من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
متيم الهشامية
وكانت مقيم سرور، ومديم غرور، ولو مرت بأم خشف سانح، سلبت منها ما في الجوانح، كانت لبني هاشم سرّة البطحاء، ومسرّة أهل الرّوحاء، نشأت في تلك البيوت تمتع بحلولها، وتحدّ لحاظها في غلولها، إذا غنّت تجدد صبوة الهرم، وتشب صفحة الماء فيضطرم لا تخلو أيادي سراة لها من ذكر لا ينصرف سراه، ولا
يتفرق مجمع إلا ولها فضل عليه يجمع ودامت.
قال أبو الفرج: كلّم عليّ بن هشام [ص] متيّما بشيء فأجابته جوابا لم يرضه فدفع [يده] في صدرها فغضبت ونهضت، وتثاقلت عن الخروج إليه، فكتب إليها:
فليت يدي باتت غداة مددتهاإليك فلم ترجع بكفّ وساعد
فإن يرجع الرحمن ما كان بيننافلست إلى يوم التنادي بعائد
قال: فتمادى غضبها وترضاها فلم ترض، فكتب إليها: الإدلال يدعو إلى الإملال، ورب هجر دعا إلى صبر، وإنما سمي القلب قلبا لتقلّبه ولقد صدق العباس بن الأحنف حيث يقول:
ما أراني الا سأهجر من ليس يراني أقوى على الهجران
مّلني واثقا بحسن وفائيما أضرّ الوفاء بالإنسان
قال: مرت متيم في نسوة وهي متخفية بقصر على بن هشام بعد أن قتل، فلما رأت بابه مغلقا لا أنيس به، وقد علاه التراب، وقد طرحت في أفنيته المزابل،
وقفت عليه وتمثلت:
يا منزلا لم تبل أطلالهحاشا لأطلالك أن تبلى
لم أبك أطلالك لكنّنيبكيت عيشي فيك إذ ولّى
قد كان لي فيك هوى مرّةغيّبه التّرب وما ملا
فصرت أبكي بعده جاهداعند ادّكاري حيثما حلا
والعيش أولى ما بكاه الفتىلا بدّ للمحزون أن يسلى
قال: ثم بكت حتى سقطت من قامتها، وجعل النسوة يقلن لها: نفسك فإنك تؤخذين الآن، فبعد لأي احتملت بين امرأتين، حتى جاوزت الموضع.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع