من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أبو عبد الله أحمد بن يحيى الجلاء
سابق بلغ المدى، وقتل أطماعه ببتّ العلائق وودى، وكان بطل كتيبة، ورجلا له كرامات عجيبة، وأخا غرائب لا تؤاخى، ولا يأتي بها الزمان وإن تراخى، طالما بهر العيون وملاها، وأظهر ما عجب الظنون وملاها، ولم يزل تبارح به غرف العرفان، ويتبلج صبح الحق حتى أدرج في الأكفان، فروّض ثرى حلّه، وسقى الله دياره غير مفسدها، وساق إليها مثل أخلاق موسدها، وطاب حيا للأتراب، وميتا في التراب مضطجعا.
أقام بالرملة، ودمشق، وكان من جلّة مشايخ الشام.
صحب أباه، يحيى [الجلاء]، وأبا تراب النخشبي، وذا النون المصري، وأبا عبيد البسري وكان عالما ورعا، وهو أستاذ محمد بن داود الدّقّي.
روي عنه أنه قال لأبيه وأمه: "أحبّ أن تهباني لله ﷿ " فقالا: قد وهبناك لله.
فغبت عنهما مدّة، فلما رجعت كانت ليلة مطيرة، فدققت الباب، فقال لي أبي: من ذا؟.
قلت: ولدك أحمد.
فقال: كان لنا ولد، فوهبناه لله تعالى، ونحن من العرب، لا نسترجع ما وهبناه. ولم يفتح لي.
وقال له رجل: على أي شيء أصحب الخلق؟.
فقال: "إن لم تبرّهم فلا تؤذهم، وإن لم تسرّهم فلا تسؤهم. "
وقال: "الزهد هو النظر إلى الدنيا بعين الزوال، لتصغر في عينك، فيسهل عليك الإعراض".
وقال محمد بن ياسين: سألت ابن الجلاء عن الفقر؟.
فسكت، ثم ذهب، ورجع عن قريب، ثم قال: كان عندي أربعة دوانيق، فاستحييت من الله تعالى أن أتكلم في الفقر، فأخرجتها … !. ثم قعد وتكلم في الفقر.
وقيل له: ما معنى الصوفي؟.
فقال: "ليس نعرفه في شرط العلم، ولكن نعرف فقيرا مجردا من الأسباب، كان مع الله تعالى بلا مكان، ولا يمنعه العلم من علم كل مكان، يسمى صوفيا"
وقال: اشتهت والدتي على والدي يوما سمكة، فمضى والدي إلى السوق وأنا معه، فاشترى سمكة ووقف ينظر من يحملها؟. فرأى صبيا واقفا حذاءه، فقال: يا عم! … تريد من يحملها؟. قال: نعم. فحملها ومشى معنا، فسمعنا الأذان. فقال الصبي: أذّن المؤذن، وأحتاج أن أتوضأ وأصلي. فإن رضيت وإلا فاحمل السمكة!؛ ووضعها الصبي ومضى.
فقال أبي: نحن أولى من أن نتوكل بالسمكة. فدخلنا المسجد وصلينا جميعا، وخرجنا من المسجد. وإذا السمكة موضوعة على حالها، فحملها، ومضى معنا إلى دارنا. فذكر والدي ذاك لوالدتي، فقالت: يقيم عندنا حتى يأكل معنا. فقلنا له. فقال: إني صائم. قلنا: فتعود إلينا بالعشي؟. فقال: إذا حملت في اليوم مرة، فلا أحمل ثانيا. فأدخل المسجد إلى المساء، ثم أدخل عليكم بالعشي. فلما أمسينا دخل الصبي علينا فأكلنا، فلما فرغنا، دللناه على موضع الطهارة، ورأيناه يؤثر الخلوة، فتركناه في بيت.
وكان لقريب لنا ابنة زمنة، فلما كان في بعض الليل، وإذا بها قد جاءت تمشي!.
فسألناها عن حالها؟. فقالت: قلت: "يا رب! بحرمة ضيفنا إلا ما عافيتنيفقمت! "
قال: فمضينا نطلب الصبي؛ فإذا الأبواب مغلقة كما كانت، ولم نجده. فقال أبي: منهم كبير وصغير.
وقال: دخلت المدينة، وبي فاقة، فتقدّمت إلى القبر، وقلت: "ضيفك يا رسول الله!،
ثم غفوت، فرأيت النبي ﷺ وقد أعطاني رغيفا، فأكلت نصفه، وانتبهت، وبيدي النصف الآخر".
وقال: كنت واقفا أنظر إلى غلام نصراني حسن الوجه، فمر بي أبو عبد الله البلخي، فقال: أيش وقوفك؟. فقلت: يا عم! ما ترى؟ هذه الصورة الحسنة تعذّب بالنار؟. فضرب بيده بين كتفي، وقال: لتجدنّ غبّ هذا ولو بعد حين.
قال ابن الجلاء: فوجدت غبّها، وذلك أني نسيت القرآن بعد أربعين سنة!.
وقيل: لما مات أبو عبد الله بن الجلاء، نظروا إليه وهو يضحك، فقال الطبيب: إنه حي!. ثم نظر إلى مجسّته، فقال: إنه ميت!. ثم كشف عن وجهه، فقال: لا أدري أهو ميت أم حي؟!! وكان في داخل جلده عرق على شكل كتابة «الله».
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع