تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

حبابة جارية يزيد بن عبد الملك

أمة غلبت على الحرائر، وفتنت بإطرابها، وحسنت بين أترابها، وسفرت فراب البدور سفورها، وملأ الصدور سرورها، ووصلت إلى حجب يزيد، وكان حب شغفه لها يزيد، فكان لو خيّر بينها وبين الخلافة لاختارها، أو سمّيت هي

والشهد لترك الشهد واشتارها، وكانت هي سبب الطعن عليه حتى أنفذته الرماح ونبذته لقى في مهبات الرياح، صارت إليه هي وسلامة القس، ونعم بهما طوال مدته مثل ليلة العرس، إنّ هوى حبابة سكن حبه وقلبه، وأشعله حتى ذهب بلبه، ثم وهبها سلامة ورضي بها، ولم يسخطه ملامة.

[ص] قال أبو الفرج: أول ما ارتفعت منزلة حبابة عند يزيد أنه أقبل يوما إلى البيت الذي هي فيه، فقام من وراء الستر، فسمعها تترنم وتغني:

كان لي يا يزيد حبّك حيناكاد يقضي عليّ لما التقينا

والشعر كان يا سفين، فرفع الستر، فوجدها مضطجعة مقبلة على الجدار، فعلم أنها لم تعلم به، فألقى بنفسه عليها وخزلت منه.

قال ابن شبه: لما ألح يزيد على الشرب وسماع الغناء، أقبل مسلمة عليه يلومه ويقول له: إنك وليت بعقب عمر بن عبد العزيز وعدله، وقد تشاغلت بهذه الأمة عن النظر في أمور المسلمين، والوفود ببابك وأصحاب الولايات والظلامات يصيحون، وأنت غافل عنهم، قال: صدقت والله، وأعتبه وهمّ بترك الشراب أيّاما، ولم يدخل على حبابة مدة، فدست حبابة إلى الأحوص أن يقول بيتا في ذلك، وقالت: إن رددته عن رأيه فلك ألف دينار، فدخل الأحوص على يزيد، فاستأذنه، فأذن له فقال:

ألا لا تلمه اليوم أن يتبلّدافقد غلب المحزون أن يتجلّدا
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «ألا لا تلمه اليوم أن يتبلدا»
بكيت الصّبا جهدي فمن شاء لامنيومن شاء آسى في البكاء فأسعدا
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «ألا لا تلمه اليوم أن يتبلدا»
وإنّي وإن فنّدت في طلب الصبالأعلم أنّي لست في الحبّ أوحدا
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «أَلاَ لاَ تَلُمْهُ اليَوْمَ أَنْ يَتَلَبَّدَا»
إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوىفكن حجرا من يابس الصّخر جلمدا
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «ألا لا تلمه اليوم أن يتبلدا»
فما العشق إلا ما تلذّ وتشتهيوإن لام فيه ذو الشّنار وفنّدا

وحفظت حبابة الأبيات، وعملت فيها لحنا، وكان يزيد قد أقام جمعة لا يدخل إليها، فلما كان يوم الجمعة، قالت لبعض جواريها: إذا خرج أمير المؤمنين إلى الصلاة فأعلميني، فلما أراد الخروج أعلمتها، فتلقته بالعود في يدها، فغنت البيت الأول، فغطى وجهه وقال: مه، لا تفعلي، ثم غنّت الأبيات، فلما بلغت إلى:

وما العيش إلا ما تلذ وتشتهي

عدل إليها وقال: صدقت، قبّح الله من لامني فيك، يا غلام مر مسلمة [ص] فليصل بالناس، وأقام معها وعاد إلى حاله.

وذكر ابن عياش أن سلامة وحبابة اختلفتا في صوت معبد:

ألا حيّ الديار بسعد إنّيأحبّ لحبّ فاطمة الديارا
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي الديار بسعد إني»
إذا ما حلّ أهلك يا سليمىبدارة صلصل شحطوا المزارا
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي الديار بسعد إني»

فبعث يزيد إلى معبد فأتى، فسأل: لم بعث إليه؟ فأخبر، فقال: لأيتهما المنزلة عند أمير المؤمنين؟ قالوا: لحبابة، فلما عرضتا عليه الصوت، حكم لحبابة، فقالت سلامة: والله يا بن الزانية إنك لتعلم وتتحقق أن الحق والصواب ما قلت، ولكنك سألت: أيتهما آثر عند أمير المؤمنين، فقيل لك حبابة، فاتبعت هواه ورضاه، فضحك يزيد وطرب، وقالت سلامة: أتأذن لي يا أمير المؤمنين في صلة معبد، فإن له علي حقا، قال: قد أذنت، فوصلته بما لم تصله به حبابة.

وقال الزبير بن بكار: حدثتني طيبة، أن حبابة أنشدت يوما يزيد بن عبد الملك:

لعمرك إنني لأحبّ سلعالرؤيتها ومن بجنوب سلع
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «لعمرك أنني لأحب سلعا»

ثم تنفست شديدا فقال لها: مالك؟ أنت في ذمة أبي لئن شئت لأقلعنه إليك حجرا حجرا، فقالت: وما أصنع به، ليس إياه أردت، إنما أردت ساكنه.

قال الزبير: وحدثتني ظبية، أنّ يزيد قال لحبابة وسلامة، أيّتكما غنتني ما في نفسي، فلها حكمها، فغنت سلامة [فلم تصب ما في نفسه، وغنت حبابة فأصابت ما في نفسه، فقال احتكمي، فقالت: سلامة، تهبها لي] ومالها، قال: اطلبي غير هذا، فأبت، فقال لها: قد وهبتها لك، فلقيت سلامة من ذلك أمرا عظيما، فقالت لها حبابة: اطمئني فإنك لا ترين إلا خيرا، فجاءها يزيد يوما فسألها أن تبيعه إياها بحكمها، قالت: أشهد أنها حرة، فاخطبها حتى أزوجك مولاتي.

قال المدائني: كانت حبابة إذا غنت وطرب يزيد قال: أطير؟

فتقول: إلى من تدع أمور المسلمين؟ فيقول: إليك.

قال الزبير وحدثتني ظبية أن حبابة غنت يوما فطرب يزيد ثم قال لها: هل رأيت أطرب [ص] مني؟ قالت: نعم، مولاي الذي باعني، فغاظه ذلك، فكتب في حمله مقيدا، فلما قدم أمر بإدخاله إليه، فأدخل يرسف في قيده، وأمرها بالغناء، فغنت:

تشطّ غدا دار جيرانناوللدّار بعد غد أبعد
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «تشط غدا دار جيراننا»

فوثب فألقى نفسه على الشمعة، فأحرقت لحيته، وجعل يصيح: الحريق يا أولاد الزنا! فضحك يزيد وقال: لعمري إن هذا لأطرب مني، وأمر بحل قيوده ووصله بألف دينار، ووصلته حبابة بمثلها، وزودته إلى المدينة.

قال: نزل يزيد بيت ديرانية بالشام، ومعه حبابة فقال: زعموا أنه لا يصفو لأحد عيشه إلى الليل إلا يكدّره شيء، وسأجرب ذلك، ثم قال لمن معه، إذا كان غدا فلا تخبروني بشيء، ولا تأتوني بكتاب، وخلا بحبابة، فأتيا بما يأكلان، فأكلت رمانة فشرقت بحبة فماتت، فأقام لا يدفنها ثلاثا حتى نتنت، وامتنع من الأكل والشرب وخطاب الناس، وجعل يشمها ويترشفها، فعاتبه أقرباؤه وقالوا: قد صارت جيفة بين يديك، ولم يزالوا به حتى أذن لهم في دفنها، وأمر فأخرجت في نطع، وخرج لا يتكلم حتى جلس على قبرها، قال: أصبحت والله كما قال كثير:

فإن تسل عنك النّفس أو تدع الصّبافباليأس يسلو عنك لا بالتّجلّد
وكلّ خليل زارني فهو قائلمن أجلك هذا هامة اليوم أو غد

قال: فما أقام إلا خمسة عشر يوما حتى مات، ودفن إلى جانبها.

وروى المدائني: أنه اشتاق إليها بعد ثلاثة أيام من دفنها، فأمر بنبشها فنبشت، فكشف عن وجهها وقد تغير تغيرا قبيحا فقيل له: اتق اللّه ألا ترى كيف صارت، فقال: ما رأيتها قط أحسن من هذا اليوم، أخرجوها فجاء مسلمة ووجوه قومه وأهله، فلم يزالوا به حتى أزالوه عن ذلك، ودفنوها.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.