من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أبو عبد الله محمد بن الفضل البلخي
أعلقته مصايد الأيام فأفلت أشراكها، ورأى الراحة في تجنب الأيام فطلب إدراكها، فلم
يسكن إلى سكن، ولا تقيد بموضع سكن، وكانت الأفلاك له مكان الاستقلال، فجانب الدنيا فلم يرمقها إلا شزرا، ولم يرم منها إلا نزرا، وألقى أثقالها تخفيفا لمحمله، وتخليصا له عند عرض عمله، فخلّصها مما كادها، وخفف عنها مادها، ولم يزل على قدم ما سألها، وحول ديم ما يفارق أوشالها، إلى أن دعاه الداعي، وأصم به الناعي.
أصله من "بلخ"، لكنه أخرج منها بسبب المذهب، فرحل إلى سمرقند، واستوطنها، ومات بها سنة تسع عشرة وثلاثمائة.
صحب أحمد بن خضرويه وغيره من المشايخ.
وكان من كبار مشايخ خراسان وجلّتهم، ولم يكن أبو عثمان يميل إلى أحد من المشايخ ميله إليه. وكان يقول: لو وجدت في نفسي قوة لرحلت إلى أخي محمد بن الفضل، فأستروح سري برؤيته.
وكان أبو عثمان يقول: محمد بن الفضل سمسار الرجال.
ومن كلامه: "أعرف الناس بالله أشدهم مجاهدة في أوامره، وأتبعهم لسنة نبيه ﷺ".
وقال: "العلم حرز، والجهل غرر، والصديق مؤنة، والعدوّ همّ، والصلة بقاء، والقطيعة مصيبة، والصبر قوة، والجرأة عجز، والكذب ضعف، والصدق قوة، والمعرفة صداقة، والعقل تجربة. "
وقال: "ست خصال يعرف بها الجاهل: الغضب في غير شيء، والكلام في غير نفع، والعطية في غير موضعها، وإفشاء السر، والثقة بكل أحد، وألا يعرف صديقه من عدوه. "
وقال: "خطأ العالم أضرّ من عمد الجاهل".
وقال: "من ذاق حلاوة العلم لا يصبر عنه. "
وقال: "من ذاق حلاوة المعاملة أنس بها. "
وقال: "من عرف الله تعالى اكتفى به، بعد قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ شَهِيدٌ﴾.
وقال: " العلوم ثلاثة: علم بالله، وعلم من الله، وعلم مع الله:
فالعلم بالله: معرفة صفاته ونعوته.
والعلم من الله: علم الظاهر والباطن، والحلال والحرام، والأمر والنهي في الأحكام.
والعلم مع الله: علم الخوف والرجاء، والمحبة والشوق ".
وقال: " ثمرة الشكر: الحب لله تعالى، والخوف منه ".
وقال: " ذكر اللسان: كفارات ودرجات؛ وذكر القلب: زلف وقربات. "
وقال: " من استوى عنده ما دون الله نال المعرفة بالله تعالى ".
وقال: " الفتوة: حفظ السرّ مع الله على الموافقة، وحفظ الظاهر مع الخلق بحسن العشرة، واستعمال الخلق ".
وقال: " الزهد: النظر إلى الدنيا بعين النقص، والإعراض عنها تعزّزا وتظرّفا، فمن استحسن من الدنيا شيئا فقد نبّه على قدرها ".
وقال: " علامة الشقاوة ثلاثة أشياء: يرزق العلم ويحرم العمل، ويرزق العمل ويحرم الإخلاص، ويرزق صحبة الصالحين ولا يحترم لهم ".
وقال: " إيثار الزهّاد عند الاستغناء، وإيثار الفتيان عند الحاجة، قال الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾.
وقال: "المحبة: سقوط كل محبة من القلب إلا محبة الحبيب".
وروي أنه لما نفى أهل بلخ محمد بن الفضل من البلد دعا عليهم وقال: "اللهم امنعهم
الصدق"، فلم يخرج من بلخ بعده صدّيق.
وقال: "عجبت لمن يقطع البوادي والمفاوز حتى يصل إلى بيته وحرمه، فيرى آثار النبوة، كيف لا يقطع نفسه وهواه، ليصل إلى قلبه فيرى آثار ربه ﷿! ".
قال: فمات أربع نفر ممن سمعوا كلامه هذا.
وأنشد في هذا المعنى:
ومن البلاء وللبلاء علامةألا يرى لك عن هواك نزوع
العبد عبد النفس في شهواتهاوالحر يشبع تارة ويجوع
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع