تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين بن عساكر

الإمام الحافظ، فخر الأئمة، محدث الشام، ثقة الدين، صاحب التصانيف، والتاريخ الكبير، ممن ولدتهم دمشق، وولته ما يستحق، وشرّفته على أبنائها، وصرّفته في أنبائها (ص)، وعرفته أسرار بنائها، وأخبار أنبيائها، وأوقفته على أندية سكانها، ووافقته على تطهير أوطانها، وخاطبته شفاها لو أنها

تتكلم، ولاعبته أعطاف صباها، فإما عرف حقائق أخبارها، وإما تنسم، فاستطالت به، وطال لسانها، وشكر إحسانها، وعاد بها عصر آل جفنة وحسانها، ومثلت خلفاؤها من بني مروان، ومن خلفهم إلى من آواهم ذلك الأوان، ومن وفد عليها، وورد إليها، وبحث عما بين العريش إلى الفرات حتى حسرت عن كنوزها، وسحرت برموزها، وشنأت العراق، وعيرتها بغدر ابن جرموزها، وعابتها إذ ذكرت أيام صفين بنشوزها، وأصغرت قدر تاريخها،

وقد جهد فيه الخطيب، وحمد عليه، وما اهتز غصنه الرطيب، حمية توقدت بين جانبيه لبلدته التي أخرجته من أقدم بيوتها، وجاءت به مفاخرها لثبوتها من بقية كان زمان يزيد بن معاوية أولهم، ثم انتهى إليه موئلهم، ثم ما ارتفع بعده لبيته المنيف جدار، ولا ألمّ الفضل له بدار.

ولد سنة تسع وتسعين، وأربع مائة في أولها، وسمع سنة خمس، وخمس مائة باعتناء أبيه، وأخيه الإمام صائن الدين هبة الله، وعدد شيوخه ألف وثلاثمائة شيخ، ونيّف، وثمانون امرأة، وصنف التاريخ في ثمانين مجلدا، وله مصنفات أخر تقارب ثلاثين مجلدا، وأما الأجزاء فشيء كثير، وأملى في أبواب العلم أربع مائة مجلس، وثمانية مجالس، وخرج لجماعة.

قال السمعاني: أبو القاسم حافظ، ثقة، ديّن، خيّر، حسن السمت، جمع بين معرفة المتن، والإسناد، وكان كثير العلم، غزير الفضل، صحيح القراءة، متثبتا، رحل، وتعب، وبالغ في الطلب، وجمع ما لم يجمعه غيره، وأربى على الأقران (ص).

وحكي عن الفراوي قال: قدم ابن عساكر، فقرأ ثلاثة أيام، فأكثر، وأضجرني، وآليت على نفسي أن أغلق بابي، فلما أصبحنا قدم علي شخص، وقال: أنا رسول رسول الله ﷺ إليك، قلت: مرحبا بك فقال:

قال لي في النوم: امض إلى الفراوي، وقل له: قدم بلدكم رجل شامي، أسمر اللون، يطلب حديثي، فلا تمل منه. قال الراوي: فما كان الفراوي يقوم حتى يقوم ابن عساكر.

وقال المحدث بهاء الدين القاسم: كان أبي ﵀ مواظبا على الجماعة، والتلاوة، ويختم كل جمعة، ويختم في رمضان كل يوم، ويعتكف في المنارة الشرقية، وكان كثير النوافل والأذكار، ويحيي ليلة النصف، والعيدين بالصلاة، والذكر، ويحاسب نفسه على لحظة تذهب، قال لي: لما حملت أمي، قيل لها في منامها: تلدين غلاما يكون له شأن.

وحدثني أن أباه رأى رؤيا معناها: يولد لك ابن، يحيي الله به السنة.

وقال أبو المواهب بن صصرى: كنت أذاكر أبا القاسم الحافظ عن الحفاظ الذين لقيهم، فقال: أما ببغداد فأبو عامر العبدري، وأما بأصبهان فأبو نصر اليونارتي، لكن إسماعيل بن محمد الحافظ كان أشهر، فقلت: فعلى هذا، ما رأى سيدنا مثل نفسه! قال: لا تقل هذا، قال الله: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قلت:: فقد قال ﴿وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ فقال: لو قال قائل:

إن عيني لم تر مثلي لصدق.

قال أبو المواهب: وأنا لم أر مثله، ولا من اجتمع فيه ما اجتمع فيه من لزوم طريقة واحدة مدة أربعين سنة من لزوم الصلوات في الصف الأول إلا من عذر، والاعتكاف في رمضان، وعشر ذي الحجة، وعدم التطلع إلى تحصيل

الأملاك، وبناء الدور، قد أسقط ذلك عن نفسه، وأعرض عن طلب المناصب (ص) من الإمامة، والخطابة، وأباها بعد أن عرضت عليه، وأخذ نفسه بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

قال لي: لما عزمت على التحديث - والله المطلع أنه ما حملني على ذلك حب الرئاسة، والتقدم بل قلت: متى أروي كل ما سمعت؟ وأي فائدة في كوني أخلفه صحائف - فاستخرت الله، واستأذنت أعيان شيوخي، ورؤساء البلد، وطفت عليهم، فكلهم قال: من أحق بهذا منك؟! فشرعت في ذلك سنة ثلاث وثلاثين، وخمس مائة، وكان حافظ العصر أبو الحجاج المزي يميل إلى أن ابن عساكر لم ير مثل نفسه.

وقال الحافظ عبد القادر: ما رأيت أحفظ من ابن عساكر.

وقال ابن النجار: أبو القاسم إمام المحدثين في وقته، انتهت إليه الرياسة في الحفظ، والإتقان، والثقة، والمعرفة التامة، وبه ختم هذا الشأن، وكان فقيها أديبا سنيا.

[كان قد توجه لزيارة القدس، ثم أتى مصر، فأكرم الملك العزيز مقدمه، وسرّ به كافة أهل مصر، كتب الفاضل إلى الملك الناصر في أمره كتابا منه: "المملوك يقبل الأرض بين يدي مولانا الملك الناصر لا زالت عواطفه مرجوة، ومحاسنه متلوة، وعوارفه برة بالحظوظ المحفوة، ومكارمه تأخذ كتاب السؤال بقوة، وينهي - إن كان وصل الخبر - بأن الشيخ الفقيه الإمام الحافظ أبا القاسم بن عساكر قد زار بيت المقدس، قدّس الله فاتحه، ومنح النصر مانحه، فاستشرف أهل مصر شرف منادمته لقربه، واستشفعوا بالإمام أولادهم للقراءة، والإجازة، فلما توجه منصب إمامته ولا خفاء عن مولانا أنه أقرب رسل

رسول الله ﷺ إلى هذه الأمة عهدا، إسنادا عاليا، وفهما واعيا، وأدبا، ولسانا راويا، ولما لقيه المملوك عرفه أنه جمع بين الغرضين، وهو الزيارة الشافعية، والإسماع لأهل الديار المصرية، ومن الوفادة على مولانا عز جنابه، وسعد بالوافدين بابه، ذكر منه ما استأذن عليه أن يحيى به.]

توفي في حادي عشر رجب سنة إحدى وسبعين، وخمس مائة، ورئي له منامات حسنة، ورثي بقصائد، وقبره يزار بباب الصغير.

ومنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.