تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

جميلة

مغنية المدينة ومغنية أهلها عن كل زينة، وكان بيتها منتدى الظرفاء ومنتأى الشرفاء، وفتنة لأهل القريتين، ومظنة لسكان الحرّتين، لا يفتأ فتيان الحي تبغي ائتلافها وتولي الودّ ورّادها وألافها، ونوت نية صالحة في ترك الغناء فما تركت، وكثر عليها فلو لم تكفّ لأصبحت المدينة وكم فيها مهجة سفكت [ص].

قال أبو الفرج، قال إسحاق: بلغني أن جميلة قعدت يوما على فرش لها وقالت لآذنتها: لا تحجبي اليوم عنّا أحدا، واقعدي على الباب، وكلّ من مرّ فاعرضي عليه مجلسي، ففعلت ذلك حتى غصّت الدار بالناس، فقالت جميلة:

اصعدوا إلى العلالي، فصعدت جماعة حتى امتلأت السطوح، وتعالى النهار، واشتد الحر، فاستسقى الناس الماء، فدعي لهم بالسويق، فشرب من أراد، وقام على رؤؤسهم الجواري بالمناديل والمراوح الكبار، ثم قالت: إني رأيت في

منامي شيئا فأفزعني، وقد خفت أن يكون قد قرب أجلي، وليس ينفعني إلا صالح عملي، وقد رأيت أن أترك الغناء كراهة أن يلحقني منه شيء عند ربي، فقال قوم منهم: نفعك الله وثبت عزمك، وقال آخرون: لا حرج عليك، وقال الشيخ منهم: قد تكلمت الجماعة، وكل حزب بما لديهم فرحون، فاسمعوا قولي وأنصتوا، ثم حمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي ﷺ، ثم قال: يا معشر أهل الحجاز، إنكم متى تخاذلتم فشلتم، ووثب عليكم عدوكم وظفر بكم، فلا تفلحوا بعدها أبدا، قد انقلبتم على أعقابكم لأهل العراق وغيرهم، ممن لم يزل ينكر عليكم ما هو وراثة فيكم، لا ينكره عالمكم، ولا يدفعه عابدكم، وأكثر ما يكون الجلوس عنه لا للتحريم له، لكن الزهد في الدنيا، لأن الغناء من أكبر اللذات وأسرّ للنفوس من سائر الشهوات، يحيي القلب ويزيد في العقل ويسر النفوس، ويفسح في الرأى، وتسر به العين، وتفتح به الحصون، وتذلل به الجبابرة، حتى يمتهنوا أنفسهم عند استماعه، ويبرئ المرض، ومن مات عقله وقلت شهوته، يزيد أهل الثروة غنى، وأهل الفقر قناعة ورضا، ومن تمسك به كان عالما، ومن فارقه كان جاهلا، وكيف يستحسن تركه ولا يستعان على النشاط في عبادة ربنا إلا به. فما رد أحد عليه حرفا، ولا أنكر ذلك عليه، وعاد كل بالخطإ على نفسه، وأقر له بالفضل، ثم قال لجميلة: أوعيت ما قلت، ووقع في نفسك ما ذكرت؟ قالت: أجل، وأنا أستغفر الله، قال:

فاختمي مجلسنا وفرقي جمعنا بصوت واحد، فغنت هذا البيت:

أفي رسم دار دمعك المترقرقسفاها وما استنطاق ما ليس ينطق
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أفي رسم دار دمعك المترقرق»

[ص] فقال الشيخ: حسن والله، أمثل هذا يترك؟ فيم يتشاهد الرجال؟ لا والله ولا كرامة للشيطان، ثم قام [وقام] الناس معه، وقال: الحمد لله الذي [لم] يفرق جماعتنا على إنكار حسن، ولا جحود فضيلة، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته يا جميلة.

ومن مشهور غناء جميلة صنعتها في بيتين لامرئ القيس وهما:

ولمّا رأت أنّ الهجير يضرّهاوأنّ البياض في فرائصها دامي
تيمّمت العين التي عند ضارجيفيء عليها الظّلّ عرمضها طامي

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.