تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

بصبص جارية ابن نفيس

جارية سمراء تهزأ بالأسمر، وترسل في طرفها الأسود الموت الأحمر، انغمست في ماء الدلال، وطبعت على صورة الهلال، بحمرة دبت في وجناتها، وأمكنت بواكير الورد من جناتها، وذبلت نرجس العيون وأقاح المقل من جناتها، وروّقت في رضابها الرحيق، وأشعلت فيما تحت نقابها الحريق، وجلتها كالبدر يعلوه تحت الشفوف غيم رقيق، كلف بها المهدي على عفاف مضاجعه، وكف مطامعه وصارت إلى ملك حيث الملوك إلى أبوابه وافدة، والأقدار له على عدوه مرافدة، واختصها بأنسه، واستخلصها لنفسه، وأولدها عليّة بنت المهدي، ولهذا نزعت إلى أمها، واغترفت الغناء من يمّها، وكانت قد أدّبها ابن نفيس فمهرت، وحجبها مدة مقصورة على التعليم حتى ظهرت.

قال أبو الفرج: كان يحيى بن نفيس مولاها صاحب قيان يغشاه الأشراف، ويسمعون غناء جواريه، وكان فيمن [يغشاه] عبد الله بن مصعب بن ثابت بن

عبد الله بن الزبير، فحج أبو جعفر أبو جعفر في بعض السنين، ومر بالمدينة، فقال عبد الله ابن مصعب، تذكر:

أراحل أنت أبا جعفرمن قبل أن تسمع من بصبصا
لو أنّها تدعو إلى بيعةبايعتها ثم شققت العصا [ص]
للشاعر عبد الله بن مصعب، اقرأ القصيدة

فبلغت أبا جعفر، فدعا به فقال: أما أنكم يا آل الزبير قديما قادتكم النساء، وشققتم العصا، حتى صرت أنت آخر الحمقى تبايع النساء المغنيات، فدونكم يا آل الزبير هذا المرتع الوخيم، قال: ثم بلغ المنصور بعد ذلك أن عبد الله بن مصعب قد اصطلح مع بصبص وهي تغنيه:

إذا تمزّزت صراحيّةكمثل ريح المسك أو أطيب
للشاعر عبد الله بن مصعب، اقرأ القصيدة
ثم تغنّى لي بأهزاجهزيد أخو الأنصار أو أشعب
للشاعر عبد الله بن مصعب، اقرأ القصيدة
حسبت أني مالك جالسحفّت به الأملاك أو موكب
للشاعر عبد الله بن مصعب، اقرأ القصيدة
وما أبالي وإله الورىأشرّق العالم أم غرّبوا

قال أبو جعفر: لكن العالم لا يبالون كيف أصبحت، ولا كيف أمسيت، ثم قال أبو جعفر: لكن الذي يعجبني الليلة أن يحدوني الحادي بشعر طريف العنبري فهو ألذ في سمعي من غناء بصبص، ثم دعا الحادي، وكان إذا حدا أصغت الإبل إلى صوته وانقادت انقيادا عجيبا، فسأله المنصور: ما بلغ من حسن حدائه؟

[قال]: تعطش الإبل خمسا وتدنى من الماء، وأحدو أنا، فتتبع كلّها صوتي ولا تقرب الماء، فحفظ الشعر، وهو:

إنّي وإن كان ابن عمّي كاشحالمزاحم من دونه وورائه
وممدّه نصري وإن كان امرأمتزحزحا في أرضه وسمائه
وأكون مأوى سرّه وأصونهحتّى يحقّ عليّ يوم أدائه
وإذا أتى من غيبة بطريفةلم أطّلع ما ذا وراء خبائه
وإذا تحيّفت الحوادث مالهقرنت صحيحتنا إلى جربائه
وإذا تريّش في غناه وفرتهوإذا تصعلك كنت من قرنائه
وإذا غدا يوما ليركب مركباصعبا قعدت له على سيسائه

قال: فلما كان الليل حدا به الحادي بهذه الأبيات، فقال: هذا والله أحثّ [ص] على المروءة، وأشبه لأهل الأدب من غناء بصبص، قال: فحدا به ليله أجمع، فلما أصبح قال: يا ربيع، أعطه درهما، قال: يا أمير المؤمنين، حدوت لهشام بن عبد الملك فأمر لي بعشرين ألفا، وتأمر لي أنت بدرهم! قال: إنا لله، ذكرت مالم نحب أن تذكره، وصفت رجلا ظالما أخذ مال الله من غير حله، وأنفقه في غير حقه، يا ربيع، اشدد يديك به حتى يرد المال، فبكى الحادي وقال: يا أمير المؤمنين، قد مضت به السنون، وقضيت به الديون، ولا والذي أكرمك بالخلافة ما بقي منه شيء، فلم يزل به أهله وخاصته يسألونه في أمره حتى كف عنه، وشرط عليه أن يحدو به ذاهبا وراجعا، ولا يأخذ منه شيئا.

قال: هوي محمد بن عيسى الجعفري بصبصا جارية ابن نفيس، فهام بها، وطال عليه ذلك، فقال لصديق له: لقد شغلتني هذه عن ضيعتي وكل أمري، وقد وجدت مسّ السّلوّ عنها، فاذهب بنا حتى أكاشفها بذلك وأستريح، فأتيتها، فلما غنت لهما، قال محمد بن عيسى: أتغنين:

وكنت أحبّكم فسلوت عنكمعليكم في دياركم السّلام

قالت لا، ولكني أغني:

تحمّل أهلها عنّا فبانواعلى آثار من ذهب العفاء

قال: فاستحسنها، ثم زاد بها كلفا، فأطرق ساعة، ثم قال لها: أتغنيني:

وأخضع بالعتبى إذا كنت مذنباوإن أذنبت كنت الذي أتنصّل

قالت نعم، وأغني:

فإن تقبلوا بالودّ نقبل بمثلهوننزلكم منّا بأقرب منزل

قال: فتقاطعا في بيتين، وتواصلا في بيتين.

وفي بصبص هذه يقول ابن أبي الزوائد:

بصبص أنت الشمس مزدانةفإن تبذّلت فأنت الهلال
سبحانك اللهمّ ما هكذافيما مضى كان يكون الجمال
[ص] إذا دعت بالعود في مشهدوعاودت يمنى يديها الشمال
غنّت غناء يستفده الفتىحذقا وزان الحذق منها الدلال

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.