تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

بديح مولى عبد الله بن جعفر ص ١١٥

صاحب فكاهة تحلو مذاقها، ومحاسن تعرو بها البدور محاقها، وكان لا يعاصيه احتيال ولا يلاويه اختيال، لو رقى الجندل لاستخرج ماءه، أو لاطف الدجى لجلّى ظلماءه، وأعرق في شرف الولاء، وأجزل له طرف الآلاء، ولم تنقص له عطيه، ولا قصّرت به رتبة عليّه.

قال أبو الفرج: روى الحديث عن عبد الله بن جعفر، وقيل إنّ عبد الله بن جعفر دخل على عبد الملك بن مروان، وهو يتأوّه من عرق النّسا، فقال: يا أمير المؤمنين، مالك؟ قال: قد هاج بي عرق النّسا في ليلتي هذه فبلغ مني، فقال: إن بديحا مولاي يرقي منه، فوجه إليه عبد الملك بن مروان، فلما مضى الرسول، قال عبد الله في نفسه: كذبة قبيحة عند خليفة، وأسقط في يده، فما كان بأسرع من أن طلع بديح، فقال له: كيف رقيتك من عرق النّسا؟ قال: أرقى الخلق يا أمير المؤمنين،

قال: فسرّي عن عبد الله بن جعفر، لأن بديحا كان صاحب فصاحة وفكاهة يعرف بها، فمد رجله فتفل عليها ورقاها مرارا، فقال عبد الملك: الله أكبر، وجدت والله خفّا، يا غلام، ادع فلانة حتى تكتب الرقية، فإنا لانأ من هيجانها بالليل، فلا نذعر بديحا، فلما جاءت الجارية، قال بديح: يا أمير المؤمنين، امرأته طالق إن كتبتها حتى تعجل حبائي، فأمر له بأربعة آلاف درهم، فلما صارت بين يديه قال: امرأته طالق إن كتبتها أو يصير المال في منزله، فأمر فحمل، فلما أحرزه قال: يا أمير المؤمنين امرأتي طالق إن كنت قرأت عليك وعلى رجلك إلا أبيات نصيب:

ألا إنّ ليلى العامرية أصبحتعلى النأي عني ذنب غيري تنقم
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا إن ليلى العامرية أصبحت»
وما ذاك عن ذنب أكون اجترمتهإليها لتجزيني بها حيث أعلم
ولكنّ إنسأنا إذا ملّ صاحباوحاول صرما لم يزل يتجرّم
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا إن ليلى العامرية أصبحت»

قال: ويلك ما تقول، قال: امرأته طالق إن كان قال إلا بما قال، قال: [ص] فاكتمها، قال: وكيف ذاك وقد سارت بها البرد إلى أخيك بمصر، فطفق عبد الملك ضاحكا.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.