من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
ابن قرناص، محيي الدين.
وهو من أهل حماة؛ ووقفت له على بديع رقم بغرائب النوار حماه، بيانا كالجوهر المعدود، وإحسانا كلّ سمع به معقود؛ كأنه شخص الحبيب بدا لعين محبه، أو طيف الخيال وأدني في قربه؛ وسمعت له كلما كلّما قرأتها استجدتها، وفقرا لقرى المسامع، مهما قدمت لك استزدتها.
فمن نثره قوله:
وسار في فرسان كالأسود، إلا أن براثنها السلاح، وجنود كالطيور، إلا أنها تسبق الرياح، حتى أتى فلانة، ورتب عليها نوب اليزك، للمخايلة لا للمخاتلة، وانتظر أن يخرج إليه صاحبها متضرعا، أو يقصد إليه متخضعا، لأنه إنما قصده غضبا لله، لما انتهكه من محارمه، وأقامه لما رأى العدل الذي شرع في هدم معالمه؛ وشفقة على خلق الله الذين بسط عليهم منذ وليهم أيدي مظالمه؛ فلما أبى إلا الطغيان، والتمادي في مهالك العصيان، واغتر بأصحابه الذين هم معه بأجسامهم وعليه بقلوبهم، ووثق برعاياه الذين كانوا أوقعوا معه بذنوبهم،
فلصق الجيش المنصور بالسور المقهور، فدنا وتدلى، ورأى الخصم عين القصم، فعبس وتولى، فكشفت الستور، وهتكت حجابه، وتبرج كل برج فحسر الزراقون لثامه، وأماطت النقابون نقابه، وطلعت على الأسوار المنيفة من الأعلام الشريفة كل راية صفراء فاقع لونها تسر الناظرين، وأيد الله الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين.
ومنه قوله:
فلم تر إلا شجرة قائمة على أصولها، وكروما خاوية العروش، وسقيط البلح المبثوث، وجبالا كالعهن المنفوش.
ومن شعره قوله:
خذه إليك أدهما محجلامن يعل يوما متنه فقد نجا
يريك من تحجيله ولونه«طرة صبح تحت أذيال الدجى»
ومنه قوله:
من لقلبي من جور ظبي هواهلي شغل عن حاجر والعقيق
خصره تحت أحمر البند يحكيخنصرا فيه خاتم من عقيق
ومنه قوله:
جرح الفؤاد غداة جاء مجرحاظبي من الأتراك معسول اللمى
أيلام عاشقه لفرط بكائهوعليه أعين درعه تبكي دما
ومنه قوله:
وكأن مسطولا غريرا قد غدايرعى الحشيشة من جآذر جاسم
«وسنان أقصده النعاس فرنقتفي عينه سنة وليس بنائم»
ومنه قوله:
إلى الله أشكو داحسا قد أضرّ بيبوخز حكى وخز الرماح المداعس
وإني لفي حرب إذا بات ضارباعليّ ومن يقوى على حرب داحس
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع