تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

أبو زكار

رجل أوفى بعهده، ووفى بعقده، صحب بني برمك، وهم الغيوث السوافح، والبحار الطوافح، فغمروه بالنعماء، ورعوه أكثر مما رعت ابن ثابت، صنائع آل جفنة الكرماء، فلم ينس لهم حسن الصنيع، ويمن الأيام التي مالا انحاز عن مثلها الصديع، وكان في أهل الغناء مقدما بصيرا مع ما هو عليه من العمى.

قال أبو الفرج: أخبرت عن أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن مالك الخزاعي، أنه قال: سمعت مسرورا الكبير يحدث أبي قال: أمرني الرشيد بقتل جعفر بن يحيى، دخلت إليه وعنده أبو زكار الأعمى الطنبوري يغنيه:

فلا تبعد فكلّ فتى سيأتيعليه الموت يطرق أو يغادي
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «فلا تبعد فكل فتى سيأتي»

فقلت له: في هذا والله أتيتك، وأمرت بضرب عنقك، فضربت عنقه، فقال لي أبو زكار: نشدتك الله إلا ألحقتني به، فقلت له: وما رغبتك في ذلك؟ فقال: إنه أغناني عمن سواه بإحسانه، فما أحب أن أبقى بعده، فقلت: أستأمر أمير المؤمنين في ذلك، فلما أتيت الرشيد برأس جعفر، أخبرته بقصة أبي زكار، فقال: هذا رجل فيه مصطنع فاضممه إليك، وانظر ما كان جعفر يجريه عليه فأتممه له.

قال: غنى علّويه يوما بحضرة إسحاق:

عمّيت أمري على أهلي فنمّ بهدمع إذا ذكرت مكنونة سفحا

قال إسحاق: هذا صوت معروف في العمى، الشعر لبشار الأعمى، والغناء لأبي زكّار الأعمى، وأوله: عميت.

وهذا آخر ما يقع عليه الاختيار [ص] من جامع أبي الفرج الأصفهاني، اقتصر فيه على من ذكره من مشاهير المغاني، وقد بقيت مدة لا أجد ما أذيل عليه، ولا ما أصله به إلى زماننا هذا على ما جرينا عليه في جميع هذا الكتاب، لقلة اعتناء المتأخرين، ولا سيما بهذا الفن الذي فني ولم يبق من يعانيه أو يسمعه، لرغبة ملوك زماننا فيما سوى هذا، أو شواغل أبناء الزمان بالهموم

الصادة عن السرور ثم ظفرت لابن ناقيا بتأليف جاء في تضاعيفه عرضا ذكر جماعة على ذيل زمان أبي الفرج، ثم اقتطعت من كتب التواريخ والأخبار المقيدة عن أواخر الخلفاء من بني العباس، وبقايا الخلفاء بالأندلس من بني أمية وأعقاب الملوك، والجلّة من كل أفق، ما جمعت مفرقه وألفت ممزقه، ثم أتبعته بما التقفته من ذماء بقية من أهل الاعتناء ممن تأخر بهم الأجل إلى هذا العصر، وبذلت الجهد فيه حسب الطاقة، ونقبت فيه حتى لم أجد، وأبديت فيه حتى لم أعد، فأما نسبة الأصوات فقد أتيت بما قدرت عليه في ذلك دون ما صدني عنه العجز، وعن حال بيني وبينه يقضي أوقات السرور بأهله، على أنني لم أخلّ محسنا، ولا أهملت حسنا، وكثيرا ما انبتّت عليه طاقة مثلي، وزماني وإخماد حدثان الدهر لجمرتي، وتكديره لصفوة مسرتي، وبالله أستعين.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.