من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أبو حشيشة
سرى فأصبح، وأرى بصره الفاسد فأصلح، وفهم دقائق الغناء وأوضحها،
وعلم حقائق الطرب وفضحها، وسارّ الأوتار، وسامى النظراء، لا يرهقه الإقتار، ودخل أخبية الملوك وأخذ عطاياها، وحث مطاياها وفاز بصفوة مواهبها، وجلا عليهم حسان الأصوات المختارة في مذاهبها، وادخر خير أموالها، وأبقى الفضول لناهبها.
قال أبو الفرج، قال نوبخت: رأيته وقد حضرت عريب عند ابن المدبر، وقد تغنى، فقالت له عريب: أحسنت يا أبا جعفر، ولو عاش الشيخان ما قلت لهما هذا، علوية ومخارق.
قال جحظة، حدثني أبو حشيشة قال: هجم عليّ خادم أسود فقال: البس ثيابك، فعلمت أن [هذا] لا يكون إلا عن أمر خليفة أو أمير، فلبستها ومضيت معه، فعبر بي الجسر، وأدخلني دارا لا أعرفها، فأدخلني في حجرة مفروشة، وجاءني بمائدة كأنها جزعة، وقد نشر في أعراضها الخبز، فأكلت وسقاني رطلين، وجاء بصندوق ففتحه، وإذا فيه طنابير، فقال: اختر ما تريد، فاخترت واحدا، فأخذ بيدي فأدخلني إلى دار فيها رجلان، على أحدهما قباء غليظ ملحم، وعلى الآخر ثياب ملحم وخز، فقال لي صاحب الخز: اجلس، [فجلست] فقال لي: أكلت وشربت؟ قلت: نعم، فقال: قل ما نقول لك، فقلت: قل، فقال: غنّ بصنعتك:
يا مليح الإقبال والانصرافوملولا ولو أشا قلت جافي
فغنيته إياه، ولم يزل يطلب مني صوتا بعد صوت من صنعتي فأغنيه ويستعيده، ويشرب هو والرجل، وأسقى بالأنصاف المختوتة إلى أن صلوا العشاء [ص] الآخرة، ثم أومأ إلى الخادم فقمت، فقال لي صاحب القباء منهما: أتعرفني؟ قلت: لا، قال: أنا إسحاق بن إبراهيم الطاهري، وهذا محمد ابن أسد الخناق، والله لا بلغني أنك تقول رأيتني لأضربنّ عنقك، انصرف، وخرجت، ودفع الخادم ثلاث مئة دينار، فجهدت أن يقبل منها شيئا على سبيل البرّ، فلم يفعل.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع