تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

الزرقاء جارية ابن رامين

أنست ذكر زرقاء اليمامة، وغنت فأغنت عن الورقاء والحمامة، لم يبق معها لليمامية ولو أنها أفضل عين ولا أثر، ولا للزّرقاء أم بني أمية خبر يقع عليه الطرف إذا عثر، أبدعت في تكميل الغناء وتحصيل ما لا ينصرف عنه للاستغناء، ثم أصبحت والحجب تضرب عنها دونها، والستر يسبل عنها مصونها، والنجوم لا ترمقها، والشموس تشهد منها مشرقها.

قال أبو الفرج، قال إسحاق، كان روح بن حاتم المهلبي كثير الغشيان لمنزل ابن رامين، وكان يختلف إلى الزرقاء، وكان محمد بن جميل يهواها وتهواه، فقال لها روح بن حاتم: قد ثقل علينا، قالت: فما أصنع، قد غمر مولاي ببره، قال: احتالي له، فبات عندهم روح ليلة، فأخذت سراويله وهو نائم فغسلته، فلما أصبح سأل عنه، فقالت: غسلناه، ففطن أنه أحدث فيه فاحتيج إلى غسله، فاستحيا من ذلك وانقطع عنها، وخلا وجهها لابن جميل.

قال: واشترى جعفر بن سليمان الزرقاء بثمانين ألف درهم، فلما مضت لها مدة عنده، قال لها يوما: هل ظفر أحد منك ممن كان يهواك بخلوة أو قبلة، فخشيت أن يبلغه شيء كانت فعلته بحضرة جماعة، أو يكون قد بلغه، فقالت: لا والله، إلا يزيد بن عون العبادي قبلني قبلة وقذف في فمي لؤلؤة بعتها بثلاثين ألف درهم،

فلم يزل جعفر يطلبه ويحتال له حتى وقع في يده، فضربه بالسياط حتى مات.

قال إسحاق: شربت الزرقاء دواء فأهدى لها ابن المقفع ألف درّاجة على جمل قراسيّ.

قال محمد بن سلام: اجتمع عند ابن رامين معن بن زائدة وروح بن حاتم وابن المقفع، فلما غنت بعث معن إليها بدرة، فصبها بين يديها، وبعث روح إليها أخرى فصبها بين يديها، ولم يكن عند ابن المقفع دراهم، فجاء بصك ضيعته وقال: هذه عهدة ضيعتي خذيها، فأما الدراهم [ص] فما عندي منها شيء.

قال إسماعيل بن عمار: كنت أختلف إلى منزل ابن رامين فأسمع جاريته الزرقاء وسعدة، وكانت سعدة أظرف من الزرقاء، فأعجبت بها، وعلمت ذلك مني، وكانت كاتبة، فكتبت إليها أشكو ما ألقى بها، فوعدتني فكتبت إليها رقعة مع بعض خدمهم فيها:

يا ربّ إنّ ابن رامين له بقرعين وليس لنا غير البراذين
للشاعر اسماعيل بن عمار الأسدي، اقرأ القصيدة
لو شئت أعطيته مالا على قدريرضى به منك غير الخرّد العين
للشاعر اسماعيل بن عمار الأسدي، اقرأ القصيدة
فإن تجودي بذاك الشيء أحي بهوإن بخلت به عنّي فزنّيني

قال: فجاءني الخادم فقال: ما زالت تقرأ رقعتك وتضحك، وكتبت إلي: حاشاك

من أن أزنيّك، ولكني أصير إليك وأغنيك وألهيك، وأرضيك، وصارت إلي فأرضتني بعد ذلك.

قال ابن عمار:

لابن رامين خرد كمها الوحش حسان وليس لي غير بغل
رب فضلته علي ولو شئت لفضلتني عليه بفضل
للشاعر اسماعيل بن عمار الأسدي، اقرأ القصيدة

وقال محمد بن الأشعث بن نجوة الكاتب الكوفي:

أمسى لسلامة الزرقاء في كبديصدع مقيم طوال الدهر والأبد
لا يستطيع صناع القوم يشعبهوكيف يشعب صدع الحب في الكبد

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.