من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
علي بن محمد بن سلمان بن حمائل، الشيخ الإمام، جمال الدول، علاء الدين، أبو الحسن
أهل هذا البيت بجدّتهم للأم، من بيت صلاح ما فيه شبهة لمن يذم، وكتب الإنشاء منهم جماعة، وتلقوا بالفطرة سر هذه الصناعة، فنفذوا لسلطان البراعة، ونفثوا سحر البيان في عقد اليراعة، وكان هذا الرجل نسيج وحده في العوارف الحسان، ونسيب جده - أعني غانما - غانما للإحسان، مع ملابسته للدول في أمورها، وممارسته لها في أحوال حزنها وسرورها، إلا أنه كان يحجزه دينه، ويحجبه يقينه، وكان أقوم أهل بيته برئاسة لاكبر فيها، ورياضة لا كدر لصافيها، ومروءة كانت تلذ له ولو أدت إلى الخطر، وأبدت الأهوال دون الوطر،
ووقع على القصص فأولى مننا، وأجرى الله به الخيرات زمنا، ولم يقصد إلا وجه الله بفعله، ولا أسدى المعروف إلا لأهله، ثم مات غالب من جرى لهم به ذلك المعروف، وبقي في بقاياهم، وحصل به الملوك الذين كتب عنهم الآخرة ببعض دنياهم؛ ولم يكن أسرع منه إلى أداء حق واجب، ولا أدعى لصحبة صاحب، ولا أسبق إلى عيادة مريض، وتشييع جنازة، وتنويع كرامة وغزارة، مع ملازمة الصلاة في الجماعة، وتعهد للمسجد لو قدر لما غاب عنه ساعة، ومداومة تلاوة لا يفتر من تردادها، وصلوات لا يخل بأورادها؛ هذا وبابه مفتوح، وسحابه ممنوع، وتجشّمه مع جلسائه مطروح وتجهّمه بالنّسبة إلى غيره خفّة روح، لبشاشة وجه تروي غلة الصادي، وسعة صدر تفيض على رحاب النادي، وسرعة إجابة تعاجل صوت المنادي، مع يد في هذا الشأن لا يخونها بنانها، بل يزينها بيانها.
ومن نثره ما تتعب القرائح في أثره، قوله يصف قلعة:
ذات أودية ومحاجر، لا تراها العيون لبعد مرماها إلا شزرا، ولا ينظر ساكنها العدد الكثير إلا نزرا، ولا يظن ناظرها إلا أنها طالعة بين النجوم بما لها من الأبراج، ولها من الفرات خندق يحفها كالبحر المحيط، إلا أن هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج، ولها واد لا يقي لفحة الرمضاء ولا حرّ الهواجر، وقد توعرت مسالكه، ولا يداس فيه إلا على المحاجر، يتفاوت ما بين مرآه العلي وقراره العميق، ويقتحم راكبه الهول في هبوطه، وكأنما ﴿خَرَّ مِنَ اَلسَّماءِ فَتَخْطَفُهُ اَلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ اَلرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ﴾
ومنه قوله، ولقد أحسن في وصف القلم، فقال:
القلم الذي كم أعان من هو قارئ للحروف، ومن هو لصنوف الضيوف قاري، وهو الراكع الساجد في ملازمة الخمس طاعة للباري، شق لسانه فنطق، وأنار صباحه وعليه جلابيب الغسق، ثم خضع له السيف، وزاره معنى تخيله لما مد، وهكذا في الظلام زور الطيف، ولم يزل يعظم ويتسوّد، ويحكي الرمح فيتخطر، والغصن فيتأود، ويقيم فلا يقتات، ويسافر فيتزود.
ومنه قوله:
فسارعوا إلى إنجاد من نازله العدو من إخوانكم المسلمين ﴿وَقاتِلُوا اَلْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاِعْلَمُوا أَنَّ اَللّهَ مَعَ اَلْمُتَّقِينَ﴾
وامضوا عليهم بقدمكم وإقدامكم، وانصروا الله بجهادكم واجتهادكم، فإنكم ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اَللّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾ وكتاب الله أولى ما عمل به العاملون، قال الله تعالى: ﴿اِنْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اَللّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
ومنه قوله:
قد تجردوا عن العلائق، واشتغلوا بخدمة المخلوق عن الخلائق، وبرئوا من التكلف، وزهدوا في عرض الدنيا، فهم من الذين تعرفهم بسيماهم و ﴿يَحْسَبُهُمُ اَلْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ اَلتَّعَفُّفِ﴾
ومنه قوله يصف الكرة:
وانتهى إلى حديث الرغبة في تلك اللعبة، وهي الجارية التي لم تزل بالضرب دانية شاسعة، مبتذلة من الطراد والإبعاد، دائرة في أرض الله الواسعة، فلم تزل أيدي الأيّدين، وحملات المؤيدين، خافضة لها رافعة، تالية في مجال القتال إلى النجم، فإذا وقعت الأرض تلا لها: ﴿إِذا وَقَعَتِ اَلْواقِعَةُ﴾، من الشجر الأخضر كونها، وإذا سأل عنها سائل، قيل ﴿صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها﴾، لا تزال الفوارس إليها كالجهاد بالجياد تتعادى، وعليها مع المرافقة والمصادقة بالتنافس تتعادى، تشبه الهامة الملقاة بين أرجل الجياد في الحرب، ولا تزال هاربة من طالبيها لكثرة ما يقع فيها من الضرب، تنفر من الأبطال نفور حمر مستنفرة فرت من قسورة، وتتواثب عليها الرجال تواثب الليوث الضاربة الضارية، فكم لهم من الكرّة على تلك الكرة.
ومنه قوله في توقيع رجل يعرف بالجمال إبراهيم:
فليعمل بتقوى الله في هذه الأعمال، آتيا فيها من حسن التأني كل ما يليق أن تشاهده العيون من الجمال، وهو أدرى بما يعتمده، إذ هو الصدر الذي كل أحد بعلمه عليم، والرئيس الذي لا يخفى بين الرؤساء، وهل يخفى مقام إبراهيم؟
ومنه قوله من كتاب كتبه:
يقبل اليد، لا زالت بمننها مواسية، ولكلوم القلوب بطب كلامها آسية،
ولعهود محبيها على ممر الأيام، وإن نسيها من نسيها،: غير ناسية، وينهي ورود الكتاب الكريم، فتسلى عن كل من حجبه النوى، وتملى بنضارته ومحاسنه عن وجه بالجفاء قد جف، وعصر بالذم قد ذوى، وعلم الإشارة العالية إلى أمر الحبيب النازح، والذي جد في الصد وكان غير مازح، وإنه استدل من كلام المملوك على شدة موجدته لبعده، وعدم صبره عن استجلاء وجهه، واعتناق قده، ودعا بعودة ذلك الغائب قبل أن يذوي عوده، ورجوعه قبل أن تنطفئ بطلوع الذقن سعوده، وقد تحقق تفضله، وهو نعم من أمّه الشاكى وأمّله:
ولا بد من شكوى إلى ذي مروءةيواسيك أو يسليك أو يتوجع
ومنه قوله في كتاب إلى قاضي القضاة إمام الدين القزويني:
أدام الله الأنس بقرب الجناب العالي القضائي الإمامي، وجعله للمتقين إماما، ورأيه للصواب زماما، ولقّاه بمنّه حيث يحل تحية وسلاما؛ ورد المشرف الكريم الذي تلقاه بقلبه قبل يده، وحل منه بمحل روحه من جسده، وناظره من أسوده، وسر بما تضمنه من أخبار قربه، وبما دل عليه من فنون فضله الذي المملوك منه على بينه من ربه، ويحقق الإشارة الكريمة في تعويض قضاء القضاة إلى نظره الكريم، وحصول التعويل في ذلك على مقامه الذي يتشرف به كل عظيم، ولقد نال هذا المنصب من جلالة قدره ما سر به واغتبط، وتحقق بمصيره إليه أنه على الخبير به سقط، ووصل التقليد الشريف، وقبل وقوبل بالامتثال، وحصل السرور به وعم، وكمل به هناء القلوب وتم، وعرض له من الارتياح إلى لقائه، ما سلبه القرار، وعظم به الشوق عنده أعظم ما يكون، إذا دنت الديار من
الديار، ولولا ما يعلمه من التصدي لمهمات الإسلام، لما نابت في قصد لقائه الأقلام؛ والله تعالى يقدمه قدوم البدر بروج سعوده، ويديم في المعالي سموه إلى الغاية التي لا مزيد على غايتها في صعوده.
ومن شعره قوله،
بكيت بدمع فاق دمع الغمائموناحت لنوحي ساجعات الحمائم
على جيرة جار الزمان لفقدهمومن بعدهم جاورت غير ملائم
مضت لي بهم أيام أنس حميدةنعمت بها دهرا كأحلام نائم
وإني بأرض الشام أشتاق أرضهمإذا لمع برق لاح منها لشائم
فلله أيام الصبا حيث لا نرىوقارا لنا إلا بخلع العمائم
ومنه قوله:
وكم سرحة لي في الربى زمن الصباأشاهد مرأى حسنها متمليا
ويسكرني عرف الشذا من نسيمهافأقضي هوى من طيبه حتف أنفيا
وأسأل فيها مبسم الروض قبلةفيبرز من أكمامه لي أيديا
فلله روض زرته متنزهافأبدى لعيني حسن مرأى بلاريا
غدا الغصن فيه راقصا ونسيمهيكر على من زاره متعديا
ترجلت الأشجار والماء خر إذنسيم الصبا أضحى [به] متمشيا
تغنت لديه الورق والغصن راقصفيعرق وجه الأرض من كثرة الحيا
وهذه أبيات لله من سمع مثلها! لو حصلت لابن خاقان لجعلها واسطة
«قلائده» أو ابن بسام لاتخذها من أفضل «ذخيرته».
ومنه قوله:
فعد نفسك من أهل القبور بهافعن قليل إليه سوف تنتقل
واذكر مصارع قوم قد قضوا ومضواكأنهم لم يكونوا بعد ما رحلوا
يا ليت شعري ما قالوا وقيل لهموما الذي قد أجابوا عند ما سئلوا
ومنه قوله:
سلب المهجة منيبالجفون الفاترات
لو يزور البيت لم يرم الحشا بالجمرات
وكنت قد بعثت له درجين أحمرين من الورق، ثم لم أعد أجهز له بعدها شيئا، فكتب إلي:
يا من مكارمه عمت فكم شملتذا فاقة ما بقي منه سوى الرمق
قد كنت أرسلت لي درجين لونهمامن حمرة مثل لون الشمس في الأفق
وبعد ذلك لم أفرح بمثلهمامن سيدي لا ولا شيء من الورق
فبعثت إليه درجين أحمر وأبيض، وكتبت إليه معهما:
أمسك سحابك لا يفضي إلى الغرقفقد كفى منه صوب الوابل الغدق
بدائع من علاء الدين بت بهاألذ في طيب تقبيل ومعتنق
مطلوبه ورق مني ويا عجبامن الغصون إذا احتاجت إلى الورق
وقد بعثت به تجلى الخدود لهفي أحمر شرق أو أبيض يقق
وما علي إذا أرسلت رائدهوعاد بالشهب مخبوءا أمن الأفق
هذا عليّ وهذا جود راحتهيا من رأى البحر والأنواء في نسق
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع