تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

إبراهيم الموصلي

الصفحة ٢ من ٢

[قال] فما زلت واقفا أسمع الصوت حتى أخذته، ثم غدونا إلى الرشيد فلما جلسنا إلى الشرب جاء الخادم إلى فقال: يقول لك أمير المؤمنين، يا بن أم، غنني، فاندفعت فغنيته هذا الصوت، والموصلي في الموت، حتى فرغت منه، وشرب عليه وأمر لي بثلاث مئة ألف درهم، فوثب الموصلي وحلف بالطلاق وبحياة الرشيد أن الشعر له، قاله البارحة وغنى فيه، ما سبقه إليه أحد، فقال إبراهيم: يا سيدي، فمن أين هو لي لولا كذبه وبهته، وإبراهيم يضرب ويضج، فلما قضيت أربا من العبث به، قلت للرشيد: الحق أحق ما استعمل، وصدقته، فقال الرشيد: أما أخي فقد أخذ المال ولا سبيل إلى رده، وقد أمرت لك بمائة ألف

درهم، عوضا عما جرى عليك، ولو ابتدأت بالصوت لكان حظك، فأمر بها فحملت إليه.

وذكر أن الرشيد هب من نومه في ليلة من الليالي، فدعا بحمار كان يركبه في القصر أسود قريب من الأرض، فركبه وخرج في درّاعة وشي، متلثما بعمامة وشي، ملتحفا بإزار وشي، وبين يديه أربع مئة خادم أبيض سوى الفراشين [ص] وكان مسرور الفرغاني جريئا عليه لمكانته عنده، فلما خرج قال: إلى أين تريد يا أمير المؤمنين في هذه الساعة؟ قال: أردت بيت الموصلي، قال مسرور: فمضى ونحن معه وبين يديه، حتى أتى إلى منزل إبراهيم، فخرج وتلقاه، وقبل حافر حماره، وقال له: يا أمير المؤمنين، أفي هذه الساعة تظهر، قال: نعم، شوقك بي، ثم نزل فجلس في طرف الإيوان وأجلس إبراهيم، فقال:

يا سيدي، أتنشط لشيء تأكله؟ فقال: نعم، خاميز ظبي، فأتي به كأنه كان معدا له، فأصاب منه شيئا يسيرا، ثم دعا بشراب حمل معه، فقال الموصلي: يا سيدي، أغنيك أم تغنيك إماؤك؟ قال: بل الجواري.

فخرج جواري إبراهيم، فأخذن صدر الإيوان وجانبيه، فقال: أيضربن كلهن أم واحدة واحدة؟ فقال: تضرب اثنتان اثنتان، وتغني واحدة واحدة ففعلن ذلك حتى مرّ صدر الإيوان وأحد جانبيه، والرشيد يسمع ولا ينشط لشيء من غنائهن، إلى أن غنت صبية من حاشية الصفة:

يا موري الزند قد أعيت قوادحهاقبس إذا شئت من قلبي بمقباس
للشاعر أبو نواس، من قصيدة «قالوا نزعت ولما يعلموا وطري»
ما أقبح الناس في عيني وأسمجهمإذا نظرت فلم أبصرك في الناس

قال: فطرب لغنائها، واستعاد الصوت مرارا، وشرب أرطالا، ثم سأل الجارية عن صانعه، فأمسكت، فاستدناها فتقاعست، فأمر بها فأقيمت، حتى أقيمت بين يديه، فأخبرته بشيء أسرته إليه، ودعا بحماره فركبه وانصرف، ثم التفت إلى إبراهيم فقال: ما ضرك يا إبراهيم ألا تكون خليفة، فكادت نفسه تخرج، حتى دعا به بعد ذلك وأدناه، وكان الذي أخبرته به الجارية أن الصنعة في الصوت لأخته علية وكانت لها، وجهت بها [إلى] إبراهيم تطارحه.

قال لي إبراهيم، قال لي الرشيد يوما: يا إبراهيم، بكّر غدا حتى نصطبح، فقلت:

أنا والصبح كفرسي رهان، فبكرت فإذا به خال وبين يديه جارية كأنها خوط بان او جدل عنان، حلوة المنظر، دمثة الشمائل في يدها العود، فقال لها:

غني، فغنت في شعر أبي نواس، وهو هذا:

توهمه قلبي فأصبح خدهوفيه مكان الوهم من ناظري أثر
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «توهمه قلبي فأصبح خده»
ومر بفكري خاطرا فجرحتهولم أر جسما قط يجرحه الفكر
للشاعر أبو نواس، من قصيدة «توهمه قلبي فأصنح خده»
[ص] وصافحه قلبي فآلم كفهفمن غمز قلبي في أنامله عقر

قال إبراهيم: فذهبت والله بعقلي، حتى كدت أفتضح، فقلت: من هذه يا أمير المؤمنين؟ قال: التي يقول فيها الشاعر:

لها قلبي الغداة وقلبها ليفنحن كذاك في جسدين روح
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «أهاجك صوت قمري ينوح»

قال: ثم شرب أرطالا وسقاها، وقال: غن يا إبراهيم، فغنيت حسب ما في قلبي

غير متحفظ:

تشرّب قلبي حبها ومشى بهاتمشي حميا الكأس في كف شارب
ودب هواها في عظامي فشفهاكما دب في الملسوع سم العقارب
للشاعر عامر الفزاري، اقرأ القصيدة

قال: ففطن بتعريضي، وكانت جهالة مني، وأمرني بالانصراف، ولم يدع بي شهرا ولا حضرت مجلسه، فلما كان بعد شهر دس إلي خادما معه رقعة فيها مكتوب:

قد تخوفت أن أموت من الوجد ولم يدر من هويت بمابي
للشاعر هارون الرشيد، اقرأ القصيدة
يا كتابي فاقر السلام على منلا أسمي وقل له يا كتابي
للشاعر هارون الرشيد، اقرأ القصيدة
إن كفا إليك قد كتبتنيصبت فؤاده في عذابي

فأتاني الخادم بالرقعة، فقلت: ما هذا؟ قال: رقعة فلانة التي غنتك بين يدي أمير المؤمنين، فأحسست بالقصة، فشتمت الخادم، ووثبت إليه، وضربته ضربا شفيت به غيظي، وركبت إلى الرشيد من فوري، فأخبرته بالقصة، وأعطيته الرقعة، فضحك حتى كاد يستلقي، ثم قال: على عمد فعلت ذلك، أردت لأمتحن مذهبك وطريقتك، ثم دعا بالخادم، فلما رآني قال: قطع الله يديك ورجليك، ويلك قتلتني، فقلت: القتل كان بعض حقك لما وردت به عليّ، ولكنّي رحمتك فأبقيت عليك، وأخبرت أمير المؤمنين ليأتي عقوبتك بما تستحقه، فأمر لي الرشيد بصلة سنية، والله أعلم ما فعلت الذي فعلته عفافا، ولكني خفت.

قال إسحاق: سمعت الرشيد وقد سأل أبي: كيف يصنع إذا أراد أن يصوغ الألحان، قال: يا أمير المؤمنين، أخرج [ص] الهم من فكري وأمثل الطرب بين عيني، فتسرع لي مسالك الألحان التي أريد فأسلكها بدليل الإيقاع، فأرجع مصيبا ظافرا بما أريد، فقال: يحق لك يا إبراهيم أن تصيب وتظفر، وإن حسن وصفك مشاكل لحسن صنعتك وغنائك.

قال ثمامة بن أشرس: مررت بإبراهيم الموصلي ويزيد حوراء وهما مصطبحان، وقد أخذا بينهما صوتا يغنيانه، هذا بيتا وهذا بيتا:

أيا جبلي نعمان بالله خلياسبيل الصبا يخلص إلي نسيمها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أيا جبلي نعمان بالله خليا»
فإن الصبا ريح إذا ما تنسماعلى نفس مكروب تجلت همومها

قال ثمامة: فو الله ما خلت أن شيئا بقي من لذات الدنيا بعد ما كانا فيه قال إبراهيم الموصلي، قال لي جعفر بن يحيى يوما: صر اليّ حتى أهب لك شيئا حسنا، فصرت إليه فقال لي [أيما] أحب إليك، أهب لك الشيء الحسن الذي وعدتك به، أو أرشدك إلى شيء تكسب به ألف ألف درهم، فقلت بل يرشدني الوزير أعزه الله إلى هذا الوجه، فإنه يقوم مقام إعطائه إياي هذا المال، فقال: إن أمير المؤمنين يحفظ شعر ذي الرمة حفظ الصبا، ويعجبه ويؤثره، فإذا سمع فيه غناء أطربه أكثر مما يطربه غيره مما لا يحفظ شعره، فإذا غنيته، وأطربته وأمر لك بجائزة، فقم على رجلك وقبل الأرض وقل له: لي حاجة غير هذه الجائزة، أريد أن أسألها أمير المؤمنين، وهي حاجة تقوم عندي مقام كل فائدة ولا تضره ولا

ترزؤه، فإنه سيقول لك: أي شيء حاجتك؟ فقل: قطيعة تقطعنيها سهلة عليه، ولا قيمة لها ولا منفعة لأحد فيها، فإذا أجابك إلى ذلك، فقل له: تقطعني شعر ذي الرمة، أغني فيه ما أختاره، وتحظر على المغنين جميعا أن لا يداخلوني فيه، فإني أحب شعره وأستحسنه فلا أحب أن ينغصه عليّ أحد منهم، وتوثق منه في ذلك، فقبلت هذا القول منه، وما انصرفت [بعد ذلك] إلا بجائزة من عنده، وتوخيت وقتا للكلام حتى وجدته، فقمت وسألت كما قال لي، فرأيت السرور في وجهه، وقال: [ص] ما سألت شططا، قد أعطيتك ما سألت، فجعلوا يتضاحكون من قولي، ويقولون: لقد استضخمت القطيعة وهو ساكت، فقلت:

يا أمير المؤمنين أتأذن لي في التوثق؟ قال: توثق كيف شئت، فقلت: بالله وبحق رسوله وبتربة أمير المؤمنين المهدي، إلا جعلتني في ثقة من ذلك، بأن تحلف لي بأن لا تعطي أحدا من المغنين جائزة على شيء يغنيه في شعر ذي الرمة، فإن ذلك وثيقتي، فحلف مجتهدا له لئن غنّاه أحد منهم في شعر ذي الرمة لا أثابه ولا أبره ولا سمع غناءه، فشكرت فعله وقبلت الأرض بين يديه، فانصرفنا فصنعت مئة صوت وزيادة عليها في شعر ذي الرمة، وكان إذا سمع منها شيئا طرب، وزاد في الطرب، ووصلني وأجزل، ولم ينتفع به أحد منهم غيري، فأخذت والله منه ألف ألف درهم، وألف ألف درهم.

قال: اجتمع إبراهيم الموصلي وزلزل وبرصوما بين يدي الرشيد، فضرب زلزل وزمر برصوما وغنى إبراهيم:

صحا قلبي وراع [إليّ] عقليوأقصر باطلي ونسيت جهلي
للشاعر أبو العتاهية، من قصيدة «صحا قلبي وراع إلي عقلي»
رأيت الغانيات وكنّ صوراإليّ صرمنني وقطعن حبلي
للشاعر أبو العتاهية، من قصيدة «صحا قلبي وراع إلي عقلي»

فطرب هارون حتى وثب على رجليه وصاح: يا آدم، لو رأيت من يحضرني من ولدك اليوم لسرك! ثم جلس وقال: أستغفر الله.

قال: علي بن عبد الكريم: زار ابن جامع إبراهيم الموصلي، فأخرج إليه ثلاثين جارية، فضربن جميعا طريقة واحدة، ثم غنّين فقال ابن جامع: في الأوتار وتر غير مستو، فقال إبراهيم: يا فلانة، شدي مثناك، فشدته [فاستوى]، فعجبت أولا من فطنته وابن جامع للوتر بعينه.

قال إبراهيم الموصلي: قال لي الرشيد يوما يا إبراهيم إني جعلت غدا للحرم، وجعلت ليلته للشرب مع الرجال، وأنا مقتصر من المغنين عليك، فلا تشغل غدا بشيء، ولا تشرب نبيذا، وكن بحضرتي وقت العشاء الآخرة، فقلت: السمع والطاعة لأمير المؤمنين، فقال: [ص] وحق أبي لئن تأخرت أو اعتللت بشيء لأضربن عنقك، أفهمت؟ قلت: نعم، وخرجت، فما جاءني أحد من إخواني إلا احتجبت عنه، ولا قرأت رقعة لأحد حتى صليت المغرب وركبت قاصدا إليه، فلما قربت من داره مررت بفناء قصر، وإذا زنبيل كبير مستوثق منه بحبال وأربع عرى أدم، وقد دلي من القصر، وجارية تنتظر إنسانا قد وعد ليجلس فيه، فنازعتني نفسي، إلى الجلوس فيه، ثم قلت: هذا خطأ، ولعله يجري سبب يعوقني عن الخليفة فيكون الهلاك، ولم أزل أنازع نفسي وتنازعني، حتى غلبتني، فنزلت وجلست فيه، ومدّ الزنبيل حتى صار في أعلى القصر، ثم خرجت فنزلت، فإذا جوار كأنهن المها جلوس، فضحكن وطربن، وقلن: قد جاء والله [من أردنا]، فلما رأينني من قريب تبادرن عني وقلن: يا عدو الله ما

أدخلك إلينا؟ فقلت: يا عدوات أنفسهن من الذي أردتن إدخاله، ولم صار أولى بها مني؟ فلم يزل ذلك دأبنا، هن يضحكن وأضحك معهن، ثم قالت إحداهن:

أما من أردنا فقد فات، وما هذا إلا ظريف، فهلمن نعاشره عشرة جميلة، فأخرج إليّ طعام ودعيت إلى أكله، فلم يكن فيّ فضل إلا أنني كرهت أن أنسب إلى سوء العشرة، فأصبت منه إصابة معذور، ثم جيء بالنبيذ فجلسنا نشرب، فأخرجن إليّ ثلاث جوار لهن فغنين غناء مليحا، وغنت إحداهن صوتا لمعبد، فقالت إحدى الثلاث من وراء الستر: أحسن إبراهيم هذا له، فقلت: كذبت ليس هذا له، فقالت: يا فاسق، ما يدريك الغناء ما هو؟ ثم غنت الأخرى صوتا للغريض، فقالت: اللّهمّ أحسن إبراهيم هذا له أيضا، فقلت: كذبت يا خبيثة، هذا للغريض، فقالت: اللّهمّ أخزه، ويلك ما يدريك؟ ثم غنت الأخرى صوتا لي فقالت تلك: أحسن ابن سريج هذا له، قلت: كذبت هذا لإبراهيم، وأنت تنسبين غناء الناس إليه، وغناءه إليهم، قالت: ويلك وما يدريك؟ فقلت: أنا إبراهيم، فتباشرن بذلك جميعا وظهرن كلهن لي وقلن: كتمتنا نفسك وقد سررنا، فقلت: أنا الآن أستودعكنّ الله، فقلن: ما السبب؟ فأخبرتهن بقصتي مع الرشيد، فضحكن وقلن: الآن طاب حبسك علينا، وعلينا إن أخرجت أسبوعا، فقلت: هو والله القتل، فقلن: إلى لعنة الله، فأقمت عندهن أسبوعا لا أزول، فلما كان بعد أسبوع، ودعنني وقلن: إن سلمك [ص] الله، فأنت بعد ثلاثة أيام عندنا، فأجلسنني في الزنبيل وسرحت، فمضيت لوجهي حتى أتيت دار الرشيد، فإذا النداء قد أشيع ببغداد في طلبي، وأن من أحضرني فقد سوغ ملكي وأقطع مالي، فاستأذنت فبادر الخادم حتى أدخلني إلى الرشيد، فلما رآني شتمني وقال: السيف والنطع، إيه يا إبراهيم، تهاونت بأمري وتشاغلت

بالعوام عما أمرتك به، وجلست مع أشباهك من السفهاء حتى أفسدت علي لذتي، فقلت: يا أمير المؤمنين، أنا بين يديك، وما أمرت غير فائت، ولي حديث عجيب ما سمع بمثله قط، وهو الذي قطعني عنك ضرورة لا اختيارا، فاسمعه فإن كان عذرا فاقبله، وإلا فأنت أعلم، قال: هاته فليس ينجيك، فحدثته فوجم ساعة ثم قال: إن هذا لعجب، فتحضرني معك هذا الموضع؟ قلت: نعم، وأجلسك معهن إن شئت قبلي حتى تحضر عندهن، وإن شئت على موعد، فقال: بل على موعد، قلت: أفعل، قال: انظر، قلت: ذاك حاصل لك مني متى شئت، فعدل عن رأيه في، وأجلسني وشرب وطرب، فلما أصبحنا أمرني بالانصراف، وأن أجيئه من عندهن، فمضيت إليهن في وقت الموعد، فلما وافيت الموضع، إذا الزنبيل معلق، فجلست فيه، ومده الجواري وصعدت، فلما رأينني تباشرن بي، وحمدن الله على سلامتي، وأقمت ليلتي، فلما أردت الانصراف قلت لهن: إن لي أخا هو عديل نفسي عندي، وقد أحب معاشرتكن ووعدته بذلك، فقلن: إن كنت ترضاه فمرحبا، فواعدتهن ليلة غد وانصرفت، وأتيت الرشيد فأخبرته، فلما كان الوقت خرج معي متخفيا حتى أتينا الموضع، فصعدت وصعد بعدي، ونزلنا جميعا، وقد كان الله وفقني بأن قلت لهن:

إذا جاء صديقي فاستترن عني وعنه، ولا يسمع لكن نطقة وليكن ما تخترنه من الغناء أو تقلنه من قول مراسلة، فلم يتعدين ذلك، وأقمن على أتم ستر وخفر، وشربنا شربا كثيرا، وقد كان أمرني أن لا أخاطبه بإمرة أمير المؤمنين، فلما أخذ مني النبيذ، قلت سهوا يا أمير المؤمنين، فتبادرن من وراء الستار حتى غابت عنا حركاتهن، فقال لي: يا إبراهيم قد أفلت من أمر عظيم، والله لو برزت لك واحدة منهن لضربت رقبتك، قم بنا، فانصرفنا، فإذا هنّ له، وقد [ص]

وقد كان غضب عليهن فحبسهن في ذلك القصر، ثم وجّه من غد بخدم فردهن إلى قصره، ووهب لي مئة ألف درهم، وكانت الهدايا والألطاف بعد ذلك تأتيني منهن.

قال مخارق: كنا عند الرشيد في بعض أيامنا، فغناه ابن جامع، ونحن يومئذ بالرقة:

هاج شوقا فراقك الأحبابافتناسيت أو نسيت الربابا
حين صاح الغراب بالبين منهمفتصاممت أن سمعت الغرابا
لو علمنا أن الفراق وشيكما انتهينا حتى نزور القبابا
أو علمنا حين استقلت نواهمما أقمنا حتى نزم الركابا

قال: فاستحسنه الرشيد وطرب عليه وأعجبه واستعاده مرارا، وشرب عليه أرطالا حتى سكر، وما سمع شيئا غيره ولا أعجبه، ولا أقبل على أحد، وأمر لابن جامع بخمسة آلاف دينار، فلما انصرفنا قال لي إبراهيم: لا ترم منزلك حتى أصير إليك، فصرت إلى منزلي، فلم أغير ثيابي حتى أعلمني غلامي بموافاته، فلقيته في دهليزي، فدخل فجلس وأجلسني بين يديه، ثم قال لي: يا مخارق، أنت نسيلة مني إحساني إليك، وقبحي عليك، ومتى تركنا ابن جامع على ما ترى غلبنا على الرشيد، وقد صنعت صوتا في طريقة صوته الذي غنّاه، أحسن صنعة منه وأشجى، وإنما يغلبني عند هذا الرجل بصوته، ولا مطعن على صوتك،

وإذا أطربته وغلبت عليه بما يأخذه مني، قام ذلك مقام الظفر، وسيصبح أمير المؤمنين، ويدخل الحمام غدا، ويحضر فيدعو بالطعام ويدعو بنا، ويأمر ابن جامع فيرد الصوت الذي غناه، ويشرب عليه رطلا، ويأمر له بجائزة، فإذا غناه فلا تنتظره أكثر من أن يرد ردته حتى تغني ما أعلّمك السّاعة، فإنه يقبل عليك ويصلك، ولست أبالي أن لا يصلني بعد أن يكون إقباله عليك، فقلت: السمع والطاعة، فألقى عليّ لحنه في أبيات لابن هرمة، وهي:

يا دار سعدي بالجزع من مللحييت من دمنة ومن طلل
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «يا دار سعدى بالجزع من ملل»
إني إذا ما البخيل أمّنهاباتت ضموزا مني على وجل
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «يا دار سعدى بالجزع من ملل»
[ص] لا أمتع العوذ بالفصال ولاأبتاع إلا قريبة الأجل

وردده حتى أخذته وانصرف، ثم بكر عليّ فاستعاد [الصوت] مني حتى رضيه، ثم ركبنا وأنا أدرسه حتى صار إلى الرشيد، فلما دخلنا فعل الرشيد جميع ما وصفه إبراهيم شيئا فشيئا، وكان إبراهيم أعلم الناس به، ثم أمر ابن جامع فرد الصوت ودعا برطل فشربه، فلما استوفاه، واستوفى ابن جامع صوته، لم أدعه يتنفس حتى اندفعت فغنيت صوت إبراهيم، فلم يزل يصغي إليه، وهو باهت، حتى استوفيته، فشرب وقال: لمن هذا الصوت؟ قلت: لإبراهيم، فلم يزل يستدنيني حتى صرت قدام سريره، وجعل يستعيد الصوت وأعيده حتى شرب عليه أرطالا، وأمر لإبراهيم بجائزة سنية، وأمر لي بمثلها، وجعل ابن جامع

[يشغب ويقول] يجيء بالغناء فيدسّه في أستاه الصبيان، إن كان محسنا فليغنه هو، والرشيد يقول له: دع ذا عنك، قد والله استقاد منك وزاد.

قال يحيى بن عروة بن أذينة: خرجت في حاجة لي، فلما كنت بالسيالة، وقفت على منزل إبراهيم بن هرمة فصحت: يا أبا إسحاق، فأجابتني ابنته: من هذا؟ فقلت: أعلمي أبا إسحاق، قالت: خرج آنفا قال، فقلت: هل من قرى، فإني مقو من الزاد، قالت: لا والله ما صادفته حاضرا، فقلت: فأين قول أبيك:

لا أمتع العوذ بالفصال ولاأبتاع إلا قريبة الأجل
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «يا دار سعدى بالجزع من ملل»

قالت: فذاك والله أفناها

قال إسحاق: لما دخلت سنة ثمان وثمانين ومئة، اشتد أمر القولنج على أبي ولزمه، وكان يعتاده في الأحيان، فقعد عن الخدمة للخليفة، وعن نوبته في ذلك، وقال في ذلك:

ملّ واللّه طبيبيعن مقاساة الذي بي
سوف أنعى عن قريبلعدوّ وحبيب [ص]

قال: وركب الرشيد حمارا ودخل يعوده، فوجده وهو جالس على الأبزن، فقال له: كيف أنت يا إبراهيم، فقال له: إنا والله يا سيدي كما قال الشاعر:

سقيم ملّ منه أقربوهوأسلمه المداوي والحميم

فقال الرشيد: إنا لله، وخرج، فما بعد حتى سمع الواعية عليه قال عمر بن شبة: مات إبراهيم الموصلي في سنة ثمان وثمانين ومئة، ومات في ذلك اليوم الكسائي و [العباس بن] الأحنف، فرفع ذلك إلى الرشيد، فأمر المأمون أن يصلي عليهم، فخرج فصفّوا بين يديه، فقال: من هذا الأول؟ قيل: إبراهيم الموصلي، قال: أخروه وقدموا العباس بن الأحنف فقدم فصلّى عليهم وانصرف، ودنا منه هاشم بن عبد الله الخزاعي فقال:

يا سيدي، كيف آثرت العباس بالتقدمة على من حضر، قال لقوله:

وسعى بها واش فقالوا إنهالهي التي تشقى بها وتكابد

ثم قال: أتحفظها؟ قلت: نعم، قال: أنشدني باقيها، فأنشدته

لما رأيت الليل سدّ طريقهعني وعذّبني الظلام الرّاكد
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «قالت مرضت فعدتها فتبرمت»
والنجم في كبد السّماء كأنهأعمى تحير ما لديه قائد
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «قالت مرضت فعدتها فتبرمت»
ناديت من طرد الرقاد بصدهعما أعالج وهو خلو هاجد
يا ذا الذي صدع الفؤاد بصدهأنت البلاء طريفه والتالد
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «قالت مرضت فعدتها فتبرمت»
ألقيت بين جفون عيني فرقةفإلى متى أنا ساهر يا راقد
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «قالت مرضت فعدتها فتبرمت»

فقال المأمون: أليس من قال هذا الشعر حقيقا بالتقدمة؟ فقلت: بلى يا سيدي.

قال إسحاق: دخلت يوما إلى الرشيد بعقب وفاة والدي، وذلك بعد فوات شهرين، فلما جلست، رأيت موضعه الذي يجلس فيه خاليا، فدمعت عيني فكفكفتها وتصبرت، فلمحني الرشيد، فدعاني إليه وأدناني منه، وقبلت يده ورجله، والأرض بين يديه، فاستعبر وكان رقيقا، فوثبت قائما، ثم قلت: [ص]

في بقاء الخليفة الميمونخلف من مصيبة المحزون
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة
لا يضير المصاب رزء إذا ماكان ذا مفزع إلى هارون
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة

قال لي: كذلك والله هو، ولن تفقد من أبيك ما دمت حيا إلا شخصه، وأمر بإضافة رزقه إلى رزقي، فقلت: بل يأمر به أمير المؤمنين إلى ولده، ففي خدمتي له ما يغنيني أنا، فقال: اجعلوا رزق إبراهيم لولده، وأضعفوا رزق إسحاق.

وأما الصوت الذي ذكرت أخبار إبراهيم بسببه والشعر فيه والغناء له، وهو من المئة صوت المختارة، فهو:

ربما نبّهني الإخوان والليل بهيم
حين غارت وتدلتفي مهاويها النجوم
ونعاس الليل في عيني كالثاوي مقيم
للتي تعصر لماأينعت منها الكروم
أنا بالرّيّ مقيمفي قرى الرّيّ أهيم
ما أراني عن قرى الرّيّ مدى دهري أريم

ومما رثي به إبراهيم الموصلي قول ابنه:

أيا قبر إبراهيم حييت حفرةولا زلت تسقى الغيث من سبل القطر
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة
لقد عزني وجدي عليك فلم يدعلقلبي نصيبا من عزاء ولا صبر
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة
وقد كنت أبكي من فراقك ليلةفكيف إذا صار الفراق إلى الحشر
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة

وقال أيضا:

سلام على القبر الذي لا يجيبناونحن نحيي تربه ونخاطبه
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة
ستبكيه أشراف الملوك إذا رأوامحل التصابي قد خلا منه جانبه
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة
ويبكيه أهل الظرف طرا كما بكىعليه أمير المؤمنين وحاجبه
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة
ولما بدا لي اليأس منه وأبرقتعيون بواكيه وقلّت نوادبه
وصار شفاء النفس من بعد ما بهاإفاضة دمع تستهل سواكبه
جعلت على عيني للصبح عبرةولليل أخرى ما بدت لي كواكبه

[ص]

وقال أيضا:

عليك سلام الله من قبر فاجعوجادك من نوء السماكين وابل
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة
هل أنت محيي القبر أم أنت سائلوكيف تحيا تربة وجنادل
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة
أظل كأني لم تصبني مصيبةوفي الصدر من وجد عليك بلابل
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة
وهوّن عندي فقده أن شخصهعلى كل حال بين عينيّ ماثل
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.