من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
عطرد
وكان عطرّد عطاردّيا لبقا ذكيا ارضيا سماويا، كأنّه خلق للسرور وخبّئ لبلابل الصدور، وكان رحيب الباع، كثير الأتباع، لو لاطف الصخر لذاب، ولو
حضر يوم الفراق لطاب، لو غنّى للجواد الممتدّ في طلقه لصفن، او للميت - استغفر الله - لقام ينفض الكفن، لا يلذ إلا به الغزل، ولا يعد أحد من طبقته إلا إذا نزل.
قال أبو الفرج، قال [ص] إسحاق: كان جميل الوجه حسن الغناء، جيد الصنعة، طيب الصوت، حسن الرأي، فقيها قارئا للقرآن، وكان يغني مرتجلا، وأدرك دولة بني العباس، وبقي إلى ايام الرشيد، وكان معدّل الشهادة بالمدينة.
قال إسحاق: ولي مسلمة بن عباّد القضاء بالبصرة، فقصد ابنه عباد بن مسلمة عطردا وهو بها مقيم، قد قصد آل سليمان بن علي وأقام معهم، فأتى بابه ليلا فدقّ عليه، ومعه جماعة من أصحابه أصحاب القلانس، فخرج عطرّد إليه، فلما رآه ومن معه ارتاع، فقال لا ترع:
إنّي قصدت إليك من أهليفي حاجة يأتي بها مثلي
قال: وما هي أصلحك الله؟ فقال:
لا طالبا شيئا إليك سوى«حيّ الحمول بجانب العزل»
قال عطردّ: [انزلوا] على بركة الله، ولم يزل يغنيهم هذا وغيره حتى أصبحوا.
قال: ولي زيد الهاشمي المدينة، فأمر بأصحاب الملاهي فحبسوا، وحبس عطرّد فيهم، وحضر لعرضهم، وشفع في عطرّد رجال من المدينة وأخبروه أنه من أهل الدين والمروءة، فخلّى سبيله، وخرج فإذا هو بالمغنّين قد أحضروا ليعرضوا، فرجع إليه عطرّد فقال: أصلح الله الأمير، أعلى الغناء حبست هؤلاء؟ قال نعم، قال: فلا تظلمهم فو الله ما أحسنوا شيئا منه قط، فضحك وأطلقهم جميعا.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع