من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
دحمان الأشقر
نفق على الخلائف، ونفذ من برّهم باللطائف حتى سمت به نفسه إلى رتب الصعود، وطلب مالم ينله إلا ولاة العهود، وكان له على المهدي نفاق، وبكرمه المجدي أرزاق، وكان أطرب من سمع، وأطيب من عليه جمع، كان إذا غنّى
كأنما يستلّ الأكباد [ص] ويستلب في كل لحن قطعة من الفؤاد.
قال أبو الفرج: كان يقول: ما رأيت باطلا أشبه بحق من الغناء. ويقال: إن دحمان شهد عند عبد العزيز بن حنظلة وهو يلي القضاء، لرجل من أهل المدينة على رجل من أهل العراق شهادة فأجازها وعدله، فقال العراقي: إنه دحمان، قال: أعرفه ولو لم أعرفه لسألت عنه، فقال: إنه يغني، ويعلم الجواري الغناء، قال: غفر الله لنا ولك، وأيّنا لا يتغنّى، اخرج إلى الرجل من حقه.
قال عمر بن شبّة: بلغني أن المهدي أعطى دحمان في ليلة خمسين ألف دينار، وذلك أنه غناه من شعر الأحوص:
قطوف المشي إذ تمشيترى في مشيها خرقا
فطرب واستخفه السرور حتى قال لدحمان: سلني ما شئت، قال: ضيعتان بالمدينة يقال لهما: ريان وغالب، فأقطعه إياهما، فلما خرج التوقيع إلى أبي عبد الله وعمر بن بزيع، راجعا المهدي فيه وقالا: إن هاتين الضيعتين لم يملكهما
قط إلا خليفة، وقد استقطعهما ولاة العهود في أيام بني أمية فلم يعطوها، فقال:
والله لا أرجع عنهما إلا بعد أن يرضى، فصولح على خمسين ألف دينار.
قال إسحاق: مرّ دحمان الأشقر المغني وعليه رداء جيد، فقال له بعض من حضر: بكم اشتريت هذا يا أبا عمرو؟ فقال:
[ما] ضرّ جيراننا إذ انتجعوا
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع