من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
إبراهيم بن المهدي ص ١٩٨
رجل وضع في شرفه، وخضع من شرفه، رضع حب الغناء منذ فطم، وأعطى قياده لغير أهل الغناء وما حطم، وانحط إلى الحضيض وحطه كذي الجناح المهيض، حتى إنه بعد أن أصفقت له الأيدي المبايعة، وصفت له القلوب للمشايعة وعقدت البيعة في الرقاب، وعينت له الألقاب، وصعد المنبر وتبوأ أعلاه، وولج المحراب، وأقام الصلاة جذب عن ذلك المقام، وكذب عليه ليقام، وعير بالغناء مهنته وانشغاله أهنته، حتى استحر وخلع، وعضد اصل سؤدده وقلع، ثم كان هذا عليه عارا يلبسه، وشنارا كما نهض به حسبه يجلسه.
قال أبو الفرج، كان إبراهيم يقول: لولا أني أرفع نفسي عن هذه الصناعة لأظهرت فيها ما يعلم معه أنهم لم يروا قبلي مثلي.
قال إبراهيم: دخلت يوما على الرشيد، وفي رأسي فضلة من خمار، وبين يديه ابن جامع وإبراهيم الموصلي، فقال: بحياتي يا إبراهيم غنني، فأخذت
العود، ولم ألتفت إليهما فغنيت:
أسرى لخالدة الخيال ولا أرىشيئا ألذ من الخيال الطائف
قال: فسمعت إبراهيم يقول لابن جامع: لو طلب هذا بهذا [الغناء] ما نطلب لما أكلنا خبزا أبدا، فقال له ابن جامع: صدقت، فلما فرغت من غنائي، وضعت العود وقلت: خذا في حقكما ودعا باطلنا.
قال هبة الله بن إبراهيم بن المهدي: اتخذ أبي حراقة، فأمر بشدها في الجانب الغربي حذاء داره، فمضيت إليها ليلة، وكان أبي يخاطبنا من داره بأمره ونهيه وبيننا عرض دجله، فما أجهد نفسه.
قال ابن قتيبة، حدثني ابن أبي ظبية، قال: كنت أسمع إبراهيم بن المهدي يتنحنح فأطرب.
قال ابن خرداذبة، حدثني محمد بن الحارث بن بسخنر، قال: وجه إبراهيم بن المهدي يوما يدعوني، وذلك في أول خلافة [ص] المعتصم، فصرت إليه وهو جالس وحده، وشارية جاريته خلف الستارة، فقال لي: قد قلت شعرا وغنيت فيه، وطرحته على شارية فأخذته وزعمت أنها أحذق به مني، وأنا أقول إنها دوني في الحذق، وقد تراضينا بك حكما لموضعك من هذه الصناعة، فاسمعه مني ومنها، ولا تعجل حتى تسمعه مني ومنها ثلاث مرات، فاندفع يغني هذا الصوت:
أضن بليلى وهي غير سخيةوتبخل ليلى بالهوى وأجود
فأحسن وأجاد، ثم قال لها: تغني فغنته فبرزت فيه كأنه كان معها في الجد،
ونظر إلي فعرف أني قد عرفت فضلها، فقال: على رسلك، وتحدثنا وشربنا، ثم اندفع فغناه ثانية، فأضعف في الإحسان، ثم قال لها: تغني، فغنت وبرعت وزادت وزادت اضعاف زيادته، وكدت أشق ثيابي طربا، فقال لي: تثبت ولا تعجل، ثم غناه ثالثة فلم يبق عليه في الإحكام، ثم أمرها فغنت، فكأنه إنما كان يلعب، ثم قال لي: [قل]، فقضيت لها عليه، فقال: أصبت، فكم تساوي الآن عندك؟ فحملني الحسد عليها له والنفاسة بمثلها ان قلت: تساوي مئة ألف درهم، فقال: أو ما تساوي على هذا كله الا مئة ألف درهم؟! قبح الله رأيك، والله ما أجد شيئا في عقوبتك ابلغ من أن أصرفك، فقم فانصرف إلى منزلك مذموما، فقلت له: ما لقولك اخرج من منزلي جواب، فقمت وانصرفت وقد أحفظني كلامه وأرمضني، فلما خطوت خطوات التفت إليه فقلت: يا إبراهيم، أتطردني من منزلك، فو الله ما تحسن أنت ولا جاريتك شيئا.
وضرب الدهر من ضربه، ثم دعانا المعتصم بعد ذلك وهو بالوزيرية في قصر الليل، فدخلت أنا ومخارق وعلوية، وإذا أمير المؤمنين مضطجع، وبين يديه ثلاث جامات: جام فضة مملوءة دنانير جددا، [وجام ذهب مملوءة دراهم جددا] وجام قوارير مملوءة عنبرا، فظننا أنها لنا لم نشك به في ذلك، فغنيناه وأجهدنا بأنفسنا، فلم يطرب ولم يتحرك لشيء من غنائنا، ودخل الحاجب فقال: إبراهيم بن المهدي، فأذن له، فدخل فغناه أصواتا فأحسن فيها، ثم غناه بصوت من صنعته وهو هذا: [ص]
ما بال شمس أبي الخطاب قد غربتيا صاحبيّ أظن الساعة اقتربت
فاستحسنه المعتصم وطرب وقال: أحسنت والله، فقال إبراهيم: يا أمير المؤمنين فإن كنت قد أحسنت فهب لي إحدى هذه الجامات، فقال: خذ أيها شئت، فأخذ التي فيها الدنانير، فنظر بعضنا إلى بعض، ثم غناه إبراهيم بشعر له:
فما مزة قهوة قرقفشمول تروق براووقها
فقال: أحسنت والله يا عم وسررت، فقال: يا أمير المؤمنين: إن كنت أحسنت فهب لي جاما أخرى، قال: فخذ أيها شئت، قال: فأخذت الجام التي فيها الدراهم، فعندها انقطع رجاؤنا منها، وغنى بعد ساعة:
ألا ليت ذات الخال تلقى من الهوىعشير الذي ألقى فيلتئم الحب
فارتج بنا المجلس الذي كنا فيه، وطرب المعتصم، واستخفنا الطرب، فقام على رجليه وجلس، وقال: أحسنت والله يا عم، قال: فإن كنت أحسنت فهب لي الجام الثالثة، قال: خذها، فأخذها، وقام أمير المؤمنين، فدعا إبراهيم بمنديل فثناه طاقين، ووضع الجامات فيه، ودعا بطين فختمه ودفعه إلى غلامه، ونهضنا للانصراف، وقدمت دوابنا، فلما ركب إبراهيم التفت إلي وقال: يا محمد بن الحارث، زعمت أني لا أحسن أنا وجاريتي شيئا، وقد رأيت ثمرة الإحسان، [فقلت في نفسي: قد رأيت، فخذها لا بارك الله لك فيها! ولم أجبه بشيء].
قال: دخل الحسن بن سهل يوما على المأمون وهو يشرب، فقال: بحياتي
عليك يا محمد، إلا شربت معي قدحا، وصب له من نبيذ قدحا فأخذه بيده وقال له: من تحب أن يغنيك فأومأ إلى إبراهيم بن المهدي، فقال له المأمون: غن يا عم:
تسمع للحلي وسواسا إذا انصرفت
يعرض به لما كان لحقه من السوداء والاختلاط، فغضب المأمون حتى ظن إبراهيم أنه سيوقع به، ثم قال له: أبيت إلا كفرا، يا أكفر خلق الله تعالى لنعمه، والله ما حقن دمك غيره، ولقد اردت قتلك فقال لي إن عفوت عنه فعلت فعلا لم يسبقك إليه أحد [ص] فعفوت والله عنك لقوله، أفحقه أن تعرض به؟ والله لا تدع كيدك ودخلك، وأنفت من إيمائه إليك بالغناء، فوثب إبراهيم قائما وقال: يا أمير المؤمنين، لم أذهب حيث ظننت، ولست بعائد، فأعرض عنه.
قال حمدون: كنت أحب أن أجمع بين إبراهيم بن المهدي، وأحمد بن يوسف الكاتب، لما كنت أراه من تقدم أحمد عليه [وغلبته] الناس جميعا بحفظه وبلاغته وأدبه في كل محضر ومجلس، فدخلت يوما على إبراهيم بن المهدي، وعنده أحمد بن يوسف وأبو العالية الخزري، فجعل إبراهيم يحدثنا فيضيف شيئا إلى شيء، مرة يذكر ومرة يونث، ومرة يعظنا ومرة ينشدنا ومرة
يضحكنا، وأحمد بن يوسف ساكت، فلما طال بنا المجلس، أردت أن أخاطب [أحمد]، فسبقني إليه أبو العالية فقال:
مالك لا تنبح يا كلب الدومقد كنت نباحا فما لك اليوم
فتبسم إبراهيم وقال: لو رأيتني في يد جعفر بن يحيى لرحمتني منه، كما رحمت أحمد مني.
قال إبراهيم بن المهدي: قلت للأمين يوما: يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداك! [فقال: بل جعلني الله فداك] فأعظمت ذلك، فقال: يا عم، لا تعظمه فإن لي عمرا لا يزيد ولا ينقص، فحياتي مع الأحبة أطيب من تجرعي فقدهم، وليس يضرني عيش من عاش [بعدي] منهم.
قال إبراهيم بن المهدي: غنيت يوما الأمين:
أقوت منازل بالهضابمن آل هند فالرباب
خطارة بزمامهاوإذا ونت ذلل الركاب
ترمي الحصا بمناسمصم صلادمة صلاب
قال: فاستحسن اللحن، وسألني عن صانعه، فأعلمته أن ابن جامع حدثني عن سياط أنه لابن عائشة، فلم يزل يشرب عليه لا يتجاوزه، ثم انصرفنا ليلتنا تلك، ووافاني رسوله حين انتبهت [من النوم] وأنا أستاك، فقال لي: يقول
لك بحياتي يا عم، لا تشتغل بعد الصلاة بشيء غير الركوب [إليّ] فصليت وتناولت طعاما خفيفا وركبت إليه، فلما رآني من بعيد، صاح بي، بحياتي يا عم (خطارة بزمامها)، فلما دخلت المجلس، ابتدأت [ص] فغنيته إياه، فأمر بإخراج صبية كان يتحظاها، فأخرجت إليه صبية كأنها لؤلؤة في يدها عود، فقال: بحياتي يا عم ألقه عليها، فأعدته مرارا وهو يشرب، حتى ظننت أنها قد أخذته، وأمرتها أن تغنيه، فإذا هو قد استوى لها، إلا في موضع كان فيه، وكان صعبا جدا، فجهدت جهدي أن يقع لها طلبا ليسر به، فلم يقع لها بتة، ورأى جهدي في أمرها وتعذره عليها، فأقبل عليها وقد سكر وقال: نفيت من الرشيد، وكل أمة لي حرة، وعلي عهد الله، لئن لم تأخذيه في المرة [الثالثة] لأمرن بإلقائك في دجلة، قال: ودجلة تطفح وبيننا وبينها ذراعان، وذلك في الربيع، فتأملت القصة، فإذا هو قد سكر والجارية لا تقوله كما أقوله أبدا، فقلت: هذه والله داهية ويتنغص عليه يومه، وأشرك في دمها، فعدلت عما كنت أغنيه عليه وتركت ما كنت أقوله، وغنيته كما كانت هي تقوله، وجعلت اردده حتى انقضت ثلاث مرات أعيده عليها، كما كانت هي تقوله، وأريته أني اجتهدت، فلما انقضت الثلاث مرات، قلت لها: هاتيه، فغنته على ما كان وقع لها، فقلت: أحسنت والله يا أمير المؤمنين، ورددته عليها ثلاث مرات، فطابت نفسه، وسكر فأمر لي بثلاثين ألف درهم.
قال محمد بن الحارث بن بسخنر: غنى إبراهيم بن المهدي يوما بحضرة المأمون:
يا صاح يا ذا الضامر العنسوالرحل ذي الأنساع والحلس
أما النهار فأنت تقطعهركضا وتصبح مثل ما تمسي
قال: فاستحسنه المأمون وذهبت آخذه، ففطن بي إبراهيم، فجعل يزيد فيه مرة وينقص أخرى بزوائده التي كان يعملها في الغناء، وعلمت ما يصنع فتركته، فلما قام قلت للمأمون: يا سيدي، إن رأيت أن تأمر إبراهيم أن يلقي علي:
يا صاح يا ذا الضامر العنس
فقال: أفعل، فلما عاد قال له: يا إبراهيم ألق على محمد:
يا صاح يا ذا الضامر العنس
فألقاها علي كما كان يغنيه مغيرا، ثم انقضى المجلس وسكر المأمون، فقال لي إبراهيم: قم الآن فأنت أحذق الناس به، فخرج وخرجت، وجئته إلى منزله، فقلت له: ما في الأرض أعجب منك، أنت ابن خليفة وأخو خليفة [ص] تبخل على وليّ لك مثلي لا يفاخرك بالغناء، ولا يكاثرك بصوت! فقال لي: يا محمد، ما في الدنيا أضعف عقلا منك، والله ما استبقاني المأمون محبة لي، ولا صلة لرحمي، ولكنه سمع من هذا الجرم شيئا فقده من سواه، فاستبقاني لذلك، فغاظني قوله، فلما دخلت إلى المأمون حدثته بما قال لي، فقال لي: يا محمد، هذا أكفر الناس لنعمة، وأطرق مليا ثم قال: لا نكدر على أبي إسحاق وقد عفونا عنه، ولا نقطع رحمه، واترك هذا الصوت الذي ضن به عليك إلى لعنة الله.
قال محمد بن يزيد: لما رضي المأمون عن إبراهيم بن المهدي ونادمه، دخل إليه متبذلا في ثياب المغنين وزيهم، فلما رآه ضحك وقال: نزع عمي ثياب الكبر عن منكبيه، فدخل فجلس، فأمر المأمون ان يخلع عليه فلبس الخلع، ثم ابتدأ مخارق يغني:
خليلي من كعب ألما هديتمابزينب لا يفقد كما أبدا كعب
فقال إبراهيم: أسأت واخطأت، فقال له المأمون: يا عم إن كان أساء وأخطأ فأحسن أنت، فغنى إبراهيم الصوت، فلما فرغ منه قال لمخارق: أعده الآن، فأعاده فأحسن، فقال له إبراهيم: يا أمير المؤمنين، كم بينه الآن وبينه في أول الامر، فقال: ما ابعد ما بينهما، فالتفت إلى مخارق وقال: مثلك يا مخارق مثل الثوب الوشي الفاخر، إذا تغافل عنه أهله سقط عليه التراب، فحال لونه، فإذا نفض عنه عاد إلى جوهره.
قال إسحاق بن إبراهيم بن رياح: كنت أسأل مخارقا: أي الناس أحسن غناء؟ فيجيبني جوابا مجملا حتى حققت عليه يوما، فقال لي: إبراهيم الموصلي أحسن غناء من ابن جامع بعشر طبقات، وأنا أحسن من إبراهيم بعشر طبقات، وإبراهيم بن المهدي أحسن غناء مني بعشر طبقات، ثم قال: أحسن الناس غناء أحسنهم صوتا، وإبراهيم بن المهدي أحسن الإنس والجن والوحش والطير صوتا، وحسبك هذا.
قال إبراهيم بن المهدي وقد ذكر الطبل والإيقاع به، فقال: هو من الآلات التي لا يجوز أن تبلغ نهايتها، فقيل له: وكيف خص الطبل بذلك؟ [ص] فقال:
لأن عمل اليدين فيه عمل واحد ولا بد أن يلحق اليسار فيه نقص عن اليمين، ودعا بالطبل ليرينا ذلك، فأوقع إيقاعا لم نظن أن يكون مثله، وهو مع ذلك يرينا زيادة اليمين على اليسار، وقال له الامين في بعض خلواته: يا عم، أشتهي أن أراك تزمر، فقال: يا أمير المؤمنين، ما وضعت على فمي ناياقط، ولا أضعه، ولكن يدعو أمير المؤمنين بفلانة - من موالي المهدي - حتى تنفخ في الناي وأمر يدي عليه، وأحضرت فوضعت الناي على فمها وأمسكه إبراهيم، فكلما مر الهواء
مر إصبعه، فيسمع زمرا، أجمع سائر من حضر أنه لم يسمع مثله قط.
قال محمد بن موسى المنجم: حكمت بأن إبراهيم بن المهدي أحسن الناس غناء ببرهان، وذلك أني كنت أراه في مجالس الخلفاء مثل المأمون والمعتصم، يغني ويغني المغنون، فإذا ابتدأ الصوت لم يبق من الغلمان والمتصرفين في الخدمة وأصحاب الصناعات والمهن الصغار والكبار، إلا ترك ما في يده وقرب من أقرب موضع يمكنه أن يسمعه، فلا يزال مصغيا إليه، لاهيا عما كان فيه ما دام يغني، حتى إذا أمسك وغنى [غيره] رجعوا إلى التشاغل بما كانوا فيه، ولم يلتفتوا إلى ما يسمعون، ولا برهان مثل هذا أقوى من شهادة الفطن واتفاق الطبائع - مثل اختلافها وتشعب طرقها - على الميل إليه.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع