تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

عبد الله بن جدعان ص ٨٨

سيد تيم في الجاهلية، ومشيد المفاخر الجليّة، شرّفه رسول الله ﷺ بدخول داره، وطرفه مطارف فخاره، وكان قد أتى كسرى ملك آل

ساسان، وسمع عنه غناء الحسان، وشدا جانبا مما سمع، واحتذى منه مالو علم جمع، وإنما كان هو وسادات العرب يتغنى غناء الركبان، ويتأتى به خلا [ل] الفضلاء ورؤوس الكثبان، وقد ذكر أبو الفرج في أنباء صوت ذكر، وصوب من بارقه الجنوبي مبتكر.

قالت عائشة ﵂: قلت لرسول الله ﷺ، ابن جدعان في الجاهلية كان يصل الرحم، ويطعم المساكين، فهل تلك نافعة له؟ قال: (لا، لأنه لم يقل اللهم اغفر لي خطيئتي يوم الدين).

قال: قدم أمية بن أبي الصلت على عبد الله بن جدعان، فقال عبد الله: أمر ما أتى بك؟ فقال أمية: كلاب وغرماء قد نبحتني ونهشتني، فقال له عبد الله:

قدمت عليّ وأنا عليل من حقوق لزمتني، فأنظرني قليلا يحم ما في يدي، وقد ضمنت قضاء دينك، ولا أسألك مبلغه، فأقام اميّة ايّاما ثم قال:

أأذكر حاجتي أم قد كفانيحياؤك إن شيمتك الحياء
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «أأذكر حاجتي أم قد كفاني»
وعلمك بالأمور وأنت قرملك الحسب المهذّب والسّناء
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «أأذكر حاجتي أم قد كفاني»
كريم لا يغيّره صباحعن الخلق السّني ولا مساء
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «أأذكر حاجتي أم قد كفاني»
تباري الريح مكرمة وجوداإذا ما الكلب احجره الشتاء
إذا أثنى عليك المرء يوماكفاه من تعرّضه الثّناء
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «أأذكر حاجتي أم قد كفاني»

فلما أنشده أمية هذا الشعر كانت عنده قينتان، فقال لأمية: خذ إحداهما، فأخذ إحداهما وانصرف، فمر بمجلس من مجالس قريش، فلاموه على أخذها، وقالوا: لقد لقيته عائلا، ولو رددتها، فإن الشيخ محتاج إلى خدمتها، كان ذلك أقرب لك عنده، فوقع الكلام في أمية موقعا، وندم فرجع لردها إليه، فلما أتاه بها قال ابن جدعان: لعلك إنما رددتها لأن قريشا لاموك على أخذها، ووصف لأمية ما قال القوم له، فقال له أمية، والله ما أخطأت يا أبا زهير، فقال عبد الله: فما الذي قلت في ذلك؟ فقال [ص] أمية:

وليس بشين لا مرئ بذل وجههاليك كما بعض السؤال يشين

فقال عبد الله لأمية: خذها، يعني الأخرى، فأخذهما جميعا وانصرف.

قال الحسن المروزي: سألت سفيان بن عيينة فقلت: يا [أبا] محمد، ما تفسير قول رسول الله ﷺ (كان دعاء أكثر الأنبياء قبلي بعرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) وإنما هو ذكر وليس فيها من الرجاء شيء، فقال لي أعرفت حديث مالك بن الحويرث، يقول الله جل ذكره: «إذا شغل عبدي ثناؤه عليّ عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين»، قال: قلت: نعم، أنت حدثتنيه عن منصور عن مالك ابن الحويرث، قال: فهذا تفسير ذلك، ثم قال: أعلمت ما قال أمية بن أبي الصّلت

حين خرج إلى ابن جدعان يطلب نائله؟ قلت: لا أدري، قال: قال فيه:

أأذكر حاجتي أم قد كفانيحياؤك إنّ شيمتك الحياء
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «أأذكر حاجتي أم قد كفاني»
إذا أثنى عليك المرء يوماكفاه من تعرّضه الثناء
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «أأذكر حاجتي أم قد كفاني»

ثم قال سفيان: فهذا مخلوق بسبب الجود قيل له: يكفينا من مسألتك أن نثني عليك ونسكت حتى تأتي حاجتنا، فكيف بالحق ﷿؟

وكان ابن جدعان ممّن حرّم على نفسه الخمر في الجاهلية، وذلك أن أمية شرب معه، فلما أصبح رأى بعين أمية أثرا، فقال: ما هذا، فعرفه أنه فعله به، فأعطاه عشرة آلاف درهم دية عينه، وقال: الخمر عليّ حرام.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.