تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

عبيد الله بن عبد الله بن طاهر

توشّح بالأدب، وترشّح للطلب، واقتنى الجواري وأخذهنّ بالإحسان، وألقى عليهن الأصوات، وأبقى لهن حياة في الأموات، ولم يكن يذكر بالغناء إلا جواريه، ولا يظهر، ولو فعل لم يكن أحد يباريه، وإنما كان كلفا بالشعر والإحسان [في] قريضه، ومحاسن تصريحه وتعريضه، وهو فرع من تلك الغضراء، وبقية من تلك الدولة الغراء.

قال أبو الفرج، قال جحظة: كان المعتضد [يغنّى] بصوت لشاجي، فأرسل إلى عبيد الله يقسم بأن يأمرها بزيارته، ففعل، قال جحظة: فحدثني من حضر من المغنيات ذلك المجلس يخدمون المعتضد، قلن: دخلت علينا، وما منّا إلا من يرفل في الحليّ والحلل، وهي في أثواب ليست كأثوابنا، فاحتقرناها، فلما غنّت احتقرنا أنفسنا، ولم يزل كذلك حالنا إلى أن صارت في أعيننا كالجبل، وصرنا كلا شيء، قال: ولما انصرفت أمر لها المعتضد بمال وكسوة، ودخلت على مولاها، فجعل يسألها عن خبرها وما استطرفت مما رأت، وما استغربت مما سمعت، فقالت: ما استحسنت هناك ولا استغربته من غناء ولا غيره، إلا عودا محفورا من عود، فإني استظرفته، قال جحظة: فما قولك فيمن دخل إلى دار الخلافة فلم تمتد عينه إلى شيء استحسنه إلا عودا.

قال بعضهم: كنت عند عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، وعنده أخوه محمد

يأمره بإحضاري وتقليدي القضاء، وقد بلغت هذه السن وأتولى القضاء بعدها، وبعد ما قد رويت: من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين [ص] فقال محمد: فتلحق أمير المؤمنين (بسرّمن رأى) وتسأله إعفاءك، قال: أفعل، فأمر له بمال ينفقه وبظهر يحمله ويحمل ثقله، ثم قال: إن رأيت يا أبا عبد الله أن تفيدنا منك شيئا قبل أن نفترق، قال: نعم، انصرفت من عمرة المحرّم، فبينما أنا بالعرج إذ أنا بجماعة مجتمعة، فأقبلت إليهم، فإذا أنا برجل كان يتقنّص الظّباء، وقد وقع ظبي في حبائله، فذبحه فانتفض في يده فضرب بقرنه صدره فمات، وأقبلت فتاة كأنها المهاة، فلما رأت زوجها ميتا شهقت وقالت:

يا حص جمّع أحشائي وقلقلهارداك يا حصن لولا غرّة جلل
أضحت فتاة بني نهد علانيةوبعلها فوق أيدي القوم محتمل

قال: ثم شهقت فماتت، فما رأيت أعجب من الثلاثة؛ الظبي مذبوح، والرجل ميت جريح، والفتاة ميتة حرّى، قال: فأمر له عبيد الله بمال آخر، ثم أقبل على أخيه محمد فقال له: أما إن الذي أخذنا من الفائدة في خبر حسن وفي قولها:

أضحت فتاة بني نهد علانية

- تريد ظاهرة - أكثر مما أعطيناه من الصلة.

ومن شعر عبيد الله بن طاهر:

فأنفق إذا أيسرت غير مقصّروأنفق إذا خيّلت أنك معسر
فلا الجود يغني المال والجدّ مقبلولا البخل يبقي المال والجدّ مدبر

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.