تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

مالك بن أبي السمح

مطرب لو لم يضمه معبد إليه لكان نظيره أو يزيد عليه، طرح عليه أصواته

فحفظها، وشجا حسّاده وأحفظها، وأخذ جوائز الأمراء، وحصل جزيل الثراء، وكان يرمى بحمق ربما أدّاه إلى صواب الرأي، وهواه، وسبب حياته ومدّ مداه، وأحياه ليميت به عداه.

قال أبو الفرج الأصفهاني رحمه الله تعالى، قال الورد: كان مالك بن أبي السمح من طيء، فأصابتهم حطمة في بلادهم بالجبلين، فقدمت به أمه وأخوه، وأخوات أيتام لا شيء لهم، وكان يسأل الناس عن باب حمزة بن عبد الله ابن الزبير، وكان معبد منقطعا إلى حمزة، يكون عنده ويغنيه، فسمع مالك بن أبي السمح غناءه فأعجبه واشتهاه، وكان لا يفارق باب حمزة، يسمع غناء معبد إلى الليل، ولا يطوف بالمدينة، ولا يطلب من أحد شيئا ولا يريم [موضعه] فينصرف إلى أمه ولم يكسب شيئا فتضربه وهو مع ذلك يترنم بألحان معبد ويؤديها دورا دورا، نغما بغير لفظ، ولا روى شيئا من الشعر، وجعل كلما غدا وراح رآه ملازما لبابه، فقال لغلامه: أدخل هذا الغلام الأعرابي إليّ، فأدخله إليه، فقال له حمزة: من أنت يا غلام؟ قال: أنا غلام من طيء أصابتنا حطمة بالجبلين فحطّتنا إليكم، ومعي أم لي وإخوة، وإني لزمت بابك، فسمعت من دارك صوتا أعجبني فلزمت بابك من أجله، فقال: هل أنت تعرف منه شيئا؟ قال: أعرف لحنه كله ولا أعرف الشعر [ص]، قال: إن كنت صادقا إنك لفهم،

ودعا بمعبد فأمره أن يغني صوتا، فغناه، ثم قال لمالك: هل تستطيع أن تقوله؟ قال:

نعم، قال: هاته، فاندفع فغناه وأدى نغمته بغير شعر يؤدي مدّاته وليّاته وعطفاته ونبراته وتعليقاته، ولا يخرم حرفا، فقال لمعبد: خذ هذا الغلام وخرجه فليكونن له شأن، قال معبد: ولم أفعل ذلك؟ قال: لتكون محاسنه منسوبة إليك، وإلا عدل إلى غيرك وكانت محاسنه منسوبة إليه، فقال: صدق الأمير، وأنا أفعل ما أمرني به، ثم قال حمزة لمالك: كيف وجدت ملازمتك لبابنا؟ قال: والله ثم والله، ما شبعت على بابك شبعة قط، ولا انقلبت إلى أهلي منه بخير، فأمر له ولإخوته وأمه بمنزل، وأجرى لهم رزقا وكسوة، وأمر لهم بخادم يخدمهم وعبد يسقيهم الماء، وأجلس مالكا معه في مجلسه، وأمر معبدا أن يطارحه، فلم يلبث أن مهر وحذق، وكان ذلك بعقب مقتل هدبة بن خشرم، فخرج مالك يوما فسمع امرأة تنوح على زيادة الذي قتله هدبة بشعر أخي زيادة:

أبعد الذي بالنّعف نعف كويكبرهينة رمس ذي تراب وجندل
أذكّر بالبقيا على ما أصابنيوبقياي أنّي جاهد غير مؤتلي
فلا يدعني قومي كريما لحرّةلئن لم أعجّل ضربة أو أعجّل

فغنّى في هذا الشعر لحنين، أحدهما نحا فيه نحو المرأة في زوجها ورققه وأصلحه وزاد [فيه]، والآخر نحا فيه نحو معبد في غنائه، ثم دخل على حمزة

فقال: أيها الأمير إني صنعت غناء [في شعر] سمعته من بعض أهل المدينة ينشده فأعجبني، فإن أذن الأمير غنيته فيه، فقال: هات، فغناه اللحن الذي نحا فيه نحو معبد، فطرب حمزة، وقال: أحسنت يا غلام، هذا الغناء غناء معبد وطريقته، فقال: لا تعجل أيها الأمير واسمع مني شيئا آخر ليس من غناء معبد ولا من طريقته، فقال: هات، فغناه باللحن الذي يشير فيه بنوح المرأة، فطرب حمزة حتى ألقى [عليه] حلّة كانت عليه، قيمتها مئة دينار، ودخل معبد فرأى حلّة حمزة عليه فأنكرها وعلم حمزة بذلك، فأخبر معبدا بالسبب، فأمر مالكا فغناه [ص] الصوت، فقال: قد كرهت أخذها فيعتمد غنائي ويدعيه لنفسه، فقال له حمزة: لا تعجل واسمع غناء صنعه، ليس من شأنك ولا من طريقتك، وأمره أن يغني اللحن الآخر، فغناه، فأطرق معبد، فقال حمزة: والله لو تفرد بهذا لضاهاك، ثم يتزايد على الأيام، وكلما كبر هو زاد، وكلما شخت أنت نقصت ولأن يكون منسوبا إليك، اجمل، فقال معبد وهو منكسر: صدق الأمير فأمر حمزة له بخلعة من ثيابه وجائزة، حتى طابت نفسه، وسكن، فقام مالك على رجله فقبل رأس معبد، وقال له: يا أبا عباد [أساءك] ما سمعت من غنائي، بالله العظيم لا أغني لنفسي شيئا أبدا ما دمت حيا، فإن غلبتني نفسي فغنيت شعرا استحسنته لأنسبنّه إليك، فطب نفسا وارض عنّي، فقال له معبد: أو تفعل هذا وتفي به؟ قال: إي والله وأزيد، وكان مالك بعد ذلك إذا غنّى صوتا فسئل عنه، قال: هذا لمعبد، ما غنيت لنفسي شيئا قط، وإنما

آخذ غناء معبد فأنقله إلى الأشعار وأحسّنه وأزيد فيه وأنقص منه.

قال ابن عائشة: حضرت الوليد بن يزيد يوم قتل، وكان مالك بن أبي السمح معنا، وكان أحمق الخلق، فلما قتل الوليد قال: اهرب بنا، فقلت: وما يريدون منا؟ فقال: وما يؤمنك أن يأخذوا رأسينا فيجعلوا رأسه بينهما ليخفوا أمرهم بذلك، قال ابن عائشة: فما رأيت منه عقلا قط قبل ذاك اليوم.

وفي مالك بن أبي السمح يقول الحسين بن عبد الله بن العباس:

أبيض كالبدر أو كما يلمع البارق في حالك من الظّلم
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «لا عيش إلا بمالك بن أبي السمح»
من ليس يعصيك إن رشدت ولايهتك حقّ الإسلام والحرم
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «لا عيش إلا بمالك بن أبي السمح»

فيقال إن مالكا قال له: والله ولا إن غويت أيضا أغضبك

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.