تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

إسحاق الموصلي (٢)

قال إسحاق: لم أر قط مثل جعفر بن يحيى، كانت له فتوة وظرف وأدب وحسن غناء وضرب بالطبل، وكان يأخذ بأجزل حظ من كل فن الأدب والفتوة،

فحضرت باب الرشيد يوما، فقيل لي: إنه نائم، فانصرفت فلقيني جعفر بن يحيى، فقال لي: ما الخبر؟ فقلت: أمير المؤمنين نائم، فقال لي: قف مكانك، ومضى إلى دار أمير المؤمنين وخرج إليه الحاجب فأعلمه بأنه نائم، ورجع فقال:

صربنا إلى المنزل حتى نخلو جميعا بقية يومنا، وأغنيك وتغنيني، ونأخذ في شأننا من وقتنا هذا، فقلت: نعم، فصرنا إلى منزله، فنزعنا ثيابنا ودعا بطعام فأكلنا، وأمر بإخراج الجواري وقال: لتبرزن، فليس عندنا من تحتشمنه، فلما وضع الشراب، دعا بقميص حرير فلبسه ودعا بخلوق فتخلّق به، ثم دعا لي بمثل ذلك، وجعل يغنيني وأغنيه، حتى دعا بالحاجب وتقدم إليه، وأمره بأن لا يأذن لأحد من الناس كلهم، وإن جاء رسول أمير المؤمنين أعلمه بأنه مشغول واحتاط في ذلك، وتقدم فيه إلى جميع الحجاب والخدم، ثم قال: إن جاء عبد الملك فأذنوا له، يعني رجلا كان يأنس به ويمازحه ويحضر خلواته، ثم أخذنا في شأننا، فو الله إنا لعلي حالة سارة عجيبة، إذ رفع الستر، فإذا عبد الملك بن صالح الهاشمي قد أقبل، وغلط الحاجب فلم يفرق بينه وبين الذي عناه جعفر [ص] بن يحيى، وكان عبد الملك بن صالح من جلالة قدره والتقشف والامتناع من منادمة أمير المؤمنين على أمر جليل، وكان الرشيد قد اجتهد به أن يشرب معه أقداحا، فلم يفعل ذلك رفعا لنفسه، فلما رأيناه مقبلا، أقبل كل واحد منا ينظر إلى صاحبه، وكاد جعفر أن ينشق غيظا، وفهم حالنا، فأقبل نحونا، حتى إذا صرنا بالقرب منه، وصار إلى الرواق الذي نحن فيه، نزع قلنسيته فرمى بها مع [طيلسانه] جانبا، ثم قال: اطعمونا شيئا، فدعا له جعفر بالطعام، وهو منتفخ غيظا وغضبا، فطعم، ثم دعا برطل فشربه، ثم أقبل إلى

المجلس الذي نحن فيه فأخذ بعضادتي الباب، ثم قال: أشركونا فيما أنتم فيه، فقال له جعفر: ادخل، ثم دعا بقميص حرير وخلوق، فلبس وتخلق، ثم دعا برطل ورطل حتى شرب عدة أرطال، ثم اندفع يغنينا، فكان أحسننا والله جميعا غناء، فلما طابت نفس جعفر بن يحيى وسرّي عنه ما كان به، التفت إليه فقال: ارفع حوائجك، قال: ليس هذا موضع حوائج، قال: لتفعلن، قال فلم يزل يلح عليه حتى قال: أمير المؤمنين واجد [علي] وأحب أن تترضاه لي، قال: فإن أمير المؤمنين قد رضي عنك، فهات حوائجك، قال: هذه كانت حاجتي، قال:

ارفع حوائجك كما أقول لك، قال: عليّ دين فادح، قال: هذه أربعة آلاف درهم، فإن أحببت تقتضيها من مالي الساعة فاقبضها، فإنه لم يمنعني عن إعطائك إياها إلا أن قدرك يجلك أن يصلك مثلي، ولكني ضامن لها حتى تحمل إليك من مال أمير المؤمنين فسل أيضا، قال ابني، تكلم أمير المؤمنين حتى ينوه باسمه، فقال: قد ولاه أمير المؤمنين مصر، وزوجه ابنته العالية وأمهرها عنه بألفي ألف درهم، قال: إسحاق: فقلت في نفسي: قد سكر الرجل، - يعني جعفرا - فلما اصبحت لم يكن لي همة إلا حضور دار الرشيد، فإذا جعفر بن يحيى قد بكر، ووجدت في الدار جلبة، وإذا أبو يوسف القاضي ونظائره، قد دعي بهم، ثم دعي بعبد الملك بن صالح الهاشمي [وابنه] فأدخلا جميعا على الرشيد، فقال الرشيد لعبد الملك: إن أمير المؤمنين كان واجدا عليك [ص]، وقد رضي عنك، وأمر لك بأربعة آلاف [ألف] درهم، فاقبضها من جعفر بن يحيى الساعة، ثم دعا بابنه فقال: اشهدوا أني قد زوجته العالية بنت أمير المؤمنين، وأمهرتها عنه

بألفي ألف درهم [من مالي] ووليته مصر، فلما خرج جعفر بن يحيى سألته عن الخبر فقال: بكرت على أمير المؤمنين، فحكيت له جميعا ما كان منا وما كنا فيه حرفا حرفا، ووصفت له دخول عبد الملك وما صنع، فعجب لذلك وسر به، ثم قلت له: وقد ضمنت له يا أمير المؤمنين عنك ضمأنا، قال: وما هو؟ فأعلمته، قال: نفي له بضمانك، وأمر باحضاره، فكان ما رأيت.

قال اسحاق: ما اغتممت [بشيء قط مثلما اغتممت] بصوت مليح صنعته بهذا الشعر:

كان لي قلب أعيش بهفاكتوى بالنّار فاحترقا
أنا لم أرزق محبّتهاإنّما للعبد ما رزقا
لم يكن ما ذاق طعم ردىذاقه لا شكّ إن عشقا

فإني صنعت فيه لحنا، وجعلت أردده في جناح لي سحرا، فأظن أن إنسانا من العامة، سمعه فأخذه، وبكرت من غد إلى المعتصم لأغنيه به، وإذا أنا بسواط يسوط الناطف ويغني اللحن بعينه، إلا أنه غناء فاسد، فعجبت وقلت: ترى من أين للسواط هذا الصوت، ولعلي أن غنيته أن يكون مر بهذه السفلة بعض من يحضر معنا فسمعه يغنيه، وبقيت متحيرا، ثم قلت له: يا فتى، ممن سمعت هذا الصوت؟ فلم يجبني، فالتفت إلى شريكه فقال: خذ إليك [هذا] يسألني ممن سمعته، والله لو سمعه إسحاق الموصلي لخريء في سراويله، فبادرت والله هاربا خوفا من أن يمر بي إنسان فيسمع ما جرى فأفتضح، وما علم الله أني نطقت بذلك الصوت بعدها.

قال إسحاق: غدوت يوما ضجرا من ملازمة دار الخلافة والخدمة فيها، فخرجت وركبت بكرة، وعزمت على أن أطوف الصحراء أفترج فيها، فقلت لغلماني: إن جاء رسول الخليفة، فعرفوه أني بكرت في بعض مهماتي، وأنكم لا تعرفون أين توجهت، ومضيت فطفت ما بدا لي، ثم عدت وقد حمي [ص] النهار، فوقفت في شارع المخرم في فناء ثخين الظل وجناح رحب على الطريق لأستريح، فلم ألبث أن جاء خادم يقود حمارا فارها عليه جارية راكبة تحتها منديل دبيقي، وعليها من اللباس الفاخر ما لا غاية بعده، ورأيت لها قواما عادلا حسنا وظرفا وشمائل حسنة، فحدست عليها أنها مغنية، فدخلت الدار التي كنت واقفا عليها، ثم لم ألبث أن أقبل خادمان ومعهما رجلان شابان جميلان، فاستأذنا فأذن لهما، فنزلا ونزلت معهما، ودخلت فظنا أن صاحب الدار دعاني، وظن صاحب البيت أني معهما، فجلسنا وأتي بالطعام فأكلنا، وبالشراب فشربنا أقداحا، وقمت لأبول، فسأل صاحب المنزل الرجلين عني، فأخبراه أنهما لا يعرفاني، فقال: هذا طفيلي، ولكنه ظريف، فأجملا عشرته، وجئت فجلست، فغنت الجارية في لحن لي:

ذكرتك إذ قّرت بنا أمّ شادنأمام المطايا تشرئبّ وتسنح
من المؤلفات الرّمل أدماء حرّةشعاع الضّحى في متنها يتوضّح
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أمنزلتي مي سلام عليكما علي»

فأدته أداء صالحا، ثم غنت أصواتا شتى، وغنت في أضعافها [من] صنعتي:

الطّلول الدّوارسفارقتها الأوانس
أو حشت بعد أهلهافهي قفر بسابس

فكان أمرها فيه أصلح من الأول، ثم غنت أصواتا من القديم والحديث، وغنت في أضعافها من صنعتي:

قل لمن صدّ عاتباونأى عنك جانبا
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة
قد بلغت الذي أردت ولو كنت لا عبا

فكان أصلح من الأولين، فاستعدتها لأصلح ما فيه، فقال لي أحد الرجلين: ما رأيت طفيليا أصفق وجها منك، لم ترض بالتطفيل حتى اقترحت، فهذا غاية المثل: (طفيلي مقترح)، فأطرقت ولم أجبه، وجعل صاحبه يكفه عني فلا يكف، ثم قاموا إلى الصلاة، وتأخرت قليلا، فأخذت عود الجارية ثم شددت طبقته وأصلحته إصلاحا محكما، وعدت إلى موضعي فصليت [ص] وعاد وأخذ ذلك [الرجل] في عربدته عليّ، وأنا صامت، ثم أخذت العود الجارية فجسّته، فأنكرت حاله، وقالت: من مس عودي؟ قالوا: ما مسه أحد، قالت: بلى والله قد مسه حاذق متقدم، وشد طبقته وأصلحه إصلاح متمكن في صناعته، فقلت لها: أنا أصلحته، قالت: فبالله عليك، خذه واضرب به، فأخذته

وضربت به مبدأ عجيبا ضربا صعبا فيه نقرات متحركات، فما بقي أحد منهم إلا وثب فجلس بين يدي، فقالوا: بالله يا سيدي أتغني؟ قلت: نعم، وأعرفكم بنفسي، أنا إسحاق الموصلي، والله إني لأتيه على الخليفة إذا طلبني، وأنتم تسمعوني ما أكره منذ اليوم، لأني تملحت معكم، ووالله لا نطقت بحرف، ولا جلست معكم، حتى تخرجوا هذا المعربد المقيت الغث، فقال له صاحبه: من هذا حذرتك، فأخذ يعتذر، فقلت: ما أنطق بحرف أو تخرجوه، فأخذوا بيده فأخرجوه، فبدأت فغنيت الأصوات التي غنتها الجارية من صنعتي، فقال لي الرجل: هل لك في خصلة؟ وما هي؟ قال: تقيم عندي شهرا، والجارية والحمار لك مع ما عليها من حليّ، فقلت: أفعل، فأقمت عنده شهرا، لا يعرف أحد أين أنا، والمأمون يطلبني في كل موضع، فلا يعرف لي خبرا، فلما كان بعد ثلاثين يوما، سلم إليّ الجارية والحمار والخادم، فجئت بذلك إلى منزلي، وركبت إلى المأمون من وقتي، فلما رآني قال: إسحاق، ويلك أين تكون؟ فأخبرته، فقال:

عليّ بالرجل الساعة، فدللتهم عليه، فأحضر، فسأله المأمون عن القصة فأخبره بخبرها وخبر الرجل المعربد، وما حلفت من إخراجه، فقال: أنت رجل ذو مروءة، وسبيلك أن تعان على مروءتك، ثم أمر له بمائة ألف درهم، وقال له: لا تعاشر ذلك الرجل المعربد، وامر لي بخمسين ألف درهم، وقال لي: أحضر الجارية، فأحضرتها فغنته، فقال لي: قد جعلت عليها نوبة في كل يوم ثلاثاء تغنيني من وراء الستار مع الجواري، وأمر لها بخمسين الف درهم، فربحت وأربحت.

قال إسحاق: دخلت يوما دار الواثق بغير إذن، إلى موضع أمر أن أدخله إذا كان جالسا، فسمعت صوت عود من بيت [ص] وترنما لم أسمع مثله قط حسنا، فأطلع خادم رأسه ثم ردّه وصاح بي، فدخلت فإذا الواثق، فقال لي: أي شيء سمعت؟ فقلت: الطلاق لي لازم، وكل مملوك لي حر، لقد سمعت ما لم

أسمع مثله قطّ حسنا فضحك وقال: وما هو! إنما هو فضلة أدب وعلم، مدحه الأوائل واشتهاه أصحاب رسول اللّه ﷺ، ومن بعده من التابعين، وكثر في حرم اللّه ومهاجر رسول اللّه، أتحبّ أن تسمعه؟ قلت:

إي واللّه الذي شرّفني بخطابك وجميل رأيك، فقال: يا غلام، هات العود، وأعط إسحاق رطلا، فدفع الرطل إليّ، وضرب وغنّى في شعر لأبي العتاهية بلحن صنعه فيه:

أضحت قبورهم من بعد عزّهمتسفي عليها الصّبا والحرجف الشّمل
للشاعر أبو العتاهية، من قصيدة «أضحت قبورهم من بعد عزهم»
لا يدفعون هواما عن وجوههمكأنهم خشب بالقاع منجدل
للشاعر أبو العتاهية، من قصيدة «أضحت قبورهم من بعد عزهم»

فشربت الرطل ثم قمت فدعوت له، فأجلسني وقال: أتشتهي أن تسمعه ثانية؟ فقلت: إي والله ثانية وثالثة، وصاح ببعض خدمه وقال: احمل إلى إسحاق ثلاث مائة ألف درهم الساعة، ثم قال: يا إسحاق، قد سمعت ثلاثة أصوات وشربت ثلاثة أرطال، وأخذت ثلاث مائة ألف درهم، فانصرف إلى أهلك بسرورك ليسرّوا معك، فانصرفت بالدراهم.

قال إسحاق: ما وصلني أحد من الخلفاء مثل ما وصلني به الواثق، ولا كان أحد منهم يكرمني إكرامه، ولقد غنّيته لحني في:

لعلك ان طالت حياتك ان ترىبلادا بها مبدى لليلى ومحضر

فاستعاده مني جمعة لا يشرب على غيره، ثم وصلني بثلاث مئة ألف درهم، ولقد قدمت عليه في بعض قدماتي، فقال لي: ويحك يا إسحاق أما اشتقت

إلي؟ فقلت: بلى والله يا سيدي، وقلت في ذلك أبياتا، إن أمرتني أن أنشدها، فقال: هات، فأنشدته:

أشكو إلى الله بعدي عن خليفتهوما أقاسيه من هم ومن كبر
لا أستطيع رحيلا إن هممت بهيوما إليه ولا أقوى على السفر
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة
أنوي الرحيل إليه ثم يمنعنيما أحدث الدهر والأيام في بصري
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة

ثم استأذنته في إنشاد قصيدة مدحته بها فأذن لي، فأنشدته قصيدتي التي أقول فيها: [ص]

لما أمرت بإشخاصي إليك هوىقلبي حنينا إلى أهلي وأولادي
ثم اعتزمت فلم أحفل لبينهموطابت النفس عن فضل وحماد
كم نعمة لأبيك الخير أفردنيبها وخص بأخرى بعد إفرادي
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة
فلو شكرت أياديكم وأنعمكملما أحاط بها وصفي وتعدادي
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة

فقال: أحسنت يا أبا محمد، فكناني وأمر لي بمائة ألف درهم، ثم قلت:

أتبكي على بغداد وهي قريبةفكيف إذا ما ازددت عنها غدا بعدا
للشاعر القاضي عبد الوهاب المالكي، اقرأ القصيدة
لعمرك ما فارقت بغداد عن قلىلو أنّا وجدنا من فراق لها بدا
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة
إذا ذكرت بغداد نفسي تقطعتمن الشوق أو كادت تموت بها وجدا
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة
كفى حزنا أن رحت لم تستطع بهاوداعا ولم تحدث بساكنها عهدا
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة

فقال لي: يا موصلي، قد اشتقت إلى بغداد: فقلت: يا أمير المؤمنين، لا والله، ولكني اشتقت إلى الصبيان، وقد حضرني بيتان، فقال: هاتهما، فقلت:

حننت إلى الأصيبية الصغاروشاقك منهم قرب المزار
وكل مفارق يزداد شوقاإذا دنت الديار من الديار

فقال: يا إسحاق صر إلى بغداد، فأقم شهرا مع صبيانك، ثم عد إلينا، وقد أمرنا لك بمائة ألف درهم.

قال إسحاق الموصلي: قدمت سنة من السنين من الحج فصرت إلى سر من رأى فدخلت إلى الواثق، فقال لي: بأي شيء أطرفتني من أحاديث الأعراب وأشعارهم؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، جلس [إلي] فتى من الأعراب في بعض المنازل، فحادثني فرأيت منه أحلى من رأيت من الفتيان منظرا وحديثا وظرفا وأدبا، وسألته إنشادي، فأنشدني:

سقى العلم الفرد الذي في ظلالهغزالان مكحولان مؤتلفان
إذا أمنا التفا بجيدي تواصلوطرفاهما للريب مسترقان
أرغتهما ختلا فلم أستطعهماورميا ففاتاني وقد قتلاني

ثم تنفس تنفسا ظننت أنه قد قطع حيازيمه، فقلت: مالك بأبي أنت؟

فقال: لي وراء هذين الجبلين [ص] شجن وقد حيل بيني وبين الوصول إليه، وقد نذروا دمي، وأنا أتمتع بالنظر إلى الجبلين تعللا بهما إذا قدم الحاج، ثم

يحال بيني وبين ذلك، فقلت له: زدني مما قلت شيئا في ذلك، فأنشدني:

إذا ما وردت الماء في بعض أهلهحضور فعرض بي كأنك مازح
فإن سألت عني حضور فقل لهابه غبّر من دائه وهو صالح

فأمرني الواثق فكتبت له الشعرين، فلما كان بعد أيام دعاني فقال: قد صنع بعض عجائز دارنا في أحد الشعرين لحنا فأسمعه، فإن ارتضيت أظهرناه، وإن رأيت فيه موضع إصلاح أصلحناه، فغنى لنا من وراء الستارة، فكان في نهاية الجودة، وكذلك كان يفعل، إذا صنع شيئا، فقلت: أحسن والله صانعه ما شاء، فقال: بحياتي عليك، قلت: أي وحياتك، وحلفت له بما يوثق به، وأمر لي برطل فشربته، ثم أخذ العود فغناه ثلاث مرات، وسقاني ثلاثة ارطال، وأمر لي بثلاثين ألف درهم، فلما كان بعد أيام دعاني وقال: قد صنع عندنا أيضا في الشعر الآخر، وأمر فغني به، فكانت الحال فيه مثل الحال الاول، فلما استحسنته وحلفت له على جودته، وأعاده لي ثلاث مرات، وسقاني ثلاثة أرطال، وأمر لي بثلاثين الف درهم، ثم قال: هل قضيت حق هديتك؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، فأطال الله بقاءك، وتمم نعمتك، ولا أفقدنيها منك وبك، فقال: لكنك لم تقض حق جليسك الأعرابي، ولا سألتني معونته على أمره، وقد سبقت مسألتك، وكتبت إلى صاحب الحجاز وأمرته بإحضاره، وخطبت له المرأة وحمل صداقها إلى قومها عنه من مالي، فقبلت يده وقلت: السبق إلى المكارم لك، وأنت أولى بها من عبيدك ومن سائر الناس.

قال: لما خرج المعتصم إلى عمورية، واستخلف الواثق بسر من رأى كانت أموره

كلها كأمور أبيه، موجه إلى الجلساء والمغنين أن يبكروا إليه يوما حدد لهم، ووجه إلى إسحاق فحضره، فقال لهم الواثق: إني عزمت على الصبوح، ولست أجلس على سرير حتى اختلط بكم ونكون كالشيء الواحد، فاجلسوا معي حلقة، ولكن كل جليس إلى جانبه مغن، فجلسوا كذلك، فقال الواثق: أنا أبدأ، فأخذ عودا وغنى [ص] وشربوا، وغنى من بعده حتى انتهى إلى إسحاق، فأعطي العود، فلم يأخذه، فقال: دعوه، ثم غنى وغنوا دورا آخر، فلما بلغ إسحاق، لم يغن، وفعل هذا ثلاث مرات، فوثب الواثق فجلس على سريره، وأمر الناس فأدخلوا، فما قال لأحد منهم اجلس، ثم قال: علي بإسحاق، فلما رآه قال: يا خوزي يا كلب، أتبذّل لك وأغني، وترتفع عني؟!

أترى لو أني قتلتك لكان المعتصم يقيدني بك؟ [ابطحوه] فبطح وضرب ثلاثين مقرعة، وحلف لا يغني سائر يومه [سواه]، فاعتذر وتكلمت الجماعة فيه، فأخذ العود وما زال يغني حتى انقضى ذلك اليوم.

قال إسحاق: دخلت يوما على الواثق وهو مضطجع، فقال: غنني يا إسحاق صوتا غريبا لم أسمعه منك، حتى أسر به بقية يومي، قال: وكأن الله ﷿ أنساني الغناء كله إلا هذا الصوت:

يا دار إن كان البلى قد محاكفإنه يعجبني أن أراك
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة
أبكي الذي [قد] كان لي مألفافيك فآتي الدار من أجل ذاك
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة

قال: فتبينت الكراهة في وجهه، وندمت على ما كان مني، وتجلد فشرب رطلا

كان بيده، وعدلت عن الصوت إلى غيره، وكان ذلك اليوم والله آخر جلوسي معه.

قال: وتوفي إسحاق ببغداد أول خلافة المتوكل، وكان يسأل الله ألا يبتليه بالقولنج لما رأى من صعوبته على أبيه، فأصابه ذرب في شهر رمضان سنة خمس وثلاثين ومئتين، وكان يتصدق في كل يوم أمكنه أن يصومه بمائة درهم، ثم ضعف عن الصوم، ومات في رمضان.

لما تولى المتوكل الخلافة بعد الواثق، طلب إسحاق، فلما حضر رمى إليه مخدة وقال: اجلس عليها، فإني سمعت أن المعتصم أول يوم خلافته رمى إليك بها وقال: ما يستجلب ما عند الحر إلا بالكرامة، وسأله سماع شيء من أغانيه، فغناه لحنه نظمه في نفسه وعماه:

ما علّة الشيخ عيناه بأربعةتغرورقان بدمع ثم تنسكب
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة

فأنعم عليه بمائة ألف درهم وصرفه، وسأله العود فتوجه من سر من رأى [ص] إلى بيته ببغداد، فتوفي بعد شهر، فبلغ المتوكل وفاته، فغمه وحزن عليه.

قال ادريس بن أبي حفصة يرثي إسحاق الموصلي:

سقى الله يا بن الموصلي بوابلمن الغيث قبرا أنت فيه مقيم
ذهبت فأوحشت الكرام فما ينيبعبرته يبكي عليك كريم
إلى الله أشكو فقد إسحاق إننيوإن كنت شيخا بالعراق مقيم
للشاعر إدريس بن أبي حفصة، اقرأ القصيدة

وقال محمد بن عمر الجرجاني يرثيه:

على الجدث الشرقي عوجا فسلماببغداد لما ضن عنه عوائده
وقولا له لو كان للموت فديةفداك من الموت الطريف وتالده
للشاعر محمد بن عمر الجرجاني، اقرأ القصيدة
أإسحاق لا تبعد وان كان قد رمىبك الموت وردا ليس يصدر وارده
للشاعر محمد بن عمر الجرجاني، اقرأ القصيدة
إذا هزل اخضرت متون حديثهورقت حواشيه وطابت مشاهده
وإن جد كان القول جدا وأقسمتمخارجه ألا تلين معاقده
للشاعر محمد بن عمر الجرجاني، اقرأ القصيدة
فابك على ابن الموصلي بعبرةكما ارفضّ من نظم الجمان قلائده

وقال مصعب الزبيري يرثيه، تغمده الله برحمته:

لله أي فتى إلى دار البلىحمل الرجال ضحى على الأعواد
كم من كريم ما تجف دموعهمن حاضر يبكي عليه وباد
أمسى يؤبّنه ويعرف فضلهمن كان يثلبه من الحساد
فسقتك يا بن الموصلي سحابةتروي صداك بصوبها وغواد

وقال أيضا:

تولى شبابك إلا قليلاوحل المشيب فصبرا جميلا
كفى حزنا بفراق الصباوإن أصبح الشيب منه بديلا
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة
ولما رأى الغانيات المشيب أغضين دونك طرفا كليلا
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة
سأندب عهدا مضى للصباوأبكي الشباب بكاء طويلا
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.