من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
شهاب الدين النسائي، أبو المؤيد، محمد بن أحمد بن علي بن عثمان بن المؤيد الخرندزي
كتب الإنشاء للدولة الخوارزمية، وكبت الأعداء بالصولة العجمية، وكان ذا فصاحة بلّغته شغاف الأرب، وسوّغته نطاف الأدب كالضرب، وفرغته لاقتطاف بدائع العرب؛ وصنف سيرة سنيّة تسمع وقائع سيوفها المشرفية في الرقاب، وتبصر صنائع معروفها وقد مضت عليها الأحقاب، وفاء بعهده لتلك الدولة التي والاها وخدمها، وأولاها ما شرّف بغرره خدمها، فلم يدع مما يبهج حرفا ولا يدع للسان الطيب اللهج عرفا، بعبارة صاغها بلطافة، أعجب من الفريد، وأعجل في القلوب تأثيرا من لواحظ الغيد.
ومن نثره قوله من كتاب كتبه إلى الديوان العزيز مع رأس طغرل، وصل بغداد في الرابع والعشرين من ربيع الأول، سنة تسعين وخمسمئة، افتتحه بقوله تعالى ﴿هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ قال فيه:
وردت المراسم الشريفة بردع ذلك المارق الخائن، والمنافق الحائن، الذي استمرأ مرعى بغيه، واستعذب آجن غيّه، وأدلج في ليل ضلالته، وخبط في عشواء جهالته، شاربا من آسن الطغيان نهلا وعلاّ، غير مراقب في الله ذمة ولا إلاّ، مستسهلا للخطر الجسيم، مغترا بحلم الحليم غير مبال بانسلاخه من الدين، وخروجه عن زمرة المسلمين؛ نبذ أمر الله وراء ظهره، ولم يخش أليم عذابه، ولا راقب وبيل عقابه، فراسله الخادم داعيا له إلى الطريق اللاحب، ومشيرا عليه
باعتماد الواجب، مهيبا به إلى طاعة الإمام، وعارضا عليه تجديد الإسلام، أو الاستعداد للمصافّ، والرجوع إلى حكم الأسياف، فخيره بين هذين الأمرين، وحكّمه في أحد القسمين، وكلاهما عنده خطة خسف، ومورد حتف؛ فلما أبى إلا إصرارا على خطيئته، وإمرارا لحبل منيته ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اَللّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ دلف إليه الخادم في كتيبة شهباء من جنود الإمام، مقنعة بالزرد المحبوك، محتفّة بالملائكة، محفوفة بالملوك، يتألق حديدها، وتتذامر أسودها، وتئن كالجبل العظيم، والليل البهيم، ضاربة رواقات العجاج، ممتدة الأطناب في الفجاج، وكأن ظللها ليل ولهاذم الرماح نجوم، ودخان الأسنة نار، والصوارم جحيم؛ وكأن رماحها آجال إلا أن الممنايا في أوائلها، وحديدها نار إلا أن المنايا تجول في مناصلها؛ ولم تزل ترجف وفوقها جيش من النسور والعقبان، ويدأب بين أيديها جيش من السباع والذؤبان، وأرثها شخص المنون وهو عريان، إلى أن وافى ذلك المخذول وقد جمع للّقاء، واستعد في جيش جم تضيق بهم قذف البيداء، قد استلأموا للقتال، واستلموا كعبة الضلال، إلا أن الله صب عليهم الخذلان، لما تراءى الجمعان، وبرز الكفر إلى الإيمان، فتلا الخادم عليهم:
﴿قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اَللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ ولم يكن إلا كنغبة خائف أو لمعة خاطف، حتى انجلت جند الله عنهم وهم كأعجاز نخل خاوية، وأصول ذاوية، لا يعرف لهم قتيل من دبير، ولا يفرق بين مأمور وأمير، وأنفذ الله حكمه في الطاغية، وعجل بروحه إلى الهاوية، وملك الخادم بلادهم، وحاز طريفهم وتلادهم، ونساءهم وأولادهم، وبادر بإنفاذ رسول مبشرا، وأنفذ معه رأسه وطبله وعلمه،
ليلعم أن قد كسر وطل دمه، والخادم ينهي أن وراءه بلادا شاسعة، ومدنا واسعة، وهو بعيد الأيام، ولا يمكنه طول المقام.
قلت: وسلك هذا النّسائي مع سلطانه مهمها يعزف الجن في بيدائه، وتضيع الريح في أرجائه، في يوم تتململ أفاعيه في رمضائه، وتسجن وحشه في فضائه، يذوب به حصا الآكام، ويلفح الوجوه أشواظ الضرام، وقد صرّ الجندب، وصكّ وجه الغدير الطحلب، وصح أن الصدى قد قام يبلغ والحرباء تخطب، ولا ورد إلا راكد الشراب، أو مورد كأنه هجر الأحباب، كأنما صب على وجهه الزيت الذائب، أو ذرّ الكبريت للشارب، لا يهنأ برده، ولا يسوغ ورده، فقال له سلطانه: صف ما نحن فيه، فقال على البديهة:
قذفت بالعبّس وجه المهمهرميت منه مشبها بمشبه
والشمس قد أذكت ضرام نارهالكنه في موقد من أوجه
والقفر خاف لا يبين طرفهواضحها للعين كالمشتبه
وجندب الأرض بها مبلغوخاطب الحرباء كالمبتده
والورد لو يشرب عصفور بهعلى فسيح غدره لم يروه
مقتّر مقدر مكدرتقصر عنه صفة المشبه
فاستحسن أبياته، وأجازه عليها بلدا بعمله.
وسايره وقد لمع برق فائتلق، كأنه غرة في أدهم أو أبلق، أو سلاسل من ذهب وما لها حلق، لا يني غمامه ينهمر انهمارا، ويلد إثر القطار قطارا، وهو يجلو الظلماء بضوء جبينه الشرق، ويمتد من أرجائه ذهب ثم يتحدر من حافاته ورق؛ فأمره أن يقول فيه، فقال:
أنعت برقا في الدجى يأتلقكأنه في جلدتيه بلق
يجلو الدجى له صباح شرقيرفضّ منه وابل مغدودق
كأنه جود المليك المغدقأو أنه من كفه متدفق
طورا بدى حما وطورا علق ومن شعره قوله:
وإني لفي قيد هذا الزمانلكالدّرّ إذ بات حشو الصدف
وإني على الرغم من حسّديلأسلافي الصّيد نعم الخلف
فإن كان أنكر قدري الزمانفداهرة صدرت عن خرف
فعن أمم تنجلي عمّتيكبدر الدجى بعدما قد خسف
وتأتي المقادير منقادةتقول: عفا الله عمّا سلف
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع