من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
إسماعيل بن الهربذ
ملتقط فوائد، ومحصّل فرائد، تتعب ألف رائد، يبدر إلى محاسن المقال، وينظر [ص] إليه لا إلى من قال، يأخذ الغناء من الأمة الوكعاء، وينوي الغنا عن الأمة الخلعاء، وكان من أفراد أهل الطرب، وورّاد ما منع منه من موارد الطلب، وذكر ابن عساكر من أخباره ما ليس هذا موضعه، ولا الذي يحبّ مرقله ولا موضعه.
قيل إنه قدم مكة على الرشيد وعنده ابن جامع وإبراهيم وابنه إسحاق وفليح وغيرهم، والرشيد يومئذ خاثر، به خمار شديد، فغنّى ابن جامع ثم فليح وإبراهيم، فما حرّكه أحد منهم ولا أطربه، فاندفع [ابن] الهربذ يغني، فعجبوا من إقدامه في تلك الحال على الرشيد، فغنّى:
يا راكب العيس التيوخدت إلى البيت الحرام
قل للإمام أخي الإمام ابن الإمام أبي الإمام
زين البرية إذ بدافيكم كمصباح الظّلام
جعل الإله الهربذيّ فداك من بين الأنام
قال: فكاد الرشيد يرقص، واستخفّه الطرب حتى ضرب بيديه، ورجليه، وأمر له بعشرة آلاف درهم، فقال له: يا أمير المؤمنين، لهذا الصوت خبر، فإن أذن لي أمير المؤمنين حدثته، قال: حدّث، قال: كنت مملوكا لرجل من آل الزبير، فدفع إليّ درهمين أبتاع له بهما لحما، فخرجت فلقيت جارية على رأسها جرة مملوءة من ماء العقيق، وهي تغنّي بهذا اللحن في شعر غير هذا الشعر في وزنه ورويه، فسألتها ان تعلمنيه، فقالت: لا وحقّ القبر، إلا بدرهمين، فدفعت إليها الدرهمين فعلمتنيه، فرجعت إلى مولاي بغير لحم، فضربني ضربا مبرحا شغلت بنفسي معه، فأنسيت الصوت، ثم دفع إليّ درهمين آخرين لأبتاع بهما لحما، فلقيت الجارية، فسألتها أن تعيد الصوت، فقالت: لا والله، إلا بدرهمين، فدفعتها إليها، فأعادته مرارا حتى أخذته، فلما رجعت إلى مولاي أيضا بلا لحم معي، قال: ما القصة في هذين الدرهمين؟ فصدقته عن القصة، وأعدت عليه الصوت، فقبّل بين عيني وأعتقني، فرحلت إليك بهذا الصوت، وقد جعلت لك اللحن في هذا الشعر، فضحك، ثم قال: دع الأول وتناسه، وأقم على هذا [ص] الشعر بهذا اللحن، وأما مولاك فإني أدفع إليه بكل درهم ألف دينار، ثم أمر بذلك فحمل إليه من وقته.
ومما غنّى به إسماعيل الهربذيّ الوليد بن يزيد بن عبد الملك:
سليمى تلك في العيرقفي أخبرك أو سيري
إذا ما أنت لم ترثيلصبّ القلب مغمور
فلمّا أذّن الصّبحبأصوات العصافير
خرجنا نتبع الشّمسعيونا كالقوارير
وفينا شادن أحور من حور اليعافير
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع