تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي، ثم الصالحي الحنبلي الحافظ، تقي الدين، أبو محمد.

صاحب التصانيف، والجبل الذي لا تنسفه الزعانيف، والقائم في ذات

الله لا تأخذه لومة لائم، تمضّه تعنيفه، ويمضي فيه تصريفه، ويقضي عليه سيفه الماضي إما يقتله، وإما يخيفه، ما لان لمن قصد به غضاضة ولا هان، وقد قذف نجمه يريد انقضاضه، بل رفعه الله من حيث أراد العدو أن يضعه، وقربه من حيث أبعد موضعه، ما ضره وهو الغمام أن أنأى محله، ولا نقصه - وهو الذهب - حيث أحله، وعاش لا يبالي بالخمول، وقد أنامه في مرقده وأسكنه في قرارة ملحده، وألقاه في جانب بيته لا يستطيع حراك لسانه ولا يده، وبقي لا يشكو قترا ولا قتارا، ودام على هذه الحال حتى مات فتعوض خيرا من الأهل أهلا، ومن الدار دارا.

ولد سنة إحدى وأربعين وخمس مائة، هو وابن خالته موفق الدين

بجماعيل، واصطحبا مدة في أول اشتغالهما ورحلتهما، وحدث أبو محمد بالكثير وصنف في الحديث التصانيف الحسنة، وكان غزير الحفظ، من أهل الإتقان والتجويد، قيّما بجميع فنون الحديث، تكلم في الصفات والقرآن بشيء أنكره أهل التأويل، فعقد له مجلس بدار السلطان بدمشق، فأصر وأباحوا قتله، فشفع فيه أمراء الأكراد على أن ينزح من دمشق فذهب إلى مصر، وأقام به خاملا إلى أن مات (ص) قال أبو موسى المديني: قل من وفد علينا من الأصحاب من يفهم هذا الشأن كفهم الإمام عبد الغني زاده الله توفيقا، وقد وفق لتبيين هذه الغلطات - يعني التي في كتاب معرفة الصحابة لأبي نعيم -، ولو كان الدارقطني وأمثاله في الأحياء لصوبوا فعله، وقل من يفهم في زماننا ما فهمه.

وقال الحافظ ضياء الدين: خرج عبد الغني إلى أصبهان، وليس معه كيس فلوس، فسهل الله من حمله، وأنفق عليه، فأقام بأصبهان مدة، وحصل بها الكتب الجيدة، قال: وسمعت إسماعيل بن ظفر يقول: جاء رجل إلى الحافظ عبد الغني، فقال: رجل حلف بالطلاق أنك تحفظ مائة ألف حديث.

فقال: لو قال أكثر لصدق.

قال: وشاهدت عبد الغني - غير مرة - بجامع دمشق يسأله بعض الحاضرين، وهو على المنبر: اقرأ لنا من غير الجزء. فيقرأ علينا بأسانيدها عن ظهر قلبه، فقيل له: لم لا تقرأ دائما من غير الجزء؟ فقال: أخاف العجب.

وقال تاج الدين الكندي: لم يكن بعد الدارقطني مثل عبد الغني المقدسي، قال: ولم ير مثل نفسه.

وقال الشيخ موفق الدين: كان عبد الغني رفيقي، وما كنا نستبق إلى خير إلا سبقني إليه إلا القليل، وكمل الله فضيلته بابتلائه بما أوذي به، وصبر عليه، ورزق العلم، وتحصيل الكتب الكثيرة إلا أنه لم يعمر حتى يبلغ غرضه في روايتها، ونشرها.

وقال الضياء: كان عبد الغني لا يرى منكرا إلا غيره بيده، أو بلسانه، وكان لا يأخذه في الله لومة لائم، رأيته مرتين يريق خمرا، فسل صاحبه السيف، فلم يخف، وكان قويا، فأخذ السيف من الرجل، وكان يكسر الشبابات،

والطنابير (ص).

قال: وسمعت أبا بكر بن أحمد الطحان يقول: جعلوا الملاهي عند باب جيرون، فجاء الحافظ عبد الغني، فكسر كثيرا، وصعد المنبر، فجاء رسول القاضي يطلبه ليناظره في الدف، والشبابة، فقال: ذاك حرام، ولا أمشي إليه، إن كان له حاجة يجيء هو. قال: فعاد الرسول يقول: لا بد من مجيئك، قد أبطلت هذه الأشياء على السلطان، فقال: ضرب الله رقبته، ورقبة السلطان، فمضى الرسول، وخفنا من فتنة، فما أتى من جديد.

قال أبو موسى عبد الله بن عبد الغني: مرض والدي أياما ووضأته وقت الصبح، فقال: يا عبد الله صلّ بنا، وخفف فصليت بالجماعة وصلى معنا جالسا ثم قال: اقرأ عند رأسي (يس) فقرأتها، وقلت: هنا دواء تشربه، فقال، ما بقي إلا الموت. فقلت ما تشتهي شيئا؟ قال: أشتهي النظر إلى وجه الله فقلت: ما أنت عني راض؟ قال: بلى. وجاءوا يعودونه، ففتح عينيه، وقال: ما هذا؟ اذكروا الله، قولوا "لا إله إلا الله" ثم دخل درع النابلسي فقمت لأناوله كتابا من جانب

المسجد، ورجعت، وقد توفي يوم الاثنين الثالث والعشرين من ربيع الأول سنة ستمائة بمصر.

قال الضياء: وسمعت يقول لي: رأيت أخاك عبد الرحيم في المنام، فقلت:

أين أنت؟ قال: في جنة عدن فقلت: أيما أفضل الحافظ عبد الغني، أو الشيخ أبو عمر؟ فقال: لا أدري، وأما عبد الغني فينصب له كرسي تحت العرش، وينثر عليه الدر، وهذا نصيبي منه، وأشار إلى كمه.

وكان عبد الغني ليس بالأبيض الأمهق، يميل إلى سمرة، حسن الثغر، كث اللحية، واسع الجبين، عظيم الخلق، تام القامة، كأن النور يخرج من وجهه، ضعف بصره من كثرة النسخ، والمطالعة، والبكاء وكان جوادا كريما لا يدخر درهما، وقيل: كان يخرج ليلا بالقفاف فيها الدقيق (ص) فإذا فتحوا له ترك ما معه، ومضى لئلا يعرف، وربما كان عليه ثوب مرقع.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.