تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

أبو مغيث الحسين بن منصور الحلاج

بحر لا يلجه إلا معذر، وأسد لا يخرجه إلا متضرر، شرب بقية الزجاجة، وطرب فوق قدر الحاجة، فانقلب سكرانا طافحا، وغلب عليه فمال طامحا، وكان ممن كتب الكتب وقراها، وبرأ الكتب ودراها، فكان يجني ثمر الغيوب، ويجري تارة مجرى المحاسن، وتارة مجرى العيوب، فلا يزال يأتي بالحكمة الصائبة، ويحدّث بالكلمة الغائبة، بكشف لا يحجب، ولا يأتي بنادرة فيتعجب، لكثرة ما كان يأتي به شيئا بعد شيء، ويمد من تخييلاتها فيا بعد في، فكان لو شاء أنه أو همّ شق البحر فخاض منه طريقا يبسا، وشهب الماء فأوقد منه شهابا قبسا، وأومأ إلى الغوادي فأجابت سماؤها، وإلى الليالي فانجابت ظلماؤها، فخلب العقول أو سحرها، وخيّل أوقات الظهيرة عشيات الليالي أو سحرها، حتى أضلّ جبلا، وأضاع جملا، وأصبح مثلا، وأمسى وأمثال عقد النجوم عليه منتثلا، وكاد العراق يميد لساكنه، ويميل بمساكنه، حتى كادت بغداد تخرج في ذمامها، ويخرج من يد أيامها، والناس عليه مؤتلفون، وفيه مختلفون، وهم به لا يقصرون، ﴿أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ثم قتل بسيف الشرع، وسقي بسيل دمه منابت الزرع، فقرّ الدرّ في الضرع، واستقرّ في ثاره الأصل والفرع، هذا بعد أن صبّ عليه سوط عذاب، وقتل والناس قسمان:

قسم مدح، وقسم عاب، إلا أنه حكي أنه لم يحضر واقعته إلا من أصيب، وأخذ من البلوى نصيب.

وهو من بيضاء فارس، ونشأ بواسط، والعراق.

وصحب الجنيد، والنوري، وعمرا المكي، وغيرهم.

واختلف المشايخ في أمره: فردّه أكثرهم ونفوه، وأبوا أن يكون له قدم في التصوف.

وقبله [بعضهم]: من جملتهم أبو العباس بن عطاء، وأبو عبد الله محمد بن خفيف، وأبو القاسم إبراهيم بن محمد النصراباذي، وأثنوا عليه، وصححوا له حاله، وحكوا عنه كلامه، وجعلوه أحد المحققين، حتى قال محمد بن خفيف: "الحسين بن منصور: عالم ربّانيّ. "

قتل بباب الطاق من بغداد، يوم الثلاثاء لست بقين من ذي القعدة، سنة تسع وثلاثمائة.

وقال الحلاج: "حجبهم بالاسم فعاشوا؛ ولو أبرز لهم علوم القدرة لطاشوا؛ ولو كشف لهم الحجاب عن الحقيقة لماتوا. "

وقال: "من أسكرته أنوار التوحيد، حجبته عن عبارة التجريد، بل من أسكرته أنوار

التجريد، نطق عن حقائق التوحيد؛ لأن السكران هو الذي ينطق بكل مكتوم. "

وقال: "من التمس الحق بنور الإيمان، كان كمن طلب الشمس بنور الكواكب. "

وقال أبو العباس الرازي: كان أخي خادما للحسين بن منصور، فسمعته يقول: لما كانت الليلة التي وعد من الغد لقتله، قلت له: يا سيدي! أوصني.

فقال لي: "عليك بنفسك، إن لم تشغلها شغلتك".

فلما كان من الغد، وأخرج للقتل، قال: "حسب الواحد إفراد الواحد".

ثم خرج يتبختر في قيده ويقول:

نديمي غير منسوبإلى شيء من الحيف
للشاعر الحلاج، من قصيدة «نديمي غير منسوب»
سقاني مثل ما يشرب فعل الضيف بالضيف
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة
فلما دارت الكأسدعا بالنطع والسيف
للشاعر الحلاج، من قصيدة «نديمي غير منسوب»
كذا من يشرب الكأسمع التّنّين في الصيف

ثم قال: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا اَلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها، وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها، وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا اَلْحَقُّ﴾.

ثم ما نطق بعد ذلك حتى فعل به ما فعل.

وقال القنّاد: لقيت الحلاج يوما في حالة رثّة، فقلت له: كيف حالك؟. فأنشأ يقول:

لئن أمسيت في ثوبي عديملقد بليا على حرّ كريم
للشاعر الحلاج، من قصيدة «لئن أمسيت في ثوبي عديم»
فلا يحزنك أن أبصرت حالامغيّرة عن الحال القديم
للشاعر الحلاج، من قصيدة «لئن أمسيت في ثوبي عديم»
فلي نفس ستتلف أو سترقىلعمرك - بي إلى أمر جسيم
للشاعر الحلاج، من قصيدة «لئن أمسيت في ثوبي عديم»

وأنشد ابن فاتك للحسين بن منصور:

أنت بين الشغاف والقلب تجريمثل جري الدموع من أجفاني
للشاعر الحلاج، من قصيدة «أنت بين الشغاف والقلب تجري»
وتحلّ الضمير جوف فؤاديكحلول الأرواح في الأبدان
للشاعر الحلاج، من قصيدة «أنت بين الشغاف والقلب تجري»
ليس من ساكن يحرك إلاأنت حركته خفي المكان

وأنشد لنفسه:

مواجيد حق، أوجد الحقّ كلّهاوإن عجزت عنها فهوم الأكابر
للشاعر الحلاج، من قصيدة «مواجِيدُ حَقّ ٍأَوْجَدَ الحقُّ كُلَّها»
وما الوجد إلا خطرة ثم نظرةتثير لهيبا بين تلك السرائر
للشاعر الحلاج، من قصيدة «مواجيد حق أوجد الحق كلها»
إذا سكن الحق السريرة ضوعفتثلاثة أحوال، لأهل البصائر
للشاعر الحلاج، من قصيدة «مواجيد حق أوجد الحق كلها»
فحال يبيد السرّ عن كنه وجدهويحضره للوجد، في حال حائر
للشاعر الحلاج، من قصيدة «مواجيد حق أوجد الحق كلها»
وحال به زمّت ذرى السرّ فانثنتإلى منظر أفناه عن كل ناظر
للشاعر الحلاج، من قصيدة «مواجيد حق أوجد الحق كلها»

وأنشد أيضا لنفسه:

متى سهرت عيني لغيرك أو بكتفلا أعطيت ما منّيت وتمنّت
للشاعر الحلاج، من قصيدة «متى سهرت عيني لغيرك أو بكت»
وإن أضمرت يوما سواك فلا رعترياض المنى من وجنتيك وجنّة
للشاعر الحلاج، من قصيدة «متى سهرت عيني لغيرك أو بكت»

وأنشد لنفسه:

جبلت روحك في روحي كمايجبل العنبر بالمسك الفتق
للشاعر الحلاج، من قصيدة «جبلت روحك في روحي كما»
فإذا مسّك شيء مسّنيفإذا أنت أنا لا نفترق

وأنشد لنفسه:

دلال يا خليلي مستعاردلال بعد أن شاب العذار؟
ملكت - وحرمة الخلوات - قلبالعبت به وقرّ به القرار
للشاعر الحلاج، من قصيدة «دلال يا محمد مستعار»
فلا عين يؤرّقها اشتياقولا قلب يقلقله ادّكار
للشاعر الحلاج، من قصيدة «دلال يا محمد مستعار»
نزلت بمنزل الأعداء منيوبنت، فلا تزور، ولا تزار
للشاعر الحلاج، من قصيدة «دلال يا محمد مستعار»
"كما ذهب الحمار بأم عمروفلا رجعت ولا رجع الحمار"
للشاعر الحلاج، من قصيدة «دلال يا محمد مستعار»

وأنشد عبد الرحيم بن أحمد الحلي قال: أنشدني الحلاج لنفسه، وقد ذكرت لديه الدنيا وأحوالها:

دنيا تغالطني كأنيلست أعرف حالها
حظر المليك حرامهاوأنا احتميت حلالها
فوجدتها محتاجةفوهبت لذّتها لها

وقد حكي عنه، أنه لما خرج ليقتل، خرج غير جازع، ولا أسف، وجعل يقول: "آن لقاء الحبايب".

وحكى السّلمي عن العطوفي، قال: كنت أقرب الناس من الحلاج، فضرب كذا وكذا سوطا، وقطعت يداه ورجلاه … فما نطق!.

وحكي عنه: إنه لما قدّم للقتل، أسفر وجهه، ثم اربدّ، وهمهم بشفتيه، ثم أنشد:

طلبت المستقرّ بكل أرضفلم أر لي بأرض مستقرّا
للشاعر الحلاج، من قصيدة «طلبت المستقر بكل أرض»
وذقت من الزمان وذاق منيوكان مذاقه حلوا ومرّا
أطعت مطامعي فاستعبدتنيولو أني قنعت لكنت حرّا
للشاعر الحلاج، من قصيدة «طلبت المستقر بكل أرض»

وقد ذكر الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي: أنه قال - وهو مصلوب: "إلهي! أصبحت في دار الرغائب أنظر إلى العجائب، إلهي! إنك تتودّد إلى من يؤذيك، فكيف لا تتودد إلى من يؤذى فيك؟! ".

ومنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.