من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
بقي بن مخلد
الإمام شيخ الإسلام أبو عبد الرحمن القرطبي الحافظ صاحب المسند الكبير، والتفسير الجليل، والتقرير الجميل، والتقريب لما لم يدر في خلده، ولم يدر ما لابن مخلد منه خلد، أسوة أنظاره، وقدوة زمانه، والناس على آثاره، لو لم يكن للأندلس سواه لما فنيت عروشه، ولا فتئت في سن الفتاء شموسه، ولا تجاسر الأصيل إذا غرّبت الشمس بذلك الأفق أن تشعشع كؤوسه، أقلع نوءه، وهذه غدره وغاض بحره وهذه درره، وذهب زمانه وهذه/ (ص) مصنفاته وهذا خبره.
ولد في شهر رمضان سنة إحدى ومائتين، وطوّف الشرق والغرب وشيوخه مائتان ونيّف وثمانون شيخا، وروى عنه جماعة، وكان إماما علما قدوة مجتهدا لا يقلّد أحدا، ثقة حجة صالحا عابدا متهجدا أواها منيبا عديم النظير في زمانه.
قال أحمد بن أبي خيثمة: ما كنا نسميه إلا المكنسة، وهل يحتاج بلد
فيه بقي أن يأتي منه إلينا أحد، وقال أبو الوليد الفرضي: ملأ بقي الأندلس حديثا، وقال أبو عبد الملك القرطبي في تاريخه: كان بقي طوالا أقنى ذا لحية مضبّرا، وكان متواضعا، ملازما لحضور الجنائز، وكان يقول: إني لأعرف رجلا كان تمضي عليه الأيام في وقت طلبه ليس له عيش إلا ورق الكرنب.
وقال بقي: لما رجعني من العراق أجلسني يحيى بن بكير إلى جنبه وسمع مني سبعة أحاديث. وقد تعصبوا على بقي، لإظهاره مذهب أهل الأثر، فدفعهم عنه أمير الأندلس محمد بن عبد الرحمن المرواني، واستنسخ كتبه، وقال
لبقي: انشر علمك، وقال بقيّ لقد غرست للمسلمين غرسا بالأندلس لا يقلع إلا بخروج الدجّال. وقال ابن حزم: كان بقي ذا خاصة من أحمد بن حنبل وجاريا في مضمار البخاري ومسلم والنسائي، وقال بقي: كل من رحلت إليه فماشيا على قدمي، وكان بقي مجاب الدعوة، ويؤثر عنه إيثار حتى بثوبه، وقيل إنه كان يختم القرآن كل ليلة في ثلاث عشرة ركعة، ويسرد الصوم، وحضر سبعين غزوة، ومات في جمادى الآخرة سنة ست وسبعين ومائتين.
ومنهم
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع