تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

أبو دلف العجلي

القاسم بن عيسى بن إدريس بن معقل بن عمير العجلي، أحد قواد المأمون ثم المعتصم من بعده، ضرب الهام بسيوفه حتى زواها، والجيوش بصفوفه حتى سوّاها، وعاطى الأعداء كؤوس الدماء، وعاقر الأمور البعيدة للإدناء، فاستقلّ ملكا مهابا، وفلكا كم أطلع شهابا، وسحّ سحابه وهطل، وصحّ أنّ اسم من يقدمه بطل، فأصبحت به تضرب المثل، وتركب السّبل، فدعته ألسنة الآمال، وبايعته نفائس الآجال وملئت ساحته بالركائب، وملأت سماحته بالرغائب، وكان يطعن الطعنة النجلاء، ويرشق السهم بنظر النظرة الكحلاء، ويقتاد الحصان يزل اللّبد عن صهواته، ويشتكي ساقط الرمح بعد مهواته، سكن الجبال، وسكب على الكفار الوبال، وسكت وكلت عنه النبال، ورعت الخلفاء منه نصيحا، ودعت منه فصيحا، واستنبطت لأدوائها منه مسيحا، وأعدت لأعدائها منه مشيحا، وكان بسقام الخلافة طبنا خبيرا، وبالانتقام لها مبيدا مبيرا، وهو مع هذه الصرامة التي تتأكّل منها النار، والشهامة التي يتفتح بها

شجر الغناء بالجلنار، أرق من النسيم شمائل، وأرق من الغيد بوصف البانة المتمايل، يوفي كل مقام حقه، وكل مقال صدقه، ويضحى به البوس، ويضحك الزمان العبوس، حضر مع مواليه للمنادمة، وقد بذل [ص] لهم لبلوغ المنى دمه، وكان يغنّي له بالأصوات، ويعنى في كل شعر له موات. وكان قوي القريحة، فما لا يدرك مهلة، ولا يظن البحار إلا نهله.

قال أبو الفرج: وكان أحمد بن أبي دواد، ينكر أمر الغناء إنكارا شديدا، فأعلمه المعتصم أن صديقه أبا دلف يغني، فقال: ما أراه مع عقله يفعل ذلك، فستر المعتصم أحمد بن أبي دواد [في موضع وأحضر أبا دلف، وأمره أن يغني، ففعل ذلك وأطال، ثم خرج أحمد بن أبي دواد] عليه من موضعه، والكراهة ظاهرة في وجهه، فلما رآه قال أحمد: سوءة لهذا من فعل، أبعد الستين وهذا المحل تضع نفسك بما أرى؟ فخجل أبو دلف وتشوّر وقال: إنهم أكرهوني على الغناء، [فقال: هبهم أكرهوك على الغناء] أفأكرهوك على الإحسان فيه؟

قال أحمد بن عبيد الله: كنّا عند المبرّد يوما، وعنده فتى من ولد أبي البختري وهو ابن أبي وهب بن عمار القاضي له جمال ظاهر، وفتى من ولد أبي دلف العجلي شبيه به في الجمال، فقال المبرّد لابن أبي البختري: أعرف لجدك قصة من

الكرم حسنة لم يسبق إليها، قال: وما هي؟ قال: دعي رجل من أهل الأدب إلى بعض المواضع، فسقي نبيذا غير الذي يشربونه، فقال فيهم:

نبيذان في مجلس واحدلإيثار مثر على مقتر
للشاعر العطوي، اقرأ القصيدة
فلو كان فعلك ذا في الطّعاملزمت قياسك في المسكر
ولو كنت تطلب شأو الكرامفعلت كفعل أبي البختري
تتبّع إخوانه في البلادفأغنى المقلّ عن المكثر

فبلغت الأبيات أبا البختري، فبعث إليه ثلاث مئة دينار، قال ابن عمار:

فقلت له: قد فعل جدّ هذا الفتى في هذا المعنى أحسن من هذا، قال: وما فعل؟

قال: بلغه أن رجلا افتقر بعد ثروة، فقالت له امرأته: افترض في الجند، فقال:

إليك عنّي فقد كلفّتني شططاحمل السّلاح وقيل الدار عين قف
تمشي المنايا إلى قوم فأكرههافكيف أمشي إليها عاري الكتف
حسبت أنّ نفاد المال غيّرنيوأنّ روحي في جنبي أبي دلف

فبلغت الأبيات أبا دلف، فأحضره وقال: كم أملت أن تعيش؟ عشرون سنة، قال: [ص] فأمر بإعطائه ألف دينار، قال: فرأيت وجه ابن أبي دلف يتهلل، وانكسر ابن أبي البختري انكسارا شديدا.

في شعر أبي دلف وله فيه صنعة قوله:

بنفسي يا جنان وأنت منّيمكان الروح في جسد الجبان
ولو أنّي أقول مكان نفسيخشيت عليك بادرة الزّمان
لإقدامي إذا ما الخيل خامتوهاب كماتها حرّ الطّعان

حدّث المبرّد قال: دخل عليّ بن جبلة الشاعر على أبي دلف فأنشده

قصيدته التي يقول فيها:

إنّما الدّنيا أبو دلفبين باديه ومحتضره
فإذا ولّى أبو دلفولّت الدّنيا على أثره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
يا دواء الأرض إن فسدتومجير اليسر من عسره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
لست أدري ما أقول لهغير أن الأرض في خفره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
كلّ من في الأرض من عرببين باديه إلى حضره
مستعير منك مكرمةيكتسيها يوم مفتخره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

فاستحسنها القوم وقالوا: أيها الأمير ما هذه من قبله، وما هي إلا من نجر رقيق الطبع، فقال له أبو دلف: ألا تسمع ما يقولون؟ قال: بلى أصلح الله الأمير، قال: والذي يصدقك، قال: أن أعطى صدورا فأردفها بأعجاز، فضحك أبو دلف

وقال: أنصفت وبالغت، ثم تناول أبو دلف القلم والبياض وكتب:

ريعت لمنشور على مفرقهذمّ لها عهد الصّبا حين انتسب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
أهدام شيب جدد في رأسهمكروهة الجدّة أنضاد العقب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

ثم تناوله ذلك وقال: ابن لي عليه أبياتا، وقد أجّلتك فيه حولا، فقال: أيها الأمير، تأمر فيفرغ لي بيت حتى يكون أجلى للشك، فأمر أبو دلف أن يخلى له بيت، ثم ركب أبو دلف إلى المأمون وخرج معه متصيدا، فرجع آخر النهار، فلما نزل، لم ينزع سواده قال: ليت شعري ما خبر عليّ بن جبلة الشاعر؟ قال: أيها الأمير، إنه زعم أنه فرغ من عمل القصيدة، فقال: [ص] ويحكم أخرجوه إليّ، فأخرج.

فقال أبو دلف: هيه يا عليّ، ما عملت؟ قال: قد فرغت، قال: هات ويحك، بيّض وجهي عند من زعم أنك لست بشاعر، فأنشأ يقول:

أشرقن في أسود أزرين بهكان دجاه لهوى البيض سبب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
فاعتقن أيام الغواني والصّباعن ميّت مطلبه حبّ الأدب
لم يرتدع مرعويا حين ارعوىلكن يد لم تتّسع لمطّلب
لم أر كالشّيب وقارا يجتوىأو كالشباب الغض ظلا يستلب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
كان الشباب لمة ازهى بهاوصاحبا غمرا عزيز المصطحب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
إذ أنا أجري ددنا في غيّهلا أعتب الدّهر إذا الدهر عتب
أبعد شأو اللّهو عن أخذناوأقصد الخود وراء المحتجب
وأذعر الرّبرب عن أبطالهبأعوجيّ دلفيّ المنتسب
مطّردا يرتجّ في أقطارهكالماء جالت فيه ريح فاضطرب
تحسبه أقعد في استقبالهحتى إذا استدبرته قلت أكب
فهو على إرهافه وضمرهيقصر عنه المحزمان واللّبب
تقول فيه جنب إذا استوىوهو كمتن القدح ما فيه جنب
إذا تمنّينا به صدّقهوإن تمنّى فوته العير كذب
لم يبلغ الجهد به راكبهويبلغ الرمح به حيث طلب
ثم اقتضى ذاك كأن لم يعنهوكلّ بقيا فإلى يوم العطب
فحمّل الدّهر ابن عيسى قاسماينهض به أبلج فرّاج الكرب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
كرونق السّيف انبلاجا بالنّدىأو كغراريه على أهل الرّيب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
لا وسنت عين رأت رؤيتهفأيقظته نوبة من النّوب
لولا ندى القاسم كنّا هملالم يعتقد مجد ولم يرع حسب
ولم يقم بيوم بأس وندىولا تلاقى حسب إلى حسب [ص]
تكاد تبدي الأرض ما تضمرهإذا تنادى خيله هلا وهب
وتستهلّ أملا وخيفةإذا استهلّ وجهه وإن قطب
وهو وإن كان ابن فرعي وائلفبمساعيه ترقّى في الحسب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
يا واحد الدّنيا ويا باب النّدىويا مجيب الرّعب في يوم رهب
لولاك ما كان سدى ولا ندىولا قريش عرفت ولا عرب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
خذها امتحانا من مليء بالثّنالكنّه غير مليء بالنّشب
وقرّ بالأرض أو استنفر بهاأنت عليها الرأس والنّاس ذنب

فتهلل وجه أبي دلف سرورا به، وقال له: أحسنت لله أنت، ومثلك فليمدح الملوك، ثم أمر له بمائة ألف درهم، وخلعه سنية وفرس من مراكبه الخاصة، واعتذر إليه من التقصير.

وقدم أبو الشمقمق على أبي دلف، فلما دخل عليه سلم، فرد ﵇، ثم قال: ليس يمنعني منك أبا الشمقمق ملوك هذه الدنيا، قال: وما ألزمتهم؟ قال:

تزعم أن كفّك عن الهجاء يقوم مقام المدح، وليس والله تأخذ مني صلة أو تمدحني، قال: قد مدحتك أيها الأمير، قال: هات، فأنشأ يقول:

من ملك الموت إلى قاسمرسالة في بطن قرطاس
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

فقال أبو دلف ويلك، ما في بطن القرطاس؟ قال:

يا فارس الهيجاء يوم الوغىمرني بمن شئت من النّاس

فقال أبو دلف: أحسنت والله، فأسألك الآن بالله، هل هجوتني؟ فقال: أيها الأمير، سألتني بعظيم، نعم قد هجوتك، قال: فأنشدني، قال: على أن تؤمنني، قال: أنت في أمان (الله) تعالى، فأنشده يقول:

قد بلوناك بالحروب فلم تأت طائلا
وسألناك نائلافوجدناك سائلا

فقال أبو دلف: هجوتني قبل أن أستوجب الهجاء، فقال: أصلح الله الأمير، صيرته عدة، وهو ثوب نسجته ووضعته في تخت، فإن احتجت إليه نشرته وإلا كان مطويا [ص] فضحك أبو دلف وأمر له بعشرة آلاف درهم، وقال: دعه يكون مطويا.

وقال القاسم بن عيسى المعروف بأبي دلف:

وقالوا بلاد الشام أرض تقدستفما بالنا في أرضنا لا نقدس
فلا شوقنا فان ولا الهم منقضولا هدأة تغشى العيون فتنعس

وقال أيضا:

عاقني عن وداعك الأشغالوأمور جرت عليّ ثقال
في بلاد يذل فيها عزيز النفس حتى تهينه الأنذال
للشاعر ابن عبد العزيز العجلي، اقرأ القصيدة
حيث لا مدفع بسيف من الضيم ولا للجياد فيها مجال

ومما ذكر أبو الفرج: أن الأفشين كان عرض لأبي دلف واعتل له باطنه، ذوى بدائه، وملئ بالعمل على إرادته، ولم يزل يغري به المعتصم ويرمي جانبه السليم منه بما يصم، حتى أسرّ إليه قتل أبي دلف، وأمر فيه بأمر يفضي به إلى التلف، فأخذه إليه وعفى على آثاره، وعمّى بصراء أخباره، فأتى الخبر ابن أبي دواد، وقد خيم الليل وطنب، وأسكت من أنب، ولم يبق باب إلا وقد أوثق بالرتاج، ولا أحد إلا وجفنه قد طعم النوم أو احتاج، فخاف إن أخّر إلى بكرة غده أن تفوت فيه الحيلة، وأن يودعه سر تلك الليلة الثقيلة، فدعا بجماعة من عدول الشهود، ونهض بهم إلى باب الأفشين حتى طرقه واستفتح غلقه، ثم دخل عليه هجما، وانقضّ شيطانه المريد في تلك الليلة رجما، وقال له: هؤلاء شهود أمير المؤمنين، وأنا قاضيه ورسوله إليك في أمر هو من وراء تقاضيه، وهو يأمرك بالإمهال في أمر أبي دلف، وأنك لا تعجل عليه، ولا تمد يدك ببطش إليه، وها هو لديك حي يرزق وسالم الأعضاء، قادر على المضاء، وها أنا قد أبلغتك رسالة أمير المؤمنين، وهؤلاء يشهدون وفي بكرة غد لشهادتهم عند أمير المؤمنين يؤدون، وكان قد أحضر أبا دلف ليقتله في تلك الساعة والسيف مصلت قد أظمأه له وأجاعه ثم كرّ ابن أبي دواد راجعا، وترك الأفشين فاجعا، وكان ابن أبي دواد قد فعل هذه الأعجوبة، وأتى لإبقاء نفس ذلك المسلم [ص] بهذه الأكذوبة، والمعتصم لم يخاطبه فيه ببنت شفة، ولا أراه من جنى نخلته له تمرة

ولا حشفة، فلم يكن له همّ إلا أن أنتظر آخر الليل، حتى طار غرابه، وجرد عن سيف النهار قرابه، وشرع الفجر ينفجر، والأفق بملاءة الصباح يعتجر، وبكر إلى دار الخلافة، والمعتصم قد انفتل عن المحراب، ولمح ابن أبي دواد فما استراب، فتقدم إليه، وقصّ عليه القصة، والمعتصم يسمع، وحدثه بما كادت له مقلته تدمع، وقال له: يا أمير المؤمنين، إني لم أجئك بتهمة في عمري سواها، ولا أتيت بمثلها ونفس وما سواها، ولو لم تكن إنقاذ وليّ من أوليائك وينجي بقاءه من حلوق أعدائك، لما فعلتها، ولا اجترأت على أمير المؤمنين وقلتها، فضحك أمير المؤمنين ضحك معجب بجميل صنعه، فعجل إلى عدم منعه، وقال له: قد أجزت ما قلت أيها القاضي وما فعلت، ثم بثّ رسله إلى الأفشين يأمره بإحضار أبي دلف، فما نشب أن أحضره، وسنّى إطلاقه، ثم لم يبرح ابن أبي دواد حتى أعاده إلى منزلته، وعاد الأفشين وأماته بعلته.

قال ابن خلكان: كان أبو دلف كريما سريا جوادا ممدحا شجاعا مقداما، ذا وقائع مشهورة، وصنائع مأثورة، أخذ عنه الأدباء الفضلاء، وله صنعة في الغناء، وصنّف عدة كتب في (البزاة والصيد) و (السلاح) و (النزه) و (سياسة الملوك) وغير ذلك، ومدحه أبو تمام الطائي بأحسن المدائح، وفيه يقول بكر بن النطاح:

يا طالبا للكيمياء وعلمهمدح ابن عيسى الكيمياء الأعظم
لو لم يكن في الأرض إلا درهمومدحته لأتاك ذاك الدرهم
للشاعر بَكرِ بنِ النَطّاح، اقرأ القصيدة

ويحكى أنه أعطاه على هذين البيتين سبعين ألف درهم، فأغفله قليلا، ثم دخل عليه وقد [اشترى] بتلك الدراهم قرية في نهر الأبلّة، فأنشده:

بك ابتّعت في نهر الأبلة قريةعليها قصير بالرّخام مشيد
للشاعر بَكرِ بنِ النَطّاح، اقرأ القصيدة
إلى جنبها أخت لها يعرضونهاوعندك مال للهبات عتيد
للشاعر بَكرِ بنِ النَطّاح، اقرأ القصيدة

فقال له: وكم ثمن هذه الأخت؟ فقال: عشرة آلاف درهم، فدفعها له، ثم قال [ص] تعلم أن نهر الأبلّة عظيم وفيه قرى كثيرة، وكل أخت إلى جانبها أخرى، وإن فتحت هذا الباب اتسع الخرق، فاقنع بهذه ونصطلح عليها، فدعا له وانصرف.

وقد ألمّ أبو بكر محمد بن هاشم أحد الخالديين بمعنى قول بكر بن النطاح المذكور في البيتين الأولين، فقال:

وتيقّن الشعراء أنّ رجاءهمفي مأمن بك من وقوع الياس
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
ما صحّ علم الكيمياء لغيرهمفيمن عرفنا من جميع النّاس
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
تعطيهم الأموال في بدر إذاحملوا الكلام إليك في قرطاس
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة

وكان أبو دلف قد لحق أكرادا قطعوا الطريق في عمله، فطعن فارسا فأنفذت الطعنة إلى فارس آخر وراءه رديفه، فنفذ فيه السنان، فقتلهما، فقال في ذلك ابن النطاح:

قالوا وينظم فارسين بطعنةيوم الهياج ولا نراه كليلا
لا تعجبوا فلو أنّ طول قناتهميل إذا نظم الفوارس ميلا

وكان أبو عبد الله أحمد بن أبي فنن صالح مولى بني هاشم، أسود مشوه الخلق قصيرا، فقالت له امرأته: يا هذا، إن الأدب أراه قد سقط نجمه، وطاش سهمه، فاعمد إلى سيفك ورمحك وقوسك، وادخل مع الناس في غزواتهم، عسى الله أن ينفعك من الغنيمة بشيء، فأنشد يقول:

مالي ومالك [قد] كلفتني شططاحمل السلاح وقول الدّار عين قف
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
أمن رجال المنايا خلتني رجلاأمسى وأصبح مشتاقا إلى التّلف
للشاعر أحمد بن أبي فنن، اقرأ القصيدة
تمشي المنايا إلى غيري فأكرههافكيف أمشي إليها بارز الكتف
ظننت أنّ نزال القرن من خلقيأو أنّ قلبي في جنبي أبي دلف

فبلغ خبره أبا دلف فوجّه إليه ألف دينار. وكان أبو دلف لكثرة عطائه قد ركبته الديون، واشتهر ذلك عنه، فدخل عليه بعضهم، وأنشده:

أيا ربّ المنائح والعطاياويا طلق المحيّا واليدين
[ص] لقد خبّرت أنّ عليك دينافزد في رقم دينك واقض ديني

فوصله وقضى دينه.

ودخل عليه بعض الشعراء وأنشده:

اللّه أجرى من الأرزاق أكثرهاعلى يديك تعلّم يا أبا دلف
ما خطّ (لا) كاتباه في صحيفتهكما تخطط (لا) في سائر الصّحف
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «الله أجرى من الأرزاق أكثرها»
بارى الرياح فأعطى وهي جاريةحتّى إذا وقفت أعطى ولم يقف
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «الله أجرى من الأرزاق أكثرها»

وكان أبوه قد شرع في عمارة مدينة الكرج وأتمها هو، وكان بها أهله وعشيرته وأولاده، وكان قد مدحه بها بعض الشعراء فلم يحصل له منه ما في نفسه، فانفصل عنه وهو يقول:

دعيني أجوب الأرض في فلواتهافما الكرج الدنيا ولا الناس قاسم
للشاعر بَكرِ بنِ النَطّاح، اقرأ القصيدة

وهذا مثل قول بعضهم:

فإن رجعتم إلى الإحسان فهو لكمعبد كما كان مطواع ومذعان
وإن أبيتم فأرض الله واسعةلا النّاس أنتم ولا الدنيا خراسان

ولما قدم أبو دلف من الكرج صنع الأمير علي بن عيسى بن ماهان مائدة، ودعاه إليها وكان قد احتفل بها غاية الاحتفال، فجاء بعض الشعراء ليدخل دار علي بن عيسى، فمنعه البواب، فتعرّض الشاعر لأبي دلف، وقد قصد دار علي بن عيسى، وبيده جزازة، فناوله إياها، فإذا فيها:

قل له إنّ لقيتهمتأن بلا وهج
جئت في ألف فارسلغداء من الكرج
ما على النّاس بعدهافي الدناءات من حرج

فرجع أبو دلف، وحلف أنه لا يدخل الدار ولا يأكل منها شيئا. وقيل إن الشاعر هو عباد بن الحريش.

وقيل إن أبا دلف لما مرض مرض موته، حجب الناس عن الدخول إليه لثقل مرضه، فاتفق أنه أفاق في بعض الأيام فقال لحاجبه [ص] من بالباب من المحاويج؟ فقال: عشرة من الأشراف قد وصلوا من خراسان، ولهم بالباب عدة أيام لم يجدوا طريقا، فقعد على فراشه واستدعاهم، فلما دخلوا رحّب بهم وسألهم عن أحوالهم وبلادهم وسبب قدومهم، فقالوا: ضاقت بنا الأحوال وسمعنا بكرمك فقصدناك، فأمر خازنه بإحضار بعض الصناديق وأخرج منه عشرين كيسا في كل كيس ألف دينار، ودفع إلى كل واحد منهم كيسين، ثم أعطى كل واحد منهم مؤونة طريقه، وقال لهم: لا تمسوا الأكياس حتى تصلوا بها سالمة إلى بلادكم، واصرفوا هذا في مصالح الطريق، ثم قال: ليكتب كل واحد منهم خطه أنّه فلان بن فلان حتى ينتهي إلى علي بن أبي طالب ﵁، ويذكر جدته فاطمة بنت رسول الله ﷺ ورضي عنها، ثم يكتب: يا

رسول الله، إني وجدت إضاقة وسوء حال في بلدي، فقصدت أبا دلف العجلي، فأعطاني ألفي دينار، كرامة لك، وطلبا لمرشاتك، ورجاء لشفاعتك، فكتب كل واحد منهم ذلك، وتسلّم الأوراق، وأوصى من يتولى تجهيزه إذا مات أن يضع تلك الأوراق في كفنه، حتى يلقى بها رسول الله ﷺ، ويعرضها عليه.

وحكي عنه أنه قال: من لم يكن مغاليا في التشيع فهو ولد زناء، فقال ولده دلف له: يا أبتي لست على مذهبك، فقال له أبوه: لما وطئت أمك وعلقت بك ما كنت قد استبرأتها، فهذا من ذلك، والله أعلم.

ومع هذا فقد حكى جماعة من أرباب التاريخ، أن دلف بن أبي دلف قال: رأيت في المنام آتيا أتاني، فقال: أجب الأمير، فقمت معه فأدخلني دارا وحشة وعرة سوداء الحيطان مغلقة السقوف والأبواب، وأصعدني على درج منها، ثم أدخلني غرفة منها، في حيطانها أثر النيران، وإذا في أرضها أثر الرماد، وإذا بأبي وهو عريان واضع رأسه بين ركبتيه، فقال كالمستفهم: دلف؟ فقلت: دلف، فأنشأ يقول:

أبلغن أهلنا ولا تخف عنهمما لقينا في البرزخ الخنّاق
للشاعر أبو دلف العجلي، اقرأ القصيدة
قد سئلنا عن كلّ ما [قد] فعلنافارحموا وحشتي وما قد ألاقي
للشاعر أبو دلف العجلي، اقرأ القصيدة

ثم قال: أفهمت؟ قلت: نعم، فأنشد: [ص]

فلو كنّا إذا متنا تركنالكان الموت راحة كلّ حيّ
ولكنّا إذا متنا بعثناونسأل بعده عن كلّ شيّ
للشاعر أبو دلف العجلي، اقرأ القصيدة

ثم قال: أفهمت؟ قلت: نعم، وانتبهت.

توفي ببغداد سنة ست وعشرين ومئتين.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.