع الروض. إن أجمّ الجدّ بالفكاهة في الأحيان، فمنحوت من نبعة ابن الحجّاج. وإن نشط لمغازلة الغزلان فموصوف بظرف ابن أبي ربيعة في وصف ما تضمّنته هوادج الحجّاج. وان استبّ فأحد الفحلين؛ جريرا أو الفرزدق، وإن كانا من القدماء. وإن دبّ فالملك الضّليّل يسمو إلى صاحبته سمّو حباب الماء.
وإن أطرى فابن ثابت حسّان، وقصائده في غسّان تلك الحسان. وإن رثى ورى [زندا عفاره] من المرخ. وأملى النّياحة على الحمامة المفجوعة بالفرخ، وعلى الجملة ما من بحر ركب سفينه إلّا غاص على درّه، وانتزع دفينه. فلله درّه من فاضل يغمر ماطرا، ويقمر مخاطرا. فمما قاله في المديح قوله من قصيدة له في الأمير أحمد بن نيالتكين، وأنشدنيها لنفسه:
من يكن يطلب البراز فذا أحمد في سرج طرفه القمّاص
وبكفّيه خاطب قوله الفصل على منبر الطّلى والعناصي
شغلته العلا بأسمر ذي عشرين عن كلّ أسمر ذي عقاص
ومنها وذكر عدوّه:
ليس ينجيه غيضة من شباجهم لآساد غيلها قنّاص
سوف يأتيه بالسيوف تراهاطائعات على أكفّ عواص
وبجيش يجيش نحو الأعاديبقلوب على الحتوف حراص
/ ونفوس يوم اللقاء رخاصوهي بعد اللقاء غير رخاص
قد أعدّوا من قوة ما استطاعواوتواصوا بالصّبر أيّ تواص
مطعمي أنسر الفلاة لحومابالمواضي، بطانها) والخماص
تاركي رؤوس الأعادي كبيضفي أداحي النّعام بالأدعاص
وله من أخرى في غيره:
يرتاح للمجد مهتزا كمطّردمثقّف من رماح الخطّ عسّال
فمرة باسم عن برق ثغر حياوتارة كاشر عن ناب رئبال
فما أسامة مطرورا براثنهضخم الجزارة يحمي جيش أشبال
يوما بأشجع منه حشو ملحمةوالحرب تصدم (أبطالا بأبطال
ولا خضارة صخّابا غواربهتسمو أواذيّه حالا على حال
أندى وأسمح منه إذ يبشّرهمبشّروه بروّد ونزّال
يمشي ببرق إذا جفّت خلوف حيانحو الهجان لأيديهنّ بلّال»
غيث يروّي صدى الأفهام من عطشبمنطق مثل ماء المزن سلسال
فكم أعاد وحسّاد ذوي عددقد زلزلوا بك ذعرا أيّ زلزال!
شاموا عقيقة برق شمت من خللفأصبحوا بين فرّار وفلّال
ومن غزلياته قوله في غلام نصرانيّ:
قولا لبدر تلا إنجيله وشداأفديك من مسمع طورا ومستمع
أشتاق نار جحيم أنت تسكنهاوأكره الخلد لا ألقاك فيه معي
/ وقوله [أيضا]:
وذي شنب لو أنّ خمرة ظلمهأشبّهها بالخمر خفت به ظلما
قبضت عليه خاليا واعتنقتهفأوسعني شتما وأوسعته لثما
وقوله:
لحاجبه المقرون أعشق قوسهوإن أرسلت بالنّبل نحوي الدواهيا
وأهوى الظّبى لمّا حكاه ابيضاضهاوإن قطّعت لي من حياتي الأواخيا
وقوله:
تركت الزيارة لا عن قلىوعفت التّواصل لا عن سلوّ
ولكن نهاني عن أن أزورحياء الصّديق وخوف العدو
وقوله [أيضا]:
عليك بالخدّ النّقيّ الّذيتفتّح الورد له حليه
واسلح على الخطّ وعشّاقهفإنّه جزء من اللّحيه
ومن خمرياته قوله:
أشرب من كفّك مشمولةكأنّها قد أشربت عصفرا
راحا متى ما صافحت راحةألقت عليها صبغها الأحمرا
تخالفا من خمرة حمرةوكأسها ماء عليها جرى
ما ضرّها من بعد ما قد صفتأن لم تكن تنمى إلى عكبرا؟
وكتب إلى صديقه أحمد بن عثمان الخشناميّ:
قم يا ابن عثمان الكريم المنصبواشرب على رغم العواذل واطرب
واخلع عذارك في السرور وفي المنىغضبت له العذّال أو لم تغضب
أو ما ترى الغيم الرّكام مطرّزاببروقه مثل الرّداء المذهب؟
متناثرا، فوق الثّرى حبّاتهكثغور معسول الثّنايا أشنب
برد تحدّر من ذرا صخّابةكالدّرّ إلّا أنّه لم يثقب
/وله في صفة البرد من أبيات:
برد حكى بيض الحمام ولم تزلمن خوفه تلقي الحمامة بيضها
وله [أيضا رحمه الله تعالى]:
من تاب عن لذّاته يافعافإنّني تبت عن التوبه
كلّ له من دهره نوبةلا بدّ أن أستوفي النوبه
وله في حكمة مشوبة بالمجون:
[صيانة المرء استه في الصّباوالأدب الجزل من الحرفه]
وخاب من دنياه من يبتغيصناعة الفضل له حرفه
فإنّما الدّنيا بها خسّةوقلّما تدرك بالعفّه
وإنّ من يطلبها بإستهينالها عفوا بلا كلفه
ما نطفة في الوجه إلّا لمنقد صبّ في تينته نطفه
وله:
واعجر الكيس لمعطي إستهلأعجر كالبوق (ذي فلذه
عليك بالتّرك وأولادهمفالتّرك جيل كلّه لذّه
أيري على مقدار أستاههمكحذوك القذّة بالقذّه
[وله أيضا] ومما قاله في الاغتراب:
لمّا رأيت الفقر ينزل بالفتىتحت الثّرى ومحلّه الجوزاء
فارقت قومي أبتغي لهم علايسمو به الآباء والأبناء
واخترت دار الاغتراب يصيبنيفي غربتي السرّاء والضّرّاء
إن نلت خيرا أبت أوبة غانمأو متّ لم يشعر بي الأعداء
ومما يدخل في باب الافتخار:
وقسورة بادرت واللّيل ضاربسرادق دجن لا يزول مربّه
/
دفقت له ماء الوتين سجيرةكجمر الغضا باتت شمال تشبّه
وكم بلد صعب المرام دخلتهيغصّ بأرماح المغيرين دربه
ولي بلو جسم سوء حال يهدّهأحبّ إليه من نعيم يربّه
قلت: وكان، ﵀، بذيء اللسان يضرّط الأعيار، ولا تفارق مكواته النار:
وما كان بهلول على الشّتم والخناوقذف النساء المحصنات بغيضا
فمن أهاجيه الّتي يحلو عند مرارته العلقم ويهلك بنفثه الأرقم قوله في [الشيخ] أبي سعد الكنجروذيّ:
قل لبغا كنجروذ) أبي سعد ومن قد تناجلته بغايا:
يا بغيضا على اختلاف الليالييا دعيّا على اتّفاق البرايا
إخس كلبا فما لشتمك إلّاحجر يترك الرّمايا شظايا
ونعال تكسو الأخادع ثوبامن سواد يريك حمر المنايا
وله فيه أيضا:
الكنجروذيّ في لعلوم لهبرق كذوب وماله صيّب
فيه على نكره مطايبةمثل خرا النّيك منتن طيّب
وله في غيره:
له شرج كالدرب ما فيه [مسكن]مباح لمن يأتيه والكيس مشرج
وإحسانه إن زلّ من لؤم كفّهفرادى مع التنغيص والصّفع مزوج
وله أيضا:
يغار على العورات فهو يكنهاكراهية من أن يراها بطرفه
رأى من حمار سوءة الفيل فانكفاإليها وواراها بسوءة خلفه
وله من قصيدة:
يعطي القليل المزدرى عابساكأنّما ينتف من إبطه
وقد ينيل النّزر مستكرهاعلى الأحايين وفي غلطه
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع