من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
إبراهيم الموصلي
الصفحة ١ من ٢
أصلح طرائق الغناء وسددها، وشيد شيز العيدان وشددها، أغري بهذه
الصناعة حتى أتقنها، ودافع فيها الشك حتى تيقنها وولع بها والأيام قد لقحت بسعادته، وحملت بحظه ساعة ولادته، حتى انتهت الليلة إلى فجرها والحامل إلى شهرها، فما أجاءها المخاض حتى اغرق في السعادة، وما خاض [حتى] اتصل بالخلفاء، وحصل فوق الاكتفاء، وأثرى ثراء تضيق به الكنوز، وتضيع في معرفته الرموز، واقتنى الجواري اللاتي طلعن أقمارا، وسمعن وكان حديثهن أسمارا.
قال أبو الفرج، قال ابن المنجم: كان سبب قولهم الموصلي أنه لما نشأ وبلغ صحب الفتيان واشتهى الغناء فطلبه، واشتد اخواله عليه في ذلك، وبلغوا منه، فهرب إلى الموصل فأقام بها نحوا من سنة، فلما رجع إلى الكوفة، قال له إخوانه من الفتيان: مرحبا بالفتى الموصلي، فمرت عليه.
قال: وأول خليفة غناه إبراهيم وسمع غناءه المهدي، وكان لا يشرب وأراد من إبراهيم ملازمته وترك الشرب، فأبى وكان يغيب عنه أياما فشرب عند موسى وهارون [فحبسه المهدي وقال] لا تدخل على موسى وهارون البتة، فو الله لئن دخلت عليهما لأفعلن ولأصنعن، فقال: نعم، ثم بلغه أنه دخل عليهما وشرب معهما، وكانا مشهورين بالنبيذ، فدعاه فضربه ثلاث مئة سوط، وقيده وحبسه، فأقام مدة ثم أخرجه وأحلفه بالطلاق والعتاق، وكل يمين لا فسحة له فيها، ألا يدخل على موسى وهارون أبدا، ولا يغنيهما، وخلى سبيله.
قال: فلما ولي موسى الهادي الخلافة، استتر إبراهيم منه، فكان منزله يكبس في كل وقت، وأهله يروعون بطلبه، حتى أصابوه فمضوا به إليه، فلما عاينه قال: يا سيدي [فارقت] أم ولدي وأعز خلق الله علي، ثم غناه في شعره:
يا بن خير الملوك لا تتركنيغرضا للعدو يرمي حيالي
[ص] فلقد في هواك فارقت أهليثم عرضت مهجتي للزوال
ولقد عفت في هواك حياتيوتغربت بين أهلي ومالي
قال إسحاق: فموّله والله الهادي وخوله، وحسبك أنه أخذ منه في يوم واحد خمسين ألف دينار، ولو عاش لنا لبنينا حيطان دارنا بالذهب والفضة.
قال إسحاق: كان لأبي طعام معد أبدا في كل وقت، وذلك أنه كان له في كل يوم ثلاث شياه: واحدة مقطعة في القدور، وأخرى مسلوخة معلقة، وأخرى حية، فإذا أتاه قوم أطعموا ما في القدور، فإذا فرغ قطعت الشاة المعلقة ونصبت القدور وذبحت الحية فعلقت، وأتي بأخرى وهي حية في المطبخ، وكانت وظيفته [لطعامه] وطيبه في كل شهر ثلاثين ألف درهم سوى ما كان يجري وسوى كسوته، ولولا يقع عندنا من الجواري والودائع لإخوانه ثمانون جارية، ما فيهن واحدة الا ويجري عليها من الطعام والكسوة والطيب، ما يجري لأخص جواريه، فإذا ردت الواحدة إلى مولاها، أوصلها وكساها، ومات وما في ملكه أكثر من ثلاثة آلاف دينار، وعليه من الدين مئة ألف دينار.
قال إسحاق: اشترى الرشيد من أبي جارية بستة وثلاثين ألف دينار، فأقامت عنده ليلة، ثم أرسل إلى الفضل بن الربيع يقول: إنما اشترينا هذه الجارية من إبراهيم ونحن نحسب أنها من بابتنا، فليس كما ظننا، وما قربتها، وقد ثقل علي الثمن، وبينك وبينه ما بيننا، فاذهب إليه وسله أن يحطنا من ثمنها ستة آلاف دينار، وقال: فصار إليه الفضل فاستأذن فخرج أبي إليه فتلقاه فقال: دعني من هذه الكرامة التي لا مؤونة فيها، لست ممن يحب ذلك، وقد جئتك في أمر أصدقك عنه، وخبره بالخبر كله، فقال له أبي إنما أراد أن يبلو قدرك عندي، قال:
ذاك أراد، قال: فما لي عليه في المساكين صدقة، إن لم اضعفه لك، قد حططتك اثني عشر ألف دينار، فرجع إليه الفضل بالخبر فقال له: ويلك، احمل إلى هذا ماله، فما رأيت سوقة قط أنبل منه نفسا. [ص]
قال إسحاق: وكنت قد قلت له: ما كان لحطيطة هذا المال معنى، فقال لي: يا أحمق، أنا أعرف الناس به، والله لو أخذت المال منه كاملا، ما أخذته إلا وهو كاره له، ولحقد ذلك علي، وكنت أكون عنده صغير القدر، وقد مننت عليه وعلى الفضل، فانبسطت نفسه، وعظم قدري عنده وإنما اشتريت الجارية بأربعين ألف درهم، وقد اخذت بها أربعة وعشرين ألف دينار، فلما حمل المال بلا حطيطة، دعاني فقال: كيف رأيت يا إسحاق، من البصير أنا أم أنت فقلت: بل أنت جعلني الله فداك.
قال إبراهيم بن المهدي: انصرفت ليلة من الشماسية، فمررت بدار إبراهيم
الموصلي، فإذا هو في روشن، وقد صنع لحنه في:
ألا رب ندمان علي دموعهتفيض على الخدين سحا سجومها
فهو يعيده ويلعب فيه بنغمة ويكررها لتستوي له، وجواريه يضربن عليه، فوقفت تحت الروشن حتى أخذته، ثم انصرفت إلى منزلي، فما زلت أعدله حتى بلغت فيه الغاية القصوى، وأصبحت فغدوت إلى الشماسية، واجتمعنا عند الرشيد، فاندفع إبراهيم فغناه أول شيء غناه، فلما سمعه الرشيد طرب واستحسنه وشرب عليه، ثم قال: لمن هذا يا إبراهيم؟ فقال: لي يا سيدي صنعته البارحة، فقلت: كذب يا أمير المؤمنين، هذا الصوت قديم وأنا أغنيه، فقال: غنه يا حبيبي، فغنيته كما غناه إبراهيم، فبهت إبراهيم وغضب الرشيد وقال: يا ابن الفاجرة! أتكذبني وتدعي ما ليس لك؟ قال: فظل إبراهيم بأسوإ حال، فلما صليت العصر، قلت للرشيد: الصوت وحياتك له، ولكنني مررت [به] البارحة وهو يردده وجوار يضربن عليه، فوقفت تحت روشنه حتى حفظته.
قال إسحاق، قال ابن جامع يوما لأبي: رأيت في منامي كأني وإياك راكبان في محمل، فسفلت حتى كدت تلصق بالأرض، وعلا الشق الذي أنا فيه، فلأعلونك في الغناء، قال أبي: الرؤيا حق والتأويل باطل [ص] إني وإياك كنا في ميزان فرجحت بي وشالت كفتك، وعلوت ولصقت أنا بالأرض، فلأبقين بعدك ولتموتن قبلي، قال إسحاق: فكان كما قال أبي، علا عليه وأفاد من أكثر فوائده، ومات ابن جامع قبله، وعاش أبي بعده.
قال مخارق: اشتغل الرشيد يوما واصطبح مع الحرم، وقد أصبحت السماء مغيمة، فقلت والله لأذهبن إلى أستاذي إبراهيم فأعرف خبره، فجئت فدخلت عليه وهو في رواق له، وبين يديه قدور تغرغر، وقناني تزهر، والستارة منصوبة، والجواري خلفها، وبين يديه صينية فيها رطلية وكوز وكأس، فقلت:
ما بال الستارة لست أسمع من ورائها؟ فقال: اقعد ويحك، إني أصبحت على الذي ظننت، فأتاني خبر ضيعة تجاورني، قد والله طلبتها زمانا ومنيتها فلم أملكها، وقد أعطي بها مئة ألف درهم، فقلت: وما يمنعك منها؟ فو الله لقد أغناك الله أضعاف هذا المال وأكثر، قال: صدقت، ولست أطيب نفسا بأن أخرج هذا المال، قلت فمن يعطيك الساعة مئة ألف درهم، وما أطمع في ذلك من الرشيد فكيف بمن دونه، فقال: اجلس فخذ هذا الصوت، ثم نقر بقضيب معه على الدواة وألقى علي هذا الصوت:.
نام الخليّون من هم ومن سقموبت من كثرة الأحزان في الم
يا طالب الجود والمعروف مجتهدااعمد ليحيى حليف الجود والكرم
قال: فأخذته فأحكمته، وقال لي امض الساعة إلى باب يحيى بن خالد، فإنك تجد الناس عليه، وتجد الباب قد فتح ولم يجلس بعد، فاستأذن عليه قبل أن يصل إليه أحد، فإنه سينكر مجيئك ويقول لك: من أين أقبلت في هذا الوقت؟ فحدثه بقصدك إياي وما ألقيت إليك من خبر الضيعة، وأعلمه أني صنعت هذا الصوت وأعجبني، ولم أر أحدا يستحقه إلا فلانة جاريته، وأني ألقيته عليك حتى أحكمته لتطرحه عليها، فسيدعو بها، ويأمر بالستارة فتنصب، ويقول لك
اطرحه علهيا بحضرتي فافعل، وأثني بما يكون بعدها من الخبر، قال: فجئت باب يحيى فوجدته كما وصف [ص] وسألني فأعلمته ما أحضرني به وأمرني به، فأحضر الجارية، فألقيته عليها، ثم قال لي: تقيم عندنا يا أبا المهنا أو تنصرف، فقلت: أنصرف، فقال: يا غلام، احمل مع أبي المهنا عشرة آلاف درهم، واحمل إلى أبي إسحاق مئة ألف درهم ثمن هذه الصنعة، فحملت العشرة آلاف درهم معي، فأتيت منزلي، فقلت أسر يومي هذا، وأسر من عندي، ومضى الرسول بالمال، وأقمت ليلتي فلما أصبحت غدوت عليه، فوجدته على مثل ما كان عليه، فترنمت وطربت، فلم يتلق ذلك بما يجب، فقلت: ما الخبر؟ ألم يأتك المال؟ قال: بلى، قال: فما خبرك أنت فأخبرته بما وهب لي، فقال: ارفع السجف، فرفعته فإذا عشر بدر، قلت: في أي شيء بقي عليك في أمر الضيعة؟ فقال: والله ما هو إلا أن دخلت منزلي حتى شححت عليها، وصارت مثل ما حويت قديما، قلت: سبحان الله العظيم، فتصنع ما ذا؟ [قال]: قم حتى ألقنك صوتا يفوق ذلك، فقمت فجلست بين يديه، فألقى عليّ:
ويفرح بالمولود من آل برمكبغاة الندى والسيف والرمح ذو النصل
وتنبسط الآمال فيه لفضلهولا سيما إن كان من ولد الفضل
قال مخارق: فسمعت مالم أسمع مثله قط، وصغر عندي الأول، فأحكمته، وقال: امض الساعة إلى الفضل بن يحيى، فإنك تجده لم يأذن لأحد بعد، وهو
يريد الخلوة مع جواريه اليوم، فاستأذن عليه وحدثه بحديثنا الأول من أمس وما كان من أبيه إلينا وإليك، وأعلمه أني صنعت هذا الصوت، وكان عندي أرفع منزلة من الصوت الأول الذي وضعته، وإني ألقيته عليك حتى أحكمته، ووجهت بك قاصدا لتلقيه على فلانة جاريته، فصرت إلى الفضل فوجدت الأمر على ما ذكر، فاستأذنت فوصلت إليه، فسألني عن الخبر، فأعلمته بخبري وما وصل إلي وإليه من المال، فقال: أخزى الله إبراهيم ما أبخله على نفسه! ثم دعا خادما وقال له: اضرب الستارة، فضربها، فقال: ألقه، فألقيته، فلما ألقيته قال:
أحسن والله أستاذك، وأحسنت أنت يا مخارق، ولم أبرح حتى أخذته الجارية وأحكمته [ص] فسر بذلك وقال: يا غلام، احمل مع أبي المهنا عشرين ألف درهم، واحمل إلى إبراهيم مئتي ألف درهم، فانصرفت إلى منزلي بالمال فنثرت منه على الجواري، وشربت وسررت أنا ومن عندي، فلما أصبحت بكرت إلى إبراهيم فوجدته على الحال التي كان عليها، فدخلت أترنم وأصفق، فقال لي:
ادن، فقلت: ما بقي؟ فقال: اجلس وارفع سجف هذا الباب فإذا عشرون بدرة مع تلك العشر، فقلت: ما تنتظر الآن؟ فقال: والله ما هو إلا أن حصلت حتى جرى مجرى ما تقدم، فقلت: والله ما أظن أن أحدا نال في هذه الدولة ما نلته، فلم تبخل على نفسك بشيء تمنيته، دهرك، وقد ملكك الله أضعافه؟ ثم قال:
اجلس فخذ هذا الصوت، فألقى علي صوتا أنساني الأولين:
أفي كل يوم أنت صب وليلةإلى أم بكر لا تفيق فتقصر
أحب على الهجران أكناف بيتهافيالك من بيت يحب ويهجر
إلى جعفر سارت بنا كل جسرةطواها سراها نحوه والتهجر
إلى واسع للمجتدين فناؤهتروح عطاياه عليهم وتبكر
قال مخارق: فسمعت مالم أسمع قط مثله حسنا، فردده علي حتى أخذته ثم قال: امض إلى جعفر فافعل به كما فعلت بأخيه وأبيه، فمضيت ففعلت مثل ذلك، وخبرته بما كان منهما، وعرضت عليه الصوت، فسره وامر خادما فضرب الستارة، وأحضر الجارية وقعد على كرسي، ثم قال: هات يا مخارق، فاندفعت وألقيت الصوت عليها حتى أخذته الجارية، فقال: أحسنت يا مخارق، وأحسن أستاذك، يا غلام، تحمل معه ثلاثين ألف درهم، وإلى الموصلي ثلاث مئة ألف درهم، فصرت إلى منزلي بالمال فأقمت ومن عندي مسرورين نشرب بقية يومنا ونطرب، ثم بكرت إلى إبراهيم فتلقاني قائما وقال لي: أحسنت يا مخارق، فقلت: وما الخبر؟ قال: اجلس، فجلست، فقال لمن خلف الستارة، خذوا فيما أنتم فيه، ثم رفع السجف فإذا المال كاملا، قلت: فما خبر الضيعة؟ فأدخل يده تحت مسورة هي متكأه، فقال: هذا صك [ص] الضيعة، سئل عن صاحبها فوجد ببغداد فاشتراها منه يحيى بن خالد، وكتب إلي: قد علمت أنك لا تسخو نفسك بشراء الضيعة بمال يحصل لك ولو حيزت لك الدنيا كلها، وقد ابتعتها لك من مالي، ثم وجه إلي بصكها، وهذا المال كما ترى، ثم بكى وقال:
يا مخارق، إذا عاشرت فعاشر مثل هؤلاء، [هذه] ستمئة ألف درهم، وضيعة بمائة ألف درهم، وستون ألف درهم لك، حصلنا ذلك أجمع وأنا جالس في منزلي لم أبرح منه، متى يوجد مثل هؤلاء؟
قال إسحاق: حضر أبي يوما عند موسى الهادي، فقال له: يا إبراهيم، غنني جنسا من الغناء ألذه وأطيبه وأطرب عليه، ولك حكمك، قال: وكنت أراه لا يصغي إلى شيء من الأغاني إصغاءه إلى النسيب والرقيق [منه]، فغنيته:
وإني لتعروني لذكراك نفضةكما انتفض العصفور بلله القطر
فضرب بيده إلى جيب دراعته فخرقها ذراعا آخر، وقال: زدني، ويلك أحسنت والله ووجب حكمك، فغنيته:
هجرتك حتى قيل لا يعرف الهوىوزرتك حتى قيل ليس له صبر
فرفع صوته وقال: أحسنت لله أبوك، ها ما تريد، قلت: يا سيدي، عين مروان بالمدينة، فدارت عيناه في رأسه وقال: يا بن اللخناء، أردت أن تشهرني بهذا المجلس، فيقول الناس: أطربه فحكمه، فتجعلني سمرا وحديثا، يا إبراهيم الحراني، خذ بيد هذا الجاهل إذا قمت فأدخله بيت مال الخاصة، فإن أخذ كل ما فيه فخله وإياه، فدخلت فأخذت منه خمسين ألف دينار.
قال إسحاق: اشترى أبي لجعفر بن يحيى جارية مغنية بمال عظيم، فقال له جعفر: أي شيء تحسن هذه حتى بلغت هذا المال كله؟ قال: لو لم تحسن شيئا إلا أنها تحكي قولي:
لمن الديار ببرقة الروحان
لكانت تساوي وزيادة، فضحك جعفر وقال: أفرطت.
وقال إسحاق: صنع أبي تسع مئة صوت، منها دينارية [ص] ومنها درهمية، ومنها فلسية، فأما ثلاث مئة منها، فإنه تقدم الناس جميعا فيها، وأما ثلاث مئة فشاركوه وشاركهم، وأما ثلاث المئة الأخرى فلعب وطرب، [وأسقط] إسحاق بعد ذلك ثلاث المئة الأخيرة، وكان بعد ذلك إذا سئل عن صنعة [أبيه] قال ست مئة صوت.
قال إسحاق: غنّي مخارق بين يدي الرشيد صوتا فأخطأ فيه، فقال له: أعد، فأعاده وكان الخطأ خفيا، فقلت للرشيد: سيدي قد أخطأ فيه، فقال لإبراهيم بن المهدي: ما تقول فيما ذكره إسحاق، قال: ليس الأمر كما قال، ولا هاهنا خطأ، فقلت له: أترضى بأبي؟ فقال: إي والله، وكان أبي في بقية علة، فأمر الرشيد بإحضاره فجيء به في محفة، فقال لمخارق: أعد الصوت، فأعاده، فقال له: ما عندك يا إبراهيم في هذا الصوت، قال: قد أخطأ فيه، فقال: هكذا قال ابنك إسحاق، وذكر أخي إبراهيم أنه صحيح، فنظر إلي وقال: هاتوا دواة، فأتي بها، فكتب شيئا لم يقف عليه أحد، ثم قطعه ووضعه بين يدي الرشيد، وقال لي:
اكتب بذكر الوضع الفاسد من قسمة هذا الصوت، فكتبته وألقيته، فقرأه وضحك، وقام فقرأه بين يدي الرشيد، فعجب ولم يكن أحد في المجلس إلا قرّظ وأثنى ووصف، وخجل إبراهيم بن المهدي.
قال إسحاق: غنى أبي يوما بحضرة الرشيد هذا البيت:
سلي هل قلاني من عشير صحبتهوهل ذمّ رحلي في الرّفاق رفيق
فطرب واستعاده وأمر له بألف دينار، فلما كان بعد سنين خطر ببالي ذلك الصوت وذكرت قصته، فغنيته إياه، فطرب وشرب ثم قال لي: يا إسحاق كأن في نفسك ذكر حديث أبيك، وأني أعطيته ألف دينار على هذا الصوت، فطمعت في الجائزة، فضحكت وقلت: والله سيدي ما أخطأت، فقال: أخذ أبوك ثمنه مرة فلا تطمع، فعجبت من قوله، ثم قلت: يا سيدي، قد أخذ أبي منك أكثر من مئتي ألف دينار، ما رأيتك ذكرت منها غير هذا الألف على بختي أنا، فقال: ويحك، أكثر من مئتي ألف؟! فقلت: أي والله، فوجم من ذلك وقال: أستغفر الله من ذلك، ويحك [ص] فما الذي خلف منها؟ قلت:
خلّف عليّ ديونا فقضيتها، قال: ما أدري أينا أشد تضييعا، والله المستعان.
قال إسحاق، قال أبي: أتيت الفضل بن يحيى يوما، فقلت له: يا أبا العباس، جعلت فداك، هب لي دراهم، فإن الخليفة قد حبس يده، فقال: ويحك يا أبا إسحاق، ما عندي مال أرضاه لك، ثم قال: هاه! إلا أن هاهنا خصلة، أتانا رسول صاحب اليمن، فقضينا حوائجه، ووجه إلينا بخمسين ألف دينار نشتري لنا بها ما نحب، فما فعلت ضياء جاريتك، قلت: عندي جعلت فداك، قال فهو ذا، أقول لهم حتى يشتروها منك، فلا تنقصها من خمسين ألف دينار، فقبلت رأسه وانصرفت، فبكر عليّ [رسول] صاحب اليمن، ومعه صديق له، فقال: جاريتك فلانة، فقلت: عندي، فقال اعرضها علّي، فعرضتها، فقال: بكم، قلت: بخمسين ألف دينار لا أنقص منها واحدا، وقد أعطاني بها الفضل بن يحيى أمس هذه العطية، فقال لي: له أريدها، فقلت: أنت أعلم إذا اشتريتها فصيرها لمن شئت، فقال لي:
هل لك في ثلاثين ألف دينار مسلمة؟ قال: وكان شراء الجارية على أربع مئة دينار، فلما وقع في أذني [ذكر] ثلاثين ألف دينار أرتج علي ولحقني زمع، وأشار علي صديقي الذي معه بالبيع، وخفت والله أن يحدث بالجارية أو بي أو بالفضل [حدث] فسلمتها وأخذت المال، ثم بكرت إلى الفضل بن يحيى، فإذا هو جالس وحده، فلما نظر إلي ضحك، ثم قال لي: يا ضيق الحوصلة، حرمت نفسك عشرين ألف دينار! فقلت له: جعلت فداك، دع ذا عنك، فو الله لقد دخلني شيء أعجز عن وصفه، وخفت أن تحدث بي حادثة أو بالجارية أو بك أو بالمشتري، فبادرت بقبول ثلاثين ألف دينار، فقال: لا ضير، يا غلام جيء بالجارية، فقال: خذها مباركا لك فيها، فما أردنا إلا نفعك، ولم نرد الجارية، فلما نهضت قال لي: مكانك، رسول صاحب أرمينية قد جاءنا فقضينا حوائجه ونفذنا كتبه، وذكر أنه قد جاءنا بثلاثين ألف دينار يشتري لنا ما نحب، فاعرض عليه جاريتك هذه ولا تنقصها من ثلاثين ألف دينار، فانصرفت [ص] بالجارية، وبكر عليّ صاحب أرمينية ومعه صديق لي آخر، فقاولني بالجارية، فقلت: لست أنقصها من ثلاثين ألف دينار، فقال: معي عشرون ألف دينار مسلمة تأخذها بارك الله لك فيها، فدخلني والله مثل ما دخلني في المرة الأولى، وخفت مثل خوفي الأول، فسلمتها إليهم وأخذت المال، وبكرت على الفضل بن يحيى، فلما رآني ضحك وضرب برجله وقال: ويحك حرمت نفسك عشرة آلاف دينار، فقلت له: أصلحك الله، خفت والله مثل ما خفت في المرة الأولى، فقال لي: لا ضير، يا غلام: جاريته، فجيء بها، فقال: خذها ما أردناها ولا أردنا إلا نفعك، فلما ولت الجاري صحت بها ارجعي، فرجعت، فقلت: أشهدك - جعلت فداك - أنها حرة لوجه الله، وأني قد تزوجتها على عشرة آلاف درهم،
كسبت لي في يوم خمسين ألف دينار، فما جزاؤها إلا هذا، فقال: وفقت إن شاء الله.
قال: لما [صنع] أبي لحنه:
ليت هندا أنجزتنا ما تعد
خاصمته وعبته في صنعته وقلت له: بإزائك من ينتقد أنفاسك ويعيب محاسنك وأنت لا تفكر تجيء إلى صوت قد عمل [فيه] ابن سريج لحنا فتعارضه بلحن لا يقاربه، والشعر أوسع من ذلك، فدع ما قد اعتورته صناعة القدماء وخذ في غيره، فغضب، وكنت لا أزال أفاخره بصنعتي وأجب ما يعاب من صنعته، فإن قبل مني فذاك، وإن غضب داريته وترضيته، فقال لي: ما يعلم الله أني أدعك أو تفاخرني بخير صوت صنعته في طريقة هذا الصوت، فلما رأيت الجد منه اخترت لحني في:
قل لمن صدّ عاتباونأى عنك جانبا
وكان ما تجاريناه ونحن نتساير في الصحراء لنقطع فضل خمارنا، فقال:
من تحب أن يحكم بيننا، فقلت: من ترى يحكم؟ قال: أول من يطلع علينا، أغنيه لحني وتغنيه لحنك، فطمعت فيه وقلت: نعم، وأقبل شيخ نبطيّ على حمار له، فأقبل عليه أبي وقال: إني وصاحبي هذا قد تراضينا بك في شيء،
قال: وأي شيء هو؟ قال: زعم كل وأحد منا أنه أحسن غناء من صاحبه، فتسمع مني ومنه وتحكم بيننا، فقال: على اسم الله، فبدأ أبي فغنى لحنه، وتبعته [ص] فغنيت لحني، فلما فرغت أقبل عليّ فقال: قد حكمت عليك عافاك الله ومضى، فلطمني [أبي] لطمة ما مر بي مثلها، وسكت فما أعدت عليه حرفا.
قال الرشيد يوما لجعفر بن يحيى: قد طال سماعنا هذه العصابة على اختلاط الأمر فيها، فهلم أقاسمك إياها فأخايرك، فاقتسما المغنين على أن جعلا بإزاء كل رجل نظيره، فكان ابن جامع في حيز الرشيد، وإبراهيم في حيز جعفر، وحضر الندماء لمحنة المغنين، وأمر الرشيد ابن جامع بالغناء، فغنى صوتا أحسن فيه كل الإحسان، وأطرب الرشيد غاية الإطراب، فلما قطعه، قال الرشيد لإبراهيم:
هات هذا الصوت فغنه، فقال: لا والله يا أمير المؤمنين لا أعرفه وظهر الانكسار فيه، فقال الرشيد لجعفر: هذا واحد، ثم قال لابن جامع: غنّ يا إسماعيل، فغنى صوتا ثانيا أحسن من الأول، فلما استوفاه قال الرشيد لإبراهيم: هاته يا إبراهيم، فقال: لا والله لا أعرف هذا، فقال: هذان اثنان، يا إسماعيل غن يا إسماعيل، [فغنى] ثالثا يتقدم الصوتين فلما أتى على آخره، قال: هاته يا إبراهيم، فقال:
ولا والله ما أعرفه، فقال له جعفر: أخزيتنا أخزاك الله، وأتمّ ابن جامع يومه والرشيد مسرور به، وأجازه وخلع عليه، ولم يزل إبراهيم منخذلا حتى انصرف، قال: فمضى إلى منزله، فلم يستقر حتى بعث إلى محمد المعروف بالزف، وكان من المغنين المحسنين، وكان أسرع الناس أخذا للصوت، وكان الرشيد وجد عليه في أمر فألزمه بيته وتناساه، فقال إبراهيم للزف، إني اخترتك على من هو أحب إليّ منك لأمر لا يصلح له غيرك، فانظر كيف تكون، قال:
أبلغ في ذلك محبتك إن شاء الله، فأدى له الخبر وقال: أريد أن تمضي من ساعتك إلى ابن جامع فتعلمه أنك صرت إليه مهنّئا بما تهيأ له علي، وتثلبني وتشتمني، وتحتال في أن تسمع منه الأصوات وتأخذها، ولك كل ما تحبه من جهتي مع رضا الخليفة إن شاء الله، قال: فمضى من عنده فاستأذن على ابن جامع، فأذن له، فدخل وسلم عليه وقال: جئتك مهنئا بما بلغني من خبرك، والحمد لله الذي كشف الفضل عن محلك في صناعتك، قال: وهل بلغك خبرنا؟ قال: هو أشهر من أن يخفى [ص] على مثلي، قال: ويحك إنّه يقصر عن العيان، قال: أيها الأستاذ سرني بأن أسمعه من فيك حتى أرويه عنك وأسقط الأسانيد، قال: أقم عندي حتى أفعل، فدعا ابن جامع بالطعام، فأكلنا وشربنا، ثم بدأ وحدثه بالخبر، حتى انتهى إلى خبر الصوت الأول، فقال له الزف: وما هو أيها الأستاذ، فغناه ابن جامع، فجعل محمد يصفق ويشرب، وابن جامع مشتغل في شأنه، حتى أخذه منه، ثم سأله عن الصوت الثاني، فغناه إياه، وفعل مثل ما فعله في الأول، ثم كذلك في الصوت الثالث، فلما أخذ الأصوات وأحكمها، قال له: يا أستاذ، قد بلغت ما أحب، فأذن له بالانصراف، فانصرف محمد من وجهه إلى إبراهيم، فلما طلع من باب داره قال: ما وراءك؟ قال: ما تحب، ادع لي بعود، فدعا به فضرب، وغناه الأصوات، قال إبراهيم: هي وأبيك بصورتها وأعيانها، وأرددها عليّ الآن، فلم يزل يرددها حتى صحّت لإبراهيم، وانصرف محمد إلى منزله، وغدا إبراهيم إلى الرشيد، فلما دعا بالمغنين دخل فيهم، فلما بصر به قال: أو قد حضرت؟ أما كان ينبغي أن تجلس في منزلك شهرا بسبب ما لقيت من ابن جامع، قال: ولم ذلك يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك، والله لئن أذنت لي أن أقول لأقولن، قال: وما عساك أن تقول؟ قل، قال: إنه ليس لي ولا لغيري أن يراك متعصبا لحيز فيغاضبك أو يغالبك، وإلا فما في الأرض صوت إلا وأنا أعرفه، فقال له: دع ذا عنك، قد
أقررت أمس بالجهالة بما سمعت من صاحبنا، قال: فإن كنت أمسكت عنه بالأمس على معرفة كما تقول، فهاته اليوم، فليست هاهنا عصبية ولا تمييز، فاندفع يغني الأصوات كلها، وابن جامع مصغ مستمع له، حتى أتى على آخرها، فاندفع ابن جامع يحلف بالأيمان المحرجة أنه ما عرفها قط ولا سمعها ولا هي إلا من صنعته لم تخرج إلى أحد غيره، فقال له: ويحك فما أحدثت بعدي؟ قال:
ما أحدثت حدثا، قال: يا إبراهيم بحياتي اصدقني، قال: وحياتك لأصدقنك، رميته بحجره، بعثت بمحمّد الزّفّ وضمنت له ضمانات، أولها رضاك عنه، فمضى فاحتال عليه حتى أخذها عنه ونقلها إليّ، وقد سقط الآن عنّي اللوم بإقراره بأنه ليس علي أن أعرف ما صنعه هو ولم يخرجه [ص] إلى الناس، وهذا باب من الغيب، وإنما يلزمني أن يعرف هو شيئا من غناء الأوائل وأجهله أنا، وإلا فلو لزمني أن أروي صنعته، للزمه أن يروي صنعتي وللزم كل وأحد منا لسائر طبقته، ونظرائه مثل ذلك، فمن قصر عنه كان مذموما ساقطا، فقال له الرشيد: صدقت يا إبراهيم ونضحت عن نفسك وقمت بحجتك، ثم اقبل على ابن جامع فقال له: يا إسماعيل: أتيت، أبطل عليك الموصلي ما فعلته، به أمس، وانتصف منك، ثم دعا بالزّفّ ورضي عنه.
قال إسحاق: وأصوات ابن جامع هذه، الأول منها قول قيس بن ذريح:
بكيت نعم بكيت وكلّ إلفإذا بانت قرينته بكاها
وما فارقت لبنى عن تقالولكن شقوة بلغت مداها
قال: والثاني منها قول حماد الراوية:
عفت دار سلمى بمفضى الرغامرياح تعاقبها كل عام
خلاف الحلول بتلك الطلولوسحب الذيول بذاك المقام
قال: والثالث منها قول [ابن] الأحنف:
نزف البكاء دموع عينك فاستعرعينا لغيرك دمعها مدرار
من ذا يعيرك عينه تبكي بهاأرأيت عينا للبكاء تعار
قال: لما أنشد بشار قول العباس بن الأحنف:
نزف البكاء دموع عينك
البيتين، قال: لحق هذا الفتى بالمحسنين، وما زال يدخل نفسه معنا ونحن نخرجه حتى قال هذا الشعر.
قال: ولما أنشد الرشيد قول العباس بن الأحنف:
من ذا يعيرك عينه تبكي بها
قال: يعير عينيه من لا حاطه الله ولا كلأه.
قال [الرشيد] لإبراهيم بن المهدي، وإبراهيم الموصلي، وابن جامع، وابن أبي الكنّات: باكروني غدا، وليكن كل واحد منكم قد قال [ص] شعرا، إن كان يقدر أن يقوله، ويغني فيه لحنا، وإن لم يكن شاعرا، غنى في شعر غيره.
قال إبراهيم بن المهدي: قمت في السحر واجتهدت على شيء أصنعه فلم يتفق لي، فلما خفت طلوع الفجر، دعوت غلماني وقلت لهم: أريد المضي إلى موضع
لا يشعر بي أحد حتى أصير إليه، وكانوا في زنيديات لي يبيتون على باب داري، فقمت فركبت في إحداها، وقصدت دار إبراهيم الموصلي، وكان قد حدثني أنه إذا أراد الصنعة لم ينم حتى يدبر ما يحتاج إليه، فإذا قام إلى حاجته في السحر، اعتمد على خشبة له في المستراح، فلا يزال يقرع عليها حتى يفرغ من الصوت ويرسخ في قلبه، فجئت حتى وقعت تحت مستراحه، فإذا هو يردد هذا الصوت:
إذا سكبت في الكأس قبل مزاجهاترى لونها في جلدة الكأس مذهبا
وإن مزجت راعت بلون تخالهإذا ضمنته الكأس بالكأس كوكبا
أبوها نجاء المزن والكرم أمهاولم أر زوجا منه أشهى وأطيبا
فجاءتك صفرا أشبهت غير جنسهاوما أشبهت في اللون أما ولا أبا
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع