من «ثمار القلوب في المضاف والمنسوب» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
أهل الله
الصفحة ١ من ٢
(أهل الله) كَانَ يُقَال لقريش فِي الْجَاهِلِيَّة أهل الله لما تميزوا بِهِ عَن سَائِر الْعَرَب من المحاسن والمكارم والفضائل والخصائص الَّتِي هى أَكثر من أَن تحصى
فَمِنْهَا مجاورتهم بَيت الله تَعَالَى وإيثارهم سكن حرمه على جَمِيع بِلَاد الله وصبرهم على لأواء مَكَّة وشدتها وخشونة الْعَيْش بهَا
وَمِنْهَا مَا تفردوا بِهِ من الإيلاف والوفادة والرفادة والسقاية والرياسة واللواء والندوة
وَمِنْهَا كَونهم على إِرْث من دين أبويهم إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل ﵉ من قرى الضَّيْف ورفد الْحَاج والمعتمرين وَالْقِيَام بِمَا يصلحهم وتعظيم الْحرم وصيانته عَن البغى فِيهِ والإلحاد وقمع الظَّالِم وَمنع الْمَظْلُوم
وَمِنْهَا كَونهم قبْلَة الْعَرَب وَمَوْضِع الْحَج الْأَكْبَر يُؤْتونَ من كل أَوب بعيد وفج عميق فَترد عَلَيْهِم الْأَخْلَاق والعقول والآداب والألسنة واللغات والعادات والصور وَالشَّمَائِل عفوا بِلَا كلفة وَلَا غرم وَلَا عزم وَلَا حِيلَة فيشاهدون مَا لم تشاهده قَبيلَة وَلَيْسَ من شَاهد الْجَمِيع كمن شَاهد الْبَعْض وَلَا المجرب كالغمر وَلَا الأريب كالعتل فكثرت الخواطر واتسع السماع وأنفسحت الصُّدُور بالغرائب الَّتِي تتَّخذ والأعاجيب الَّتِي تحفظ فثبتت تِلْكَ الْأُمُور فِي صُدُورهمْ وأضمرت وتزاوجت فتناتجت وتوالدت وصادفت قريحة جَيِّدَة وطينة كَرِيمَة وَالْقَوْم فِي الأَصْل مرشحون لِلْأَمْرِ الجسيم فَلذَلِك صَارُوا أدهى الْعَرَب وأعقل الْبَريَّة وَأحسن النَّاس بَيَانا وصارا أحدهم يُوزن بِأمة من الْأُمَم وَكَذَلِكَ ينبغى أَن يكون الإِمَام فَأَما الرَّسُول ﷺ فقد كَانَ يزن جَمِيع الْأُمَم
وَمِنْهَا ثبات جودهم وجزيل عطاياهم واحتمالهم الْمُؤَن الْغِلَاظ فِي أَمْوَالهم المكتسبة من التِّجَارَة وَمَعْلُوم أَن الْبُخْل وَالنَّظَر فِي الطفيف مقرون بِالتِّجَارَة الَّتِي هى صناعتهم والتجار هم أَصْحَاب التربيح والتكسب والتدنيق والتدقيق وَكَانَ فِي اتِّصَال جودهم العالي على الأجواد من قوم لَا كسب لَهُم من التِّجَارَة عجب من الْعجب وأعجب من ذَلِك أَنهم من بَين جَمِيع الْعَرَب دانوا بالتحمس والتشدد فِي الدّين فتركوا الْغَزْو كَرَاهَة للسبي وَاسْتِحْلَال الْأَمْوَال فَلَمَّا زهدوا فِي الغصوب لم يبْق مكسبة سوى التِّجَارَة فَضربُوا فِي الْبِلَاد إِلَى قَيْصر بالروم وَالنَّجَاشِي بِالْحَبَشَةِ والمقوقس بِمصْر وصاروا بأجمعهم
تجارًا خلطاء فَكَانُوا مَعَ طول ترك الْغَزْو إِذا غزوا كالأسود على فرائسها مَعَ الرأى الْأَصِيل والبصيرة النافذة
فَهَذَا يسير من كثير خصائصهم فِي الْجَاهِلِيَّة وَلما جَاءَ الله تَعَالَى بِالْإِسْلَامِ وَبعث مِنْهُم خير خلقه وَأفضل رسله مُحَمَّدًا رَسُول الله ﷺ تظاهر شرفهم وتضاعف كرمهم وصاروا على الْحَقِيقَة أَهلا لِأَن يدعوا أهل الله فاستمر عَلَيْهِم وعَلى سَائِر أهل مَكَّة وعَلى أهل الْقُرْآن هَذَا الأسم حَيْثُ قَالَ النَّبِي ﷺ (أهل الْقُرْآن هم أهل الله وخاصته) وَقَالَ لعتاب بن أسيد لما بَعثه إِلَى مَكَّة
هَل تدرى على من اسْتَعْمَلْتُك اسْتَعْمَلْتُك على أهل الله
وَسَأَلَ عمر بن الْخطاب رضى الله عَنهُ نَافِع بن عبد الْحَارِث الخزاعى حِين قدم عَلَيْهِ من مَكَّة من اسْتخْلفت على مَكَّة قَالَ ابْن أَبْزَى قَالَ أتستخلف على أهل الله مولى قَالَ إِنَّه أقرؤهم لكتاب الله تَعَالَى قَالَ إِن الله تَعَالَى يرفع بِالْقُرْآنِ أَقْوَامًا
قَالَ بعض السّلف حَسبك من قُرَيْش أَنهم أهل الله وَأقرب النَّاس بُيُوتًا من بَيت الله وأقربهم قرَابَة من رَسُول الله وَلم يسم الله تَعَالَى قَبيلَة باسمها غير قُرَيْش وَصَارَت فيهم وَلَهُم الْخِصَال الْأَرْبَع الَّتِي هى أشرف خِصَال الْإِسْلَام النُّبُوَّة والخلافة والشورى والفتوح فَلَيْسَ الْيَوْم على ظهر الأَرْض وممالك الْعَرَب والعجم وَفِي جَمِيع الأقاليم السَّبْعَة ملك فِي نِصَاب نبوة وإمامة فِي مغرس رِسَالَة إِلَّا من قُرَيْش
وَقَالَ النَّبِي ﷺ (الْأَئِمَّة من قُرَيْش) وَقَالَ ﷺ (قدمُوا قُريْشًا وَلَا تتقدموها وتعلموا مِنْهَا وَلَا تعلموها) وينشد
إِن قُريْشًا هى من خير الْأُمَملَا يضعون قدما على قدم) أى يتبعُون وَلَا يتبعُون
وَقَالَ الْأَعْشَى وَهُوَ يُعَاتب رجلا ويخبر أَنه مَعَ شرفه لم يبلغ مبلغ قُرَيْش
فَمَا أَنْت من أهل الْحجُون وَلَا الصَّفَاوَلَا لَك حق الشّرْب فِي مَاء زَمْزَم
وسيمر بك فِي هَذَا الْكتاب من نكت فضائلهم وغرر غرائبهم مَا تكْثر فَائِدَته وتطيب ثَمَرَته وَإِن كَانَ لَا مزِيد على وصف الجاحظ لَهُم ومدحه إيَّاهُم وتخصيصه بنى هَاشم مِنْهُم فَإِنَّهُ ﵀ ألْقى جمة فَصَاحَته واستنزف بَحر بلاغته فِي فصل لَهُ وَهُوَ قَوْله
الْعَرَب كالبدن وقريش روحها وهَاشِم سرها ولبها وَمَوْضِع غَايَة الدّين وَالدُّنْيَا مِنْهَا وَبَنُو هَاشم ملح الأَرْض وزينة الدُّنْيَا وحلى الْعَالم والسنام الأضخم والكاهل الْأَعْظَم ولباب كل جَوْهَر كريم وسر كل عنصر لطيف والطينة الْبَيْضَاء والمغرس الْمُبَارك والنصاب الوثيق ومعدن الْفَهم وينبوع الْعلم وثهلان ذُو الهضبات فِي الْحلم وَالسيف الحسام فِي الْعَزْم مَعَ الأناة والحزم والصفح عَن الجرم والإغضاء عَن العثرة وَالْعَفو
عِنْد الْقُدْرَة وهم الْأنف الْمُتَقَدّم والسنام ألاكوم والعزم المشمخر والصيانة والسر وكالماء الذى لَا يُنجسهُ شَيْء وكالشمس لَا تخفى بِكُل مَكَان وكالنجم للحيران وَالْمَاء الْبَارِد للظمآن وَمِنْهُم الثَّقَلَان والطيبان والسبطان والشهيدان وَأسد الله وَذُو الجناحين وَسيد الوادى وساقى الحجيج وحليم الْبَطْحَاء وَالْبَحْر والحبر وَالْأَنْصَار أنصارهم وَالْمُهَاجِر من هَاجر إِلَيْهِم أَو مَعَهم وَالصديق من صدقهم والفاروق من فرق بَين الْحق وَالْبَاطِل مِنْهُم والحوارى حواريهم وَذُو الشَّهَادَتَيْنِ لِأَنَّهُ شهد لَهُم وَلَا خير إِلَّا هم أَو فيهم أَو لَهُم أَو مَعَهم أَو انضاف إِلَيْهِم وَكَيف لَا يكونُونَ كَذَلِك وَمِنْهُم رَسُول رب الْعَالمين وَإِمَام الْأَوَّلين والآخرين وَسيد الْمُرْسلين وَخَاتم النَّبِيين الذى لم تتمّ لنَبِيّ نبوة إِلَّا بعد التَّصْدِيق بِهِ والبشارة بمجيئه الذى عَم برسالته مَا بَين الْخَافِقين وأظهره الله على الدّين كُله وَلَو كره الْمُشْركُونَ فَقَالَ ﴿نذيرا للبشر﴾ وَقَالَ ﴿قل يَا أَيهَا النَّاس إِنِّي رَسُول الله إِلَيْكُم جَمِيعًا﴾
وَقَالَ ﷺ (بعثت إِلَى الْأَحْمَر وَالْأسود وَإِلَى النَّاس كَافَّة) وَقَالَ (نصرت بِالرُّعْبِ من مسيرَة شهر وَأعْطيت جَوَامِع الْكَلم وَعرضت على مَفَاتِيح خَزَائِن الأَرْض) وَقَالَ (أَنا أول شَافِع وَمُشَفَّع وَأول من تَنْشَق عَنهُ الأَرْض)
وَقد أقسم الله ﷾ بحياته فِي الْقُرْآن فَقَالَ ﴿لعمرك إِنَّهُم لفي سكرتهم يعمهون﴾ وَقَالَ ﴿ن والقلم﴾ استفتاح وَقسم ثمَّ قَالَ ﴿وَمَا يسطرون﴾
) فأكد الْقسم وَفسّر الْمَعْنى ثمَّ قصد نبيه فَقَالَ ﴿وَإنَّك لعلى خلق عَظِيم﴾ ولاعظيم أعظم مِمَّن عظمه الله كَمَا أَنه لَا صَغِير أَصْغَر مِمَّن صغره الله
فأى ممدوح أعظم وأفخر وأسنى وأكبر من ممدوح مادحه الله وناقل مديحه وراوية كَلَامه جِبْرِيل والممدوح مُحَمَّد ﷺ
قَالَ مؤلف الْكتاب وكما سمتهم الْعَرَب أهل الله سمى مُحَمَّد بن عبد الْملك ابْن صَالح الْهَاشِمِي ابْن آل الله وَكَانَ يطْلب مهاجاة مُحَمَّد بن يزِيد المسلمى من ولد مسلمة بن عبد الْملك بن مَرْوَان وَكَانَ المسلمى يَأْبَى ذَلِك وَيَقُول لَا أهاجى رجلا فِي دولته وَكَانَ إِذا فَخر فِي قصيدة نقض عَلَيْهِ مُحَمَّد فَمن ذَلِك قَول المسلمى
(أما صفاتى فلهَا شان ...)
وهى طَوِيلَة يفخر فِيهَا ببنى أُميَّة فَقَالَ مُحَمَّد بن عبد الْملك على وَزنهَا قصيدة أَولهَا
أَنا ابْن آل الله من هَاشمحَيْثُ نمى خير واحسان
من نبعة مِنْهَا نبى الْهدىمؤنقة وَالْفرع فينان
منا على بن أَبى طَالبومنك مَرْوَان وسُفْيَان
مَوْلَاك فِي الْإِيمَان لَا تنسهإِن كَانَ فِي قَلْبك إِيمَان
آمن بِاللَّه وآياتهوَأَنْتُم صم وعميان
وَأول من قَالَ لَهُم عترة الله إِبْرَاهِيم بن المهدى فَإِنَّهُ لما أغارت الرّوم
بعد أنصراف المعتصم على الْمُسلمين وأسرت خلقا كثيرا مِنْهُم دخل على المعتصم وأنشده قصيدة يحضه بهَا على جهادهم فَمِنْهَا قَوْله
يَا عترة الله قد عَايَنت فانتقمىتِلْكَ النِّسَاء وَمَا مِنْهُنَّ يرتكب
هَب الرِّجَال على إجرامها قتلتمَا بَال أطفالها بِالذبْحِ تستلب
وَقبل إِبْرَاهِيم قد جعلهم الْحَارِث بن ظَالِم المرى قرابين الله يتَقرَّب إِلَيْهِ بهم لأَنهم هم فَقَالَ
إِذا فَارَقت ثَعْلَبَة بن سعدوإخوتهم نسبت إِلَى لؤى
إِلَى نسب كريم غير وغدوحى هم أكارم كل حى
وَإِن تعصب بهم نسبى فَمنهمْقرابين الْإِلَه بَنو قصى) وفى الْمُنَاسبَة بَين العترة والقرابين خَفَاء
(بَيت الله) كَمَا أَن أهل مَكَّة أهل الله وَالْحجاج زوار الله فالكعبة بَيت الله الذى جعله الله مثابة للنَّاس وحطة للخليل وحلة للذبيح وقبلة لسَيِّد ولد آدم وَخَاتم الْأَنْبِيَاء ﷺ وكعبة لأمته الَّتِي هى خير الْأُمَم وَقد كَانَت الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة لَا تبنى بنيانا مربعًا تَعْظِيمًا للكعبة وَقد كَانَت تحلف بِبَيْت الله كَمَا قَالَ زُهَيْر
فأقسمت بِالْبَيْتِ الذى طَاف حولهرجال بنوه من قُرَيْش وجرهم) وَقَالَ النَّابِغَة
فَلَا وَرب الذى قد زرته حجَجًاوَمَا هريق على الأنصاب من جَسَد
وَقَالَ الله تَعَالَى حِكَايَة عَن إِبْرَاهِيم ﵇ ﴿رَبنَا إِنِّي أسكنت من ذريتي بواد غير ذِي زرع عِنْد بَيْتك الْمحرم رَبنَا ليقيموا الصَّلَاة فَاجْعَلْ أَفْئِدَة من النَّاس تهوي إِلَيْهِم وارزقهم من الثمرات لَعَلَّهُم يشكرون﴾
فَمن خَصَائِص الْحرم أَنه بواد غير ذى زرع وَلَا شجر وَيُوجد فِيهِ كل ثَمَرَات الْأَشْجَار وَالزَّرْع وَغَيرهَا
وَمن خَصَائِصه أَن الذِّئْب يريغ الظبى ويعارضه ويصيده فَإِذا دخل الْحرم كف عَنهُ
وَمن خَصَائِصه أَنه لَا يسْقط على الْكَعْبَة حمام إِلَّا وَهُوَ عليل عرف ذَلِك من أمتحنه وتعرف حَاله وَلَا يسْقط عَلَيْهَا مَا دَامَ صَحِيحا
وَمن خَصَائِصه أَن الطير إِذا حاذت الْكَعْبَة انفرقت فرْقَتَيْن وَلم تعلها
وَمن خَصَائِصه أَنه لَا يرَاهُ أحد مِمَّن لم يكن رَآهُ إِلَّا ضحك أَو بَكَى
وَمِنْهَا أَنه إِذا اصاب الْمَطَر الْبَاب الذى من شقّ الْعرَاق كَانَ الخصب فِي تِلْكَ السّنة بالعراق وَإِذا أصَاب الذى من شقّ الشَّام كَانَ الخصب بِالشَّام وَإِذا عَم جَوَانِب الْبَيْت كَانَ الخصب عَاما فِي الْبلدَانِ
وَمِنْهَا أَن الْجمار ترمى فِي ذَلِك المرمى مُنْذُ يَوْم حج النَّاس الْبَيْت على طول الدَّهْر ثمَّ كَانَت إِلَى الْيَوْم على مِقْدَار وَاحِد وَلَوْلَا أَنه مَوضِع الْآيَة
وَقَالَ النَّابِغَة
فَلَا وَرب الذى قد زرته حجَجًاوَمَا هريق على الأنصاب من جَسَد
وَقَالَ الله تَعَالَى حِكَايَة عَن إِبْرَاهِيم ﵇ ﴿رَبنَا إِنِّي أسكنت من ذريتي بواد غير ذِي زرع عِنْد بَيْتك الْمحرم رَبنَا ليقيموا الصَّلَاة فَاجْعَلْ أَفْئِدَة من النَّاس تهوي إِلَيْهِم وارزقهم من الثمرات لَعَلَّهُم يشكرون﴾
فَمن خَصَائِص الْحرم أَنه بواد غير ذى زرع وَلَا شجر وَيُوجد فِيهِ كل ثَمَرَات الْأَشْجَار وَالزَّرْع وَغَيرهَا
وَمن خَصَائِصه أَن الذِّئْب يريغ الظبى ويعارضه ويصيده فَإِذا دخل الْحرم كف عَنهُ
وَمن خَصَائِصه أَنه لَا يسْقط على الْكَعْبَة حمام إِلَّا وَهُوَ عليل عرف ذَلِك من أمتحنه وتعرف حَاله وَلَا يسْقط عَلَيْهَا مَا دَامَ صَحِيحا
وَمن خَصَائِصه أَن الطير إِذا حاذت الْكَعْبَة انفرقت فرْقَتَيْن وَلم تعلها
وَمن خَصَائِصه أَنه لَا يرَاهُ أحد مِمَّن لم يكن رَآهُ إِلَّا ضحك أَو بَكَى
وَمِنْهَا أَنه إِذا اصاب الْمَطَر الْبَاب الذى من شقّ الْعرَاق كَانَ الخصب فِي تِلْكَ السّنة بالعراق وَإِذا أصَاب الذى من شقّ الشَّام كَانَ الخصب بِالشَّام وَإِذا عَم جَوَانِب الْبَيْت كَانَ الخصب عَاما فِي الْبلدَانِ
وَمِنْهَا أَن الْجمار ترمى فِي ذَلِك المرمى مُنْذُ يَوْم حج النَّاس الْبَيْت على طول الدَّهْر ثمَّ كَانَت إِلَى الْيَوْم على مِقْدَار وَاحِد وَلَوْلَا أَنه مَوضِع الْآيَة
والعلامة والأعجوبة الَّتِي فِيهَا لقد كَانَ كالجبال هَذَا من غير أَن تكسحه السُّيُول أَو يَأْخُذهُ النَّاس
وَمن سُنَنهمْ أَن من علا الْكَعْبَة من العبيد فَهُوَ حر لَا يرَوْنَ الْملك على من علاها وَلَا يجمعُونَ بَين عز علوها وذل الرّقّ وبمكة رجال من الصلحاء لم يدخلوها قطّ إعظاما لَهَا
وَمن يَسْتَطِيع ان يدعى الْإِحَاطَة بفضائل بَيت الله وخصائصه
وَمن بارع التمثل بِهِ قَول بعض الْمُحدثين فِي الْحسن بن مخلد وَقد خلع عَلَيْهِ
أَبَا مُحَمَّد المسعود طالعهفت الْبَريَّة طرا أَيّمَا فَوت
زهت بك الخلعة الميمون طائرهاكزهو خلعة بَيت الله بِالْبَيْتِ) وَقَالَ آخر
(وكعبة الله لَا تُكْسَى لإعواز ...)
(رَسُول الله) قَالَ الله ﷿ ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة﴾
وَمِمَّنْ تمثل بِهِ فَأحْسن جدا ابْن الرومى حَيْثُ قَالَ فِي التَّمْثِيل لتفضيل الْوَلَد على الْوَالِد
قَالُوا أَبُو الصَّقْر من شَيبَان قلت لَهُمكلا لعمرى وَلَكِن مِنْهُ شَيبَان
وَكم أَب قد علا بِابْن ذرا شرفكَمَا علا برَسُول الله عدنان
وَقَالَ آخر فِي تَفْضِيل الْأَخير على الأول
كَذَاك رَسُول الله آخر مُرْسلوَمَا مثله فِيمَا تقدم مُرْسل
وَقَالَ الطائى فِي الِاعْتِذَار من أختيار غير الْخِيَار واصطناع من لَا يصلح للصنيعة
هَذَا رَسُول الله صفوة ربهمن بَين باد فِي الْأَنَام وقار
قد خص من أهل النِّفَاق عِصَابَةوهم أَشد أَذَى من الْكفَّار
وَاخْتَارَ من سعد لعين بنى أَبىسرح لوحى الله غير خِيَار
حَتَّى استضاء بشعلة السُّور الَّتِيرفعت لَهُ سجفا عَن الْأَسْرَار
(كتاب الله) قَالَ ابْن الرومى متمثلا بِهِ
وكأنما يمناى حِين تناولتيمناك إِذْ صافحتنى بِكِتَاب
أخذت كتاب الله وَهُوَ مُبشربكرامة الرضْوَان يَوْم حِسَاب
(خَلِيل الله) اتخذ الله إِبْرَاهِيم خَلِيلًا وَاتخذ مُحَمَّدًا حبيبا والحبيب أخص من الْخَلِيل فِي الشَّائِع المستفيض من الْعَادَات أَلا ترَاهُ تَعَالَى قَالَ لَهُ ﷺ ﴿مَا وَدعك رَبك وَمَا قلى﴾ بِمَعْنى أحبك وَمُقْتَضى هَذِه اللَّفْظَة أَنه اتَّخذهُ حبيبا وَمِمَّا يُؤَيّد ذَلِك ويؤكده أَنه تَعَالَى لَا يحب أحدا مَا لم يُؤمن بِمُحَمد ويتبعه أَلا تسمعه يَقُول ﴿قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله﴾
وَمِمَّنْ ملح فِي التَّمْثِيل بخليل الله الأصمعى حِين استقرضه صديق لَهُ من
خلص اصدقائه فَقَالَ نعم وكرامه وَلَكِن سكن قلبى برهن يساوى ضعف مَا تلتمسه فَقَالَ لَهُ يَا ابا سعيد السِّت واثقا بى فَقَالَ بلَى وَلَكِن هَذَا خَلِيل الله كَانَ واثقا بربه حِين قَالَ ﴿رب أَرِنِي كَيفَ تحيي الْمَوْتَى قَالَ أَو لم تؤمن قَالَ بلَى وَلَكِن لِيَطمَئِن قلبِي﴾
(روح الله) قَالَ تَعَالَى فِي ذكر عِيسَى ﵈ ﴿وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وروح مِنْهُ﴾ فَلِذَا قيل لَهُ روح الله كَمَا قيل لإِبْرَاهِيم خَلِيل الله ولموسى كليم الله عَلَيْهِم الصَّلَاة السَّلَام الْأَرْوَاح كلهَا مِنْهُ وَله وَإِنَّمَا أضيفت روح الله إِلَيْهِ على سَبِيل الِاخْتِصَاص
وَمِمَّا يستملح لأبى أَحْمد بن أَبى بكر الْكَاتِب قَوْله لعلى بن عِيسَى الْوَزير ويروى لِابْنِ بسام وَهُوَ بقوله أشبه
لست روح الله عِيسَىإِنَّمَا أَنْت ابْن عِيسَى
كلم النَّاس فَإِن اللهقد كلم مُوسَى
(أَرض الله) قد أَكثر النَّاس فِي الْحَث على السّير فِي الأَرْض لطلب الرزق قَالَ مَنْصُور بن ماذان
فسر فِي بِلَاد الله وَالْتمس الْغنىفَمَا الكرج الدُّنْيَا وَلَا النَّاس قَاسم
وَقَالَ البحترى
شَرق وَغرب فعهد العاهدين بِمَاطالبت فِي ذملان الأينق الذمل
وَلَا تقل أُمَم شَتَّى وَلَا فرقفالأرض من تربة وَالنَّاس من رجل
وَقَالَ سعيد بن مُحَمَّد الطبرى
سأغنى بالهبيد وباللبيدوبالفلوات عَن قصر مشيد
فأرض الله وَاسِعَة أمامىإِذا ضَاقَ الفضاء على البليد
وَمعنى الهبيد الحنظل واللبيد الجوالق أى أستغنى بالحنظل ومرعى الْبر عَن اسْتِصْحَاب زَاد
وَكَأن أحسن مَا قيل من ذَلِك مقتبس من قَوْله عز ذكره ﴿ألم تكن أَرض الله وَاسِعَة فتهاجروا فِيهَا﴾
(أَسد الله) كَانَ يُقَال لِحَمْزَة بن عبد الْمطلب أَسد الله لتقدم قدمه فِي الْحَرْب وَشدَّة إقدامه على أَعدَاء رَسُول الله ﷺ وَلما قَالَ حَمْزَة يَوْم حَرْب بدر أَنا أَسد الله وَأسد رَسُول الله قَالَ لَهُ عتبَة بن ربيعَة أَنا أَسد الحلفاء
قَالَ الزبير بن بكار لم يعرف لعتبة رفث إِلَّا هَذِه الْكَلِمَة وَكلمَة أُخْرَى قَالَهَا يَوْم بدر أَيْضا لأبى جهل وهى قَوْله فِي كَلَام جرى بَينهمَا يَا مصفر استه وَلست أدرى أى رفث فِي قَوْله أَنا أَسد الحلفاء
(سيف الله) خَالِد بن الْوَلِيد بن الْمُغيرَة أَبُو سُلَيْمَان سَمَّاهُ النبى ﷺ سيف الله لحسن آثاره فِي الْإِسْلَام وَصدقه فِي قتال الْمُشْركين فَكَانَ النَّبِي ﷺ إِذا نظر إِلَيْهِ وَإِلَى عِكْرِمَة بن أَبى جهل قَرَأَ ﴿يخرج﴾
الحى من الْمَيِّت) لِأَنَّهُمَا من خِيَار الصَّحَابَة وأبواهما أعدى عَدو لله وَرَسُوله
وروى أَبُو هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ أَن النَّبِي ﷺ نظر إِلَى خَالِد رضى الله عَنهُ لابسا درعه فَقَالَ (نعم الْمَرْء خَالِد) وَكَانَ على مقدمه رَسُول الله ﷺ يَوْم حنين وَهُوَ الذى تولى كسر أَكثر الْأَصْنَام وَهدم جلّ الْأَوْثَان الَّتِي كَانَت قُرَيْش تعبدها وَتسمع من أجوافها همهمة نَحْو أصوات الْبَقر حَتَّى فتنت بهَا وَلما هدم عزى رمته بالشرر حَتَّى أحرقت عَامَّة فَخذه فعاده النَّبِي ﷺ
قَالَ الجاحظ وَمَا أَشك فِي أَنه قد كَانَت لسدنة الْأَوْثَان حيل وكمين وَلَو سَمِعت أَو رَأَيْت بعض مَا أعد الْهِنْد من هَذِه المخاريق فِي بيُوت عباداتهم لعَلِمت أَن الله تَعَالَى قد من على جملَة الْمُسلمين بالمتكلمين الَّذين نشئوا فيهم
وَقَالَ فِي مَوضِع آخر وَمَا زَالَت السَّدَنَة تحتال للنَّاس من جِهَة النيرَان بأنواع الْحِيَل كاحتيال رُهْبَان كَنِيسَة الرها لمصابيحها حَتَّى إِن زَيْت قناديلها ليستوقد لَهُم من غير نَار فِي بعض ليالى أعيادهم وبمثل هَذَا احتيال السادن لخَالِد بن الْوَلِيد حَتَّى حِين رَمَاه بالشرر ليوهمه أَن ذَلِك من الْأَوْثَان عُقُوبَة على ترك عبادتها وإنكارها والتعرض لَهَا حِين قَالَ
يَا عز كُفْرَانك لَا سُبْحَانَكَإنى رَأَيْت الله قد أَهَانَك
قَالَ وَجعلت قُرَيْش وَقد أَهْوى خَالِد بِسَيْفِهِ إِلَى الْعُزَّى تصيح يَا عزى
خبليه يَا عزى عزريه وَلَيْسَ ينثنى من تهاويلهم وعلاها بِالسَّيْفِ حَتَّى كسرهَا
وَفِي بعض الرِّوَايَات أَن الْعُزَّى كَانَت ثَلَاث شجرات من سمر فأرس النَّبِي ﷺ خَالِدا رضى الله عَنهُ ليعضدها فَمضى خَالِد وعضد أكبرها وَترك اثْنَتَيْنِ فَلَمَّا انْصَرف إِلَى النَّبِي ﷺ قَالَ أفعلت يَا خَالِد قَالَ نعم يَا رَسُول الله ﷺ قَالَ فَمَا رَأَيْت شَيْئا قَالَ لَا قَالَ فَارْجِع إِلَيْهَا فاعضدها فَرجع فَعَضَدَ الْكُبْرَى مِنْهُمَا ثمَّ أقبل ليعضد الصُّغْرَى فَإِذا جنية قد خرجت عَلَيْهِ من جوفها نَاشِرَة شعرهَا وَاضِعَة كفها على كعبها تصرف بأنيابها فَشد عَلَيْهَا خَالِد وَهُوَ يَقُول
يَا عز كُفْرَانك لَا سُبْحَانَكَإنى رَأَيْت الله قد أَهَانَك
ثمَّ ضربهَا ضَرْبَة فلق رَأسهَا وَانْصَرف إِلَى رَسُول الله ﷺ فَأخْبرهُ بالذى رأى فَقَالَ تِلْكَ جنية الْعُزَّى وَلَا عزى للْعَرَب بعْدهَا
وَلما قتل خَالِد بن الْوَلِيد بنى جذيمة وهم من كنَانَة بالغميصاء وَجَاء الْخَبَر إِلَى رَسُول الله قَالَ (اللَّهُمَّ إنى أَبْرَأ إِلَيْك من فعل خَالِد) ووداهم ﷺ
وَلما توفى رَسُول الله ﷺ وَكَانَت أَيَّام الرِّدَّة حسن بلَاء خَالِد فِيهَا وَكَانَ عميدا عِنْد أَبى بكر رضى الله عَنهُ فَبَعثه إِلَى طليحة فَهَزَمَهُ وَصَالح أهل الْيَمَامَة ونكح ابْنة مجاعَة وَكَانَ إِذا صَار إِلَيْهِ المَال قسمه فِي أهل الْغَزْو
وَلم يرفع إِلَى أَبى بكر رضى الله عَنهُ حسابا وَكَانَ يقدم على أَشْيَاء لَا يَرَاهَا أَبُو بكر رضى الله عَنهُ كقتله مَالك بن نُوَيْرَة ونكاحه امْرَأَته من غير أَن ترجع عَن ردتها وَكَانَ ابو بكر يهب سيئاته لحسناته وَيَقُول إِذا كَلمه عمر أَو غَيره فِي عَزله إنى لأكْره أَن أغمد سَيْفا سَله رَسُول الله ثمَّ إِنَّه اسْتَعْملهُ على الشَّام فَلم يزل بهَا حَتَّى عَزله عمر رضى الله عَنهُ
وَلما اعتل خَالِد عِلّة الْمَوْت جعل يَقُول لقِيت كَذَا وَكَذَا زحفا فَمَا فِي جسدى مَوضِع إِلَّا وَفِيه ضَرْبَة بِسيف أَو طعنة بِرُمْح أَو رمية بِسَهْم وهأنذا أَمُوت على فراشى حتف أنفي كَمَا يَمُوت العير فَلَا نَامَتْ أعين الْجُبَنَاء
وَلما توفى لم تبْق امْرَأَة من بنى الْمُغيرَة إِلَّا وضعت لمتها على قَبره وَلما ارْتَفَعت أصوات النِّسَاء عَلَيْهِ أنكرها بعض النَّاس فَقَالَ عمر رضى الله عَنهُ دع نسَاء بنى الْمُغيرَة يبْكين أَبَا سُلَيْمَان ويرقن من دُمُوعهنَّ سجلا أَو سَجْلَيْنِ مَا لم يكن نقع أَو لقلقَة
وَكَانَ الْحجَّاج يَقُول لأبناء الْمُهلب هم سيوف من سيوف الله
وَكتب بعض البلغاء مَا ظَنك بسيوف الله تَعَالَى فِي أيدى أوليائه وَقد نَصره من سمائه على أعدائه
(قَوس الله) هى الَّتِي يُقَال لَهَا قَوس قزَح وَيُشبه بهَا مَا يقل لبثه وَلَا يَدُوم مكثه كَمَا قَالَ العلوى الحمامى
فشبهت سرعَة أيامهمبِسُرْعَة قَوس يُسمى قزَح
تلون مُعْتَرضًا فِي السَّمَاءفَمَا تمّ ذَلِك حَتَّى نزح
وفى الْخَبَر لَا تَقولُوا قَوس قزَح وَلَكِن قُولُوا قَوس الله فَإِن قزَح من أَسمَاء الشَّيَاطِين
وَيجوز أَن تكون سميت بِهَذَا الأسم وأضيفت إِلَى الله تَعَالَى لِأَنَّهَا من فعل الله وَسَائِر القسى من بَرى النَّاس وفعلهم وَقد سَمَّاهَا الوأواء الدمشقى قَوس السَّمَاء فِي قَوْله
أحسن بِيَوْم ترى قَوس السَّمَاء بِهِوَالشَّمْس مسفرة والبرق خلاس
كَأَنَّهَا قَوس رام والبروق لَهَارشق السِّهَام وَعين الشَّمْس برجاس
وسماها سيف الدولة قَوس السَّحَاب فِي قَوْله وأنشدنيه ابو الْحسن الأفريقى المتيم قَالَ أنشدنى سيف الدولة لنَفسِهِ وَهُوَ أحسن مَا قيل فِي وصفهَا
وسَاق صبيح للصبوح دَعوتهفَقَامَ وفى أجفانه سنة الغمض
يطوف بكاسات الْعقار كأنجمفَمن بَين منقض علينا ومنفض
وَقد نشرت ايدى الْجنُوب مطارفاعلى الْجُود كُنَّا والحواشى على الأَرْض
تطرزها قَوس السَّحَاب بأحمرعلى أصفر فِي أَخْضَر إِثْر مبيض
كأذيال خود أَقبلت فى غلائلمصبغة وَالْبَعْض اقصر من بعض
(رمح الله) كَانَ عمر بن الْخطاب رضى الله عَنهُ إِذا ذكر الْكُوفَة
قَالَ هى رمح الله وفيهَا جمجمة الْعَرَب وكنز الايمان كَأَنَّهُ أَرَادَ أَن أَهلهَا سلَاح على أَعدَاء الله فِي الْمُحَاربَة
(كلب الله) قَالَ الجاحظ يرْوى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لعتبة بن أَبى لَهب (أكلك كلب الله) فَأَكله الْأسد وفى هَذَا الْخَبَر فَائِدَتَانِ
إِحْدَاهمَا أَنه ثَبت بذلك أَن الْأسد كلب الله
وَالثَّانيَِة أَن الله تَعَالَى لَا يُضَاف إِلَيْهِ إِلَّا الْعَظِيم من جَمِيع الْأَشْيَاء من الْخَيْر والسر أما الْخَيْر فَقَوْلهم بَيت الله وَأهل الله وزوار الله وَكتاب الله وَأَرْض الله وخليل الله وروح الله واشباه ذَلِك وَأما الشَّرّ فكقولهم دَعه فِي لعنة الله تَعَالَى وَسخطه وأليم عَذَابه ودعه فِي نَار الله وسقره
(نَار الله) قَالَ الجاحظ كل شىء أَضَافَهُ الله تَعَالَى إِلَى نَفسه فقد عظم شَأْنه وشدد أمره وَقد فعل ذَلِك بالنَّار فَقَالَ ﴿نَار الله الموقدة﴾
وَحكى ابو مَنْصُور العبدونى الْكَاتِب قَالَ تنجزت جَوَازًا لرجل قَبِيح الْخلقَة وخش الصُّورَة غَايَة فِي الدمامة والسماجة فَلم يقدر الْكَاتِب على تمليته فَكتب يَأْتِيك بِهَذَا الْجَوَاز آيَة من آيَات الله ونذره فَدَعْهُ يذهب إِلَى نَار الله وسقره
وقرأت فِي أَخْبَار أَبى دلامة زيد بن الجون أَنه أَخذ لَيْلَة وَهُوَ سَكرَان فخرق طيلسانه وَحبس فَكتب من الْغَد إِلَى الْمَنْصُور أبياتا مِنْهَا
أَمن صهباء صَافِيَة المزاجكَأَن شعاعها ضوء السراج
وَقد طبخت بِنَار الله حَتَّىلقد صَارَت من النطف النضاج
أقاد إِلَى السجون بِغَيْر جرمكأنى بعض عُمَّال الْخراج
أَمِير الْمُؤمنِينَ فدتك نفسىعلام حبستنى وخرقت ساجى
أَلا إنى وَإِن لاقيت شرالخيرك بعد هَذَا الشَّرّ راج
فاستدعاه واستنشده الأبيات فأنشده إِيَّاهَا فَأمر لَهُ بِأَلف دِرْهَم فَلَمَّا ولي ليخرج قَالَ الرّبيع أفهم أَمِير الْمُؤمنِينَ معنى قَوْله وَقد طبخت بِنَار الله قَالَ قد فهمت فَمَا عَنى بهَا قَالَ عَنى بهَا الشَّمْس فَقَالَ على بِهِ فَلَمَّا جَاءَ قَالَ يَا عَدو الله مَا عنيت بِنَار الله قَالَ ﴿نَار الله الموقدة الَّتِي تطلع﴾ على فؤاد من أخْبرك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَضَحِك مِنْهُ وَأمره بالانصراف
النص من طبعة دار المعارف بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع