من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أبو سعيد مولى فائد
رجل حق وباطل، ودينه محلّى وعاطل، لم يحبط بمروءته الغناء، ولا أثّر في مروءته الغناء، وكان على اشتهاره بالغناء ومداومته وإقامة شوقه ومقاومته من
رجال أهل المدينة، عرضا مصونا وجنابا حصينا، لا ينظر بعين نقيصة، ولا يرى إلا والمسامع على أصواته حريصة، فكان لا يرى مسئولا، ولا يبرح يداوي بريئا ومتبولا.
قال أبو الفرج الاصبهاني: ذكر أن أبا سعيد مولى فائد حضر مجلس محمد بن عمران التميمي قاضي المدينة لأبي جعفر المنصور، وكان مقدما لأبي سعيد، فقال له: يا أبا سعيد، أنت القائل:
لقد طفت سبعا قلت لما قضيتهاألا ليت هذا لا عليّ ولا ليا
يسائلني صحبي فما أعقل الذييقولون من ذكر لليلى اعترانيا
قال: لعمر أبيك إنّي لقائله، وإني لأدمجه إدماجا من لؤلؤ، فرد محمد بن عمران شهادته في ذلك المجلس، وقام أبو سعيد من مجلسه مغضبا وحلف أن لا يشهد عنده [ص] أبدا، فأنكر أهل المدينة ردّ شهادته، وقالوا لابن عمران: عرّضت حقوقنا للبوار وأموالنا للتّلف، لأنا كنا نستشهد هذا الرجل لعلمنا ما كنت عليه، والقضاة من قبلك من الثقة به وتقديمه وتعديله، فندم ابن عمران على ردّ شهادته ووجّه إليه فسأله حضور مجلسه والشهادة عنده ليمضي شهادته، فامتنع وذكر أنه لا يقدر على حضور مجلسه ليمين لزمته، إن حضر حنث، قال:
فكان ابن عمران إذا ادعى أحد عنده شهادة أبي سعيد، صار إلى منزله وإلى مكانه من المسجد حتى يسمع ويسأله عما يشهد به فيخبره، وكان محمد بن عمران كثير اللحم كبير العجز صغير القدمين دقيق الساقين، يشتد عليه المشي، وكان كثيرا ما يقول: لقد أتعبني هذا الصوت «لقد طفت سبعا» وأتعبني
وأضرّ بي إضرارا طويلا، وأنا رجل ثقال بترددي إلى أبي سعيد لأسمع شهادته.
وتمام الأبيات:
إذا جئت باب الشّعب شعب ابن عامرفأقرئ غزال الشّعب منّي سلاميا
وقل لغزال الشّعب هل أنت تاركلشعبك أم هل يصبح القلب ثاويا
لقد زادني الحجّاج شوقا إليكموإن كنت قبل اليوم للحجّ قاليا
وما نظرت عيني إلى وجه قادممن الحجّ إلا بلّ دمعي ردائيا
قال إسحاق: حججت مع الرشيد، فلما قربت من مكة استأذنته في التقدم، فأذن لي، فدخلت مكة، فسألت عن أبي سعيد مولى فائد، فقيل لي هو بالمسجد الحرام، فأتيت المسجد فدللت عليه، فإذا هو قائم يصلي، فجلست قريبا منه، فلما فرغ قال: يا فتى ألك حاجة؟ قلت: نعم، تغنيني «لقد طفت سبعا»، فقال لي أو أغنيك أحسن منه؟ قلت: أنت وذاك، فاندفع يغني شعره:
إنّ هذا الطويل من آل حفصنشر المجد بعد ما كان ماتا
وبناه على أساس وثيقوعماد قد أثبتا إثباتا
مثل ما قد بنى له أوّلوهوكذا يشبه النبات النباتا
فأحسن فيه، فقلت يا أبا سعيد: «فغنني لقد طفت سبعا»، قال: أو أغنيك
ما هو أحسن منه؟ [ص]، فقلت: أنت وذاك فغنّى فاندفع وقال:
قدم الطويل فأشرقت واستبشرتأرض الحجاز وبان في الأشجار
إنّ الطويل من ال حفص فاعلمواساد الحضور وساد في الأسفار
فأحسن فيه، فقلت: أحسنت يا أبا سعيد، فغنّني «قد طفت سبعا»، فقال:
أو أغنيك ما هو أحسن منه: [قال: فغنّني؛ فغناه]
أيّها السائل الذي يخبط الأرض دع النّاس أجمعين وراكا
وأت هذا الطويل من آل حفصإن تخوّفت غفلة او هلاكا
فأحسن فيه، فقلت: غنني «قد طفت سبعا» فقد أحسنت فيما غنّيت، ولكني أحب أن تغنّيني ما سألتك فيه، فقال: لا سبيل إلى ذلك، لأني رأيت النبي ﷺ في منامي وفي يده شيء لا أدري ما هو، وقد رفعه ليضربني به وهو يقول: يا أبا سعيد، لقد طفت سبعا، ما صنعت بأمتي [في] هذا الصوت؟ فقلت: بأبي أنت وأمي اغفر لي، فو الذي بعثك بالحق نبيا لا غنّيت هذا الصوت أبدا، فردّ يده عني وقال: عفا الله عنك إذا، ثم انتبهت. وما كنت لأعطي رسول الله ﷺ شيئا في منامي، فأرجع فيه في يقظتي.
قال إسحاق: فبكيت وقلت: لا تعد يا أبا سعيد في غنائه، فقال: إذا أردت أن تسمعه فاسمعه من منّة جارية البرامكة، فودعته وانصرفت.
قال إبراهيم بن المهدي: كنت بمكة في المسجد الحرام، فإذا شيخ قد طلع، وقد قلب إحدى نعليه على الأخرى، فسألت عنه فقلت: من هذا، فقيل هو أبو سعيد مولى فائد، فقلت لبعض الغلمان: احصبوه، فحصبوه، فأقبل عليّ وقال:
ما يظن أحدكم إذا دخل المسجد إلا أنه له، فقلت للغلام؛ ما يقول لك أبلغني، فقال له أبو سعيد: ومن مولاك حفظك الله؟ فقال: مولاي إبراهيم بن المهدي، فقام فجلس بين يديّ، فقال: لا والله بأبي أنت وأمي ما عرفتك، فقلت: لا عليك، أخبرني [عن] هذا الصوت:
أفاض المدامع قبلي الكرىوقتلى بكثوة لم ترمس
فقال: هو لي ورب هذا البيت، لا تبرح حتى تسمعه، ثم قلب إحدى نعليه وأخذ [ص] بعقب الأخرى وجعل يقرع بحرفيها على الأخرى ويغنّيه حتى أتى عليه، فأخذته منه، وهذا البيت من قصيدة يرثي بها أبو سعيد بني أمية الذين قتلهم عبد الله وداود ابنا عليّ بن عبد الله بن عباس:
أولئك قومي أناخت بهمنوائب من زمن متعس
إذا ركبوا زيّنوا الموكبينوإن جلسوا زينة المجلس
هم أضرعوني لريب الزّمانوهم ألصقوا الرّغم بالمعطس
قال: لما وضع رأس مروان بين يدي أبي عباس، خرّ لّله ساجدا، وقال: الحمد لله الذي أظفرني بك، وأظهرني عليك ولم يبق ثاري قبلك وقبل رهطك أعداء الدين، ثم تمثل قول ذي الإصبع العدواني:
لو يشربون دمي لم يرو شاربهمولا دماؤهم للغيظ ترويني
قال: نظر عبد الله بن علي في القتال إلى فتى عليه أبهة الشرف وهو يقاتل مستقبلا، فناداه: يا فتى، لك الأمان ولو كنت مروان بن محمد الأكبر، قال: إلا أكنه فلست بدونه، قال: فلك الأمان من كنت، فأطرق ثم قال:
أذلّ الحياة وكره المماتوكلا أراه طعاما وبيلا
فإن لم يكن غير إحداهمافسيرا إلى الموت سيرا جميلا
ثم قاتل حتى قتل، فإذا هو [ابن] مسلمة بن عبد الملك.
قال الزبير: سبب قتل السّفاح بني أمية بحضرته، أن السّفاح مدح بقصيدة، فأقبل على بعضهم فقال: أين هذا مما مدحتم به، فقال: هيهات لا يقول والله
أحد فيكم مثل ما قال ابن قيس الرقيات فينا:
ما نقموا من بني أميّة إلاأنهم يحلمون إن غضبوا
وأنّهم معدن الملوك ولاتصلح إلا عليهم العرب
فقال: يا ماصّ كذا وكذا، إن الخلافة لفي شكّ بعد! خذوهم، فأخذوا وقتلوا، ثم أمر ببساط فبسط عليهم، ودعا بالغداء، فجلس فوقه يأكل وهم يضطربون تحته، فلما فرغ [من الأكل] قال: ما أعلم أني أكلت أكلة قط كانت أطيب ولا أهنأ من هذه في نفسي [ص] فلما رفع الطعام قال: جرّوا بأرجلهم فالقوهم في الطريق ليلعنوهم أمواتا كما لعنوهم أحياء. قال:
فرأيت الكلاب تجر بأرجلهم وعليهم سراويلات الوشي، حتى أنتنوا، وحفرت لهم بئر فألقوا فيها، وقال ابن هرمة في ذلك:
فلا عفا اللّه عن مروان مظلمةولا أميّة بئس المجلس النّادى
كانوا كعاد فأمسي اللّه أهلكهمبمثل ما أهلك الماضين من عاد
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع