تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

البردان

فقيه نزّل الغناء منزلة حسن الإنشاد، وبنى منزله على بيوته وشاد، حكم في القضاء، وحتم فيه بالإمضاء، ولم ينكر أنه يعرف الغناء، ويقطف منه اجتناء، لم ير بأسا بتصحيح الأصوات، وتنقيح أناشيد الأبيات، تكميلا لما حصل ذكره من فنون، وحصّن صدره من مكنون، حتى تجلت به أولى الليالي الغوابر، وأقالت الأيام الغوابر، وكان كأنما التطم به بحران، وانقاد الفضل كله بالجران، وأعاد دجى الليل وقد طلع بدره الطالع وهو بدران.

قال إسحاق: قدّم إليه رجل خصما له يدّعي عليه حقا، فوجب الحكم عليه، فأمر به إلى الحبس، فقال [له الرجل]: أنت بغير هذا أعلم منك بهذا، فقال:

ردوه، فردوه، فقال: لعلك تعني الغناء، أي والله، إني لعارف به، ومهما جهلت فإني موجب الحق عليك عالم، اذهبوا به إلى الحبس ليخرج إلى غريمه من حقه.

قال سياط: رأيت البردان بالمدينة يتولّى سوقها، وقد أسنّ، فقلت: يا عم، إني قد رويت لك صوتا صنعته، فأردت أن تصححه لي، فقال لعله:

كم أتى دون عهد أمّ جميل

قلت: نعم، فقال: قم بنا، ومال إلى دار في السوق، ثم قال: غنّه، فقلت:

بل تتمّ يا عمّ إحسانك وتغنيني أنت به، فإن سمعته كما أقوله غنيته وإن [كان] فيه مستصلح استعدته، فضحك وقال: أنت لست تريد تصحيح غناء، إنما تريد أن تقول إنك سمعتني وأنا شيخ وقد انقطعت [ص] وأنت شاب، فقلت للجماعة: إن رأيتم أن تسألوه أن يشفّعني فيما طلبت منه فسألوه فاندفع فغنّاه وأعاده ثلاث مرات، فما رأيت أحسن من غنائه، على كبر سنه ونقصان صوته، ثم قال: غنّه، فغنيته فطرب الشيخ حتى بكى وقال: اذهب يا بني، فأنت أحسن الناس غناء، وإن عشت ليكونن لك شأن.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.