من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
محمد بن محمد، عماد الدين، أبو حامد القرشي، الأصبهاني، الكاتب.
ركن الدّول وعمادها، ومزن الممالك وعهادها، علم يهتدي به الساري، وكرم ينتدي بسيبه الجاري، رسا كالطّود المرجحنّ وسرى كالجود فأوى إليه المستكنّ، وتحلّت به ترائب الأيام، وحلت بحجبه ربائب الخيام، فعلا مقدارا، وأبى أن يتخذ دارة البدر دارا، فقصّت دونه أجنحة النّعامى، وطرقت أفنية المعالي الأبكار والأيامى، وعزّ في تلك الدول فغالت في قيمته، وغالبت في نشر لطيمته، وكان ذا أيد تنهض بكلّ عظيمة، وتأبى كل هضيمة، بعزم يزاحم أبان، وتقدّم إذا نكل كلّ جبان، بأقدار لسان، وابتدار بديهة الإحسان؛ وكانت قصبات السبق لا تحرز إلاّ لأدهمه، ولا تحزر دارات البدور إلا لدرهمه.
نشأ في حجر عمّه المستوفي، وتأدّب بأدبه، وعرف في ديوان الخلافة
باسمه، وخدم الأبواب الإماميّة، فقدّم على الأولياء، وتمسّك بالأسباب العلمية ومواريث الأنبياء، وكتب للدّولة النّورية فازدادت به نورا على نور، وازدانت منه بفرائد بحور على نحور، واتصل بالمقام الصّلاحي، فأصلح الفاسد، وأربح الكاسد، وكان بالخدمة النّاصرية كاتب الإنشاء بها حقيقة، وساحب ذيل كلّ حديقة؛ وأمّا الفاضل فكان قد رفّع عنها وكبّرها ثم كان أكبر منها، وكان العماد بحرا يتلاطم موجا، وأفقا يتلألأ أوجا، وكان ملازما للسّلطان سفرا وحضرا، ووردا وصدرا، ومحصّلا بصحبته آلافا وبدرا.
وكان فقيها جدليّا، عالما فاضلا، أديبا، أريبا، كاتبا، شاعرا، ناظما، ناثرا، ذا تصرّف في البيان، وتفنّن في الكلام، لو ازدحم عليه ألف بريد لجهزة، أو نظم كلّ فريد لما أعجزه؛ وله الجيّد النّادر، والغضّ النّاضر، والبعيد المرام عمل الوقت الحاضر، وله التأليفات الكثيرة، والمصنّفات المفيدة، والرسائل البديعة، والقصائد الصنيعة، إلا أنه كان متطبّعا متصنّعا، يظهر عليه أثر الكلفة وثقل التصنّع، مغرى بالتجنيس مع ما فيه من الكلّ على المسامع، لقرب مخارج الحروف، مما تنفر منه الطباع.
وسئل الفاضل عنه، فقال: سيّدنا العماد، مثل الزناد، ظاهره بارد، وباطنه واقد.
وكان محلّ الثقة من الفاضل، آمنا من توثبه عليه، وتغلبه على ما جعله السّلطان إليه، وبهذا كان يطمئنّ إذا غاب مع ما ينويه من قلب السّلطان.
وكان العماد شديد الحرص على تحصيل الدّنيا، وكان الفاضل يلومه ويعتبه، ويعذله ويؤنبه؛ فبعث مرة يشكو إليه ضرورة، فكتب إليه الفاضل:
يا سيد أخيه، لا تسمع الدّهر هذه الشكوى، فيستعذبها فتستمر على العدوى؛ ولو اشتغلنا بالله لكان يغنينا، ولو قعدنا عن الرزق لأتانا لا يعنينا؛ وفي الحديث: «اتّقوا اللّه وأجملوا في الطّلب» ولا ندري كيف يكون المنقلب؛ فباللّه إلاّ ما سمعت وأخذت هذا الأدب.
وله في هذا حكايات، منها: أن رجلا من أهل حمص جاءه بطبق كيزان، وتفصيلة كتّان، قيمة ذلك كله نحو خمسين درهما، وسأل حاجة، فأخذ قصته وقرأها على السّلطان، وكان قد بلغه الخبر، فلم يجبه، فأعاد العماد عرض القصة وقراءتها مرات في مجالس عدة، والسّلطان لا يأمر فيها ولا ينهي؛ ففطن العماد وعلم أن الخبر قد اتصل بالسّلطان، فأعاد عرض القصة، فلما لم يجبه عنها، قال: يا مولانا، الطّبق الذي أحضره صاحب هذه القصة باق إلى الآن، لم أتصرف فيه، فإن كان ما ينقضي شغله أعدت إليه طبقه؛ فضحك السّلطان، وعجب من دناءة نفسه، وأمر بقضاء شغل الرجل.
وحكي أنه كان شديد التّهافت على أخذ الختوم الذّهب الذي يجئ على كتب الفرنج، فوصل منهم كتاب بغير حضوره، ففتحه السلطان بيده وأخذ بعض الحاشية الختم، فلما جاء العماد قيل له: اكتب جواب هذا الكتاب، فقال: يكتب جوابه من أخذ الختم؛ فعزّ قوله على السّلطان، وقال له: ثم اخرج الوقت، ما هو محتاج إليك؛ فأتى العماد الفاضل، وعرّفه بما كان، فقال له: رح إلى الخانقاه، واقعد بها مع الفقراء، والبس زيّهم؛ فإذا طلبك السّلطان قل: أنا قد دخلت في أمر لا أخرج منه؛ ثم لا تخرج حتّى يأتيك السّلطان بنفسه مرضيا؛ ثم لم يلبث
الفاضل حتّى أتته رسل السّلطان في طلبه، فلمّا أتاه شكا إليه العماد، وقال له:
اكتب جواب هذا الكتاب؛ فقال: واللّه ما أعرف ما أكتب فيه، لأن العماد كان يصدر هذه الكتب، ولا يعرفه سواه؛ ولم يزل يلطف الأمر حتّى قال: اطلبه؛ فبعث في طلبه، فلم يحضر، واعتذر، فعظّم الفاضل الأمر، وكرر الرّسل في طلبه وهو لا يحضر، فقال الفاضل: أنا أروح خلفه، وأتلطّف به، فو اللّه هذا باب ما يسدّه سواه؛ ثم ذهب إليه، فأطال المكث، ثم عاد إلى السلطان وقال: لقد حرصت به فلم يجب، ورأيته مقبلا على ما دخل فيه إقبالا ما أظنه بقي يخرج عنه، وما ضر السلطان لو زار الفقراء، وترضى عبده؛ ولم يزل به حتّى أتاه وترضّاه.
ومن نثره قوله جوابا عن السّلطان في تفضيل دمشق:
عرفنا طيب الدّيار المصريّة ورقّة هوائها، ونحن نسلّم إليها المسألة في طيبها وتوفير نصيبها، ورقة نسيمها ورائق نسيبها، لكن هلاّ رأت أن الشام أفضل، وأنّ أجر ساكنه أجزل، وأنّ القلوب إلى قبله أميل، وأن الزّلال البارد أعلّ وأنهل، وأن الهواء في صيفه وشتائه أعدل، وأن الزّهر به أشبّ، والنبت به أكهل، وأن الجمال فيه أكمل، وأن القلب به أروح، والرّوح به أقبل؛ ودمشق عقليته الممشوطة وعقلته المنشوطة، وحديقته الناضرة، وحدقته الناظرة، وهي عين إنسانه، بل إنسان عينه، وصيرفيّ نقوده، وعين نضاره ولجينه، فمستامها مستهام، وما على محبّها ملام، وما في رؤيتها ريبة، وفي كلّ جيرة منها حبيبة، ولكل شائب من نورها شبيبة، ومع كلّ ورقة ورقاء، وعلى كلّ معانقة من قدود البانات عنقاء، وشادي بانها على الأعواد يطري ويطرب، وساجعاتها بالأوراق تعجم وتعرب،
وكم فيها من جوار ساقيات، وسواق جاريات، وأثمار بلا أثمان، وروح وريحان، وفاكهة ورمّان، وخيرات حسان، وقد تمسّكنا بالآية والسّنة والإجماع، وغنينا بهذه الأدلة عن الاختراع والابتداع.
أما أقسم الله تعالى بدمشق في قوله: ﴿وَاَلتِّينِ وَاَلزَّيْتُونِ﴾ والقسم من الله بها دليل على فضلها المصون؛ أما قال رسول الله ﷺ: «الشّام خيرة اللّه من أرضه، يسوق إليها خيرة اللّه من عباده»؟. وهذا أوضح برهان قاطع على أنّه خير بلاده؛ أما الصّحابة رضوان الله عليهم، أجمعوا على اختيار السّكنى بالشام؟ أما فتح دمشق بكر الإسلام؟ وما ينكر أن اللّه ذكر مصر وسمّاها أرضا، فما الذّكر والتّسمية في فضيلة القسم، [ولا الإخبار عنها دليلا على الكرم، وإنّما اكتسبت الفضيلة] من الشّام، بنقل يوسف الصّديق إليها عليه أفضل الصّلاة والسلام، ثم المقام بالشّام أقرب على الرّباط، وأوجب للنشاط، وأجمع للعساكر السائرة من سائر الجهات؛ وأين قطوب المقطّم من سنا سنير؟ وأين ذرى منف من ذروة الشّرف المنيف المنير؟ وأين الهرم الهرم من الحرم المحترم؟ وبينهما فرق، ما بين القدم والفرق؛ وهل للنّيل مع طول نيله وطول ذيله،
واستطالة سيله برد بردى في نقع الغليل؟ وما لذاك الكثير طلاوة هذا القليل، وسيل هذا السلسبيل؛ وإذا فاخرنا بالجامع وقبّة النسر، ظهر عند ذلك قصر القصر، على أن باب الفراديس بالحقيقة باب النّصر، وما رأس الطابية كباب الجابية، ولو كان لناسها باناس لم يحتاجوا إلى قياس المقياس؛ ونحن لا نجفو الوطن كما جفاه، ولا نأبى فضله كما أباه، وحبّ الوطن من الإيمان، ومع هذا فلا ننكر أن مصر إقليم عظيم الشّأن، وأن مغلّها كثير، وماؤها غزير، وأنّ عدّها نمير، وأن ساكنها ملك أو أمير، وأن الذهب فيها لا يوزن بالمثاقيل ولكن بالقناطير؛ ولكن نقول كما قال المجلس السّامي الفاضلي، أسماه اللّه: إن دمشق تصلح أن تكون بستانا لمصر، ولا شكّ أن أحسن ما في البلاد البستان؛ وهل دمشق إلاّ مثل الجنان؟ وزين الدين وفقه اللّه تعرض للشّام فلم يرض أن يكون المساوي حتّى شرع وعدّ المساوي! ولعلّه يرجع إلى الحقّ، ويعيد سعد إسعاد وفاقه إلى الأحق.
ومنه:
ولو واصل خدمه بمقتضى مخالصته، لما وفى في جميع عمره، ببعض ما يجب عليه من حقّ المجلس وشكره، لكنّه يهاب الفضل العزيز فيتجنّب، ويستصغر قدره عند قدرة المعظم فيتأدب، ومن يقدم على مقابلة الشمس بسراجه؟ والعذب بأجاجه؟ والدّرّ بزجاجه؟ وأيّ قدر للقطرة عند البحر الخضم؟
وأيّ فخر للسّهى عند إنارة البدر التّم؟ وكلّما شرع في خدمة، فنصب يده المهابة وبسطتها الصّبابة، وجلى له جلاله وجه الهيبة، فرجع ممّا رجاه من سماحة خاطره بالظّنّة والخيبة، وقال لقريحته: دعي الاقتراح، ولا تستدعي الافتضاح، وليس إلاّ الاعتراف بالقصور، لا الافتراق للمحظور.
ومنه قوله:
على أنّه لم يبلغ مع استفراغ جهد البلاغة في الدّعاء والثّناء أمد المقصرين، وإن بذّ القرين وزاحم الأسود وولج العرين، فالعجز عن الإدراك إدراك، والمعجب في التّوحيد بادّعاء الحول والقوة إشراك.
ومما كتبه في فتح القدس:
﴿وَعَدَ اَللّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا اَلصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ اَلَّذِي اِرْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾.
الحمد للّه الذي أنجز لعباده الصالحين وعد الاستخلاف، وقهر بأهل التوحيد أهل الشرك والخلاف، وله الحمد الذي حقق بفتحه ما كان في النفس، وبدّل وحشة الكفر فيه من الإسلام بالأنس، وجعل عزّ يومه ما حيا ذلّ أمس، وأسكنه العالم والفقيه بعد البطرك والقسّ، وعبّاد الصّليب والشّمس، وأخرج أهل الجمعة منه أهل الأحد، وقمع من كان يقول بالتثليث أهل ﴿قُلْ هُوَ اَللّهُ أَحَدٌ﴾ وقد
فتح الخادم بحمد اللّه من الدّاروم إلى طرابلس، وجمع ما حوت مملكة الفرنج إلى نابلس، ورجع الإسلام الغريب منه إلى داره، وقرّ سيل السير في قراره، وطلع قمر الهدى، وملأ بألسنة عزّها ﴿نَصْرٌ مِنَ اَللّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ قريب المدى، وعاد الإسلام بإسلام البيت المقدس إلى تقديسه، ورجع بنيانه من التقوى إلى تقديسة تأسيسه.
ومنه قوله:
جوده جود، وطوله طود، وكرمه كرم يعتصر صفو سلافه، ونعمه نعم تنحر وتنهر لأضيافه، ولا يحبّ الدّينار إلا مبذولا لعافيه، ولا يدّخر كثيرا إلا لجنى راجيه.
ومنه قوله:
ما ظفر مدلج الإضلام بالسّنا، ومحوج الإعدام بالغنى، كظفر الخادم وفوزه بشرفه وعزّه، وسعادة جدّه وجدّة سعده، وحياة روحه وروح حياته، وحسنى حاله وحلية حسناته، وسنا سنائه المشرق عند إسفار إصباح أمله، وسفور وجه جذله، بورود المثال الممتمثل، المقبل المقبّل، المفضل المفضّل، عن المجلس العالي الفاضلي، لأفتئ حكم الشرع في شرع حكم فتياه فتيّا، وروض الولي بوليّ رضاه وجوده مجوّدا موليّا، ولا برح كاشحه يطوي على الشّح برح هوى، جوّه بالغيم مغيم، ومناصحه يحوي المنى، صحّة عقيدته وعقد صحته مبرم قويم.
ومنه قوله:
وكتبها المملوك في منزلة عيونها سخينة، ونطافها ثخينة، وفوّارها فوّار،
وأنجادها أغوار، وساكنها غير ساكن، وقاطنها غير آمن، وجدا جداولها علاقم، وجنى جنادلها أراقم، وحيّاتها موحيات، تسعى متلوّيات، وتلتوي ساعيات، كأنّما صاغت الجن من سنابكها الخلاخل، أو أراغت لنا من لواذعها الغوائل، ثقال الرءوس، كأنّها نصب الفؤوس، فهي حطب العطب، وخشب الأشب؛ فمن طوال كحراب الزّنج، وقصار كبنادق الشّطرنج، وأوساط كأسواط العذاب، سراع كأنامل الحسّاب، وقصار كبارقات السّحاب، ومارقات النّشّاب؛ ومنها ما هو كدباسق الأتراك، أو كألوية الأملاك، ومنها بتر كأيدي السّارقين، وخفاف كدين المارقين؛ ومنها ما هو كمزمار الزّطّ أو كزنّار القبط؛ ومنها ما هو كأنه أصهب الفهود، أو تكك ذوات النّهود، أو أنياب النّمور، أو كمخالب الصّقور، أو أعصاب الخيول، أو نياب الفيول، أو طوامير الكتّاب، أو مسامير الأبواب؛ ومنها كلّ برقاء إذا انسلخت من جلدها ألقت كمّ درع، ونقبت حديد ذرع، وسوداء كصحيفة المجرم، وصفراء كصفحة المتألم، قصيرة مقتصرة الأعمار، دقيقة جليلة الأخطار؛ الحيات أمها، والممات سمّها، عنبرة لا يحملها حامل ولا يشمها.
وبهذه الرسالة ذكرت شعرا كنت وصفت فيه منزلة كثيرة الأفاعي؛ ومنه:
وأرض ترى الحيات فيها سوارياكأنّ مساريها ضروب من الرّقم
أساود رقط كالنّمال دبيبهاولكن تراها في القساوة كالدّهم
وتختلف الألوان منها كأنّهاأزاهير روض وشّعتها يد الوسمي
إذا نشرت كانت حزاما وإنهاكعروة إذ تطوى المساحب للضمّ
ومطرقة فوق الكثيب كأنهاضفائر ضمّتها مبدّنة الجسم
وآخر من دون الطّريق محملقشجاع على متن الطريق له يحمي
ينضنض في فيه لسان مخصّركأنّ عليه طائر القطن والشحم
يشمّ دخان الموت من ليس دانياإليه ويلقى الموت من عاجل السّمّ
يذوب به قلب الحديد مخافةويفعل فعل النّار في موقد الفحم
تقنّع شبها بالكميّ وإنّهلأفتك منه إذ يطاعن أو يرمي
بمرهفة دلق يقصّر دونهامدى القاطع الهنديّ والرّمح والسهم
يساور أوهام اللّبيب أدّكارهويقتله قبل الغوائل بالوهم
إذا ما ترقّى الطّود خلت بأنّهيجاوز كثبان السّحاب إلى النّجم
وذوحنق ما البرق إلاّ شرارةلأنفاسه أورشق ألحاظه المصمي
ويحدث ما لا كان في شهب الدّجىخسوفا عقيب الشمس بالقمر التممّ
وأقسم لو ألقى على الصّمّ سمّهلأثّر ذاك السّمّ في شاهق الصّمّ
ثم نعود إلى تتمة كلام الأصفهاني، فمنه قوله:
صدرت هذه البشرى ودماء الفرنج على الأرض وقيل لها: ابلعي، وعجاجها في السّماء وقيل: أقلعي، وفاض ماء النّصال، وغاض ماء الضّلال، وهي بشارة اشترك فيها أولياء النّعمة، ونبئهم أنّ الماء بينهم قسمة.
ومنه قوله:
ووجدناها قلعة أرضها في السماء، وتلعة في حوزها حواز الجوزاء، وعلى كلابها عواء العوّاء، ما تمرّ السّحب إلاّ على سفوحها، ولا تسرق شياطين الكفر إلاّ من سطوحها؛ إنا جعلنا نجوم النصال لها رجوما، وأدمنا لوبل الوبال عليها سجوما.
ومنه قوله:
وأسلم البلد، وقطع زنّار خندقه، وأبيح حمى حماته، واستولى الفرق على فرقه، وتطايرت الصّخور في نصرة الصّخرة المباركة، وحجرت على حكم السّور بسفه أحجارها المتداركة، وطهرت الصّخرة بمياه العيون التي ببعدها قذيت، وصقلت بالشفاه وطالما كانت بأيدي المشركين قد صدئت.
ومن شعره قوله من قصيدة أوّلها:
وأسأل عنكم عافيات دوارساغدت بلسان الحال ناطقة خرسا
ومنها:
مضى أمس منّي في انتظار غد لكموكلّ غد لا شكّ منقلب أمسا
وقيل لنا: في الأرض سبعة أبحرولسنا نرى إلاّ أنا ملك الخمسا
ومنه قوله:
ما طبت نفسا ولا استحسنت بعدكمشيئا نفيسا ولا استعذبت لي نفسا
وكيف يصبح أو يمسي محبّكموشوقكم يتولاّه صباح مسا
نادمته وأخوه النّجم يحسدنيفإنّني كنت أرعاه إذا خنسا
ومنها قوله يصف مقتولا:
ما زال يعطس مزكوما بغدرتهوالقتل تشميت من بالغدر قد عطسا
ومنه قوله:
حيرتي طالت بذي حورطال في النّجوى محاوره
حلّ ما شدّت مناطقهثقل ما شدّت مآزره
ومنه قوله:
ثوى همّه لمّا ثوى الصّبر عندهمقيما وشطّ الصّبر في جيرة شطّوا
وأرّقه طيف فرى نحوه الدّجىوقد كان جيب الليل بالصبح ينعطّ
تشاغلتم عنه وثوقا بودّهكأنّ رضاكم عن محبّكم سخط
ملكتم فأنكرتم قديم مودّتيكأن لم يكن في الحبّ معرفة قط
ومنه قوله وقد اعتقل ببغداد:
قل للإمام: علام حبس وليّكمأولو جميلكم جميل ولائه
أو ليس إذ حبس الغمام وليّهخلّى أبوك سبيله بدعائه
ومنه قوله:
في بردك الأسد الهصور محرّشاوبجود كفّك تسكب الأمطار
تهب الألوف ولا تهاب ألوفهمهان العدوّ عليك والدّينار
ومنه قوله وقد جاء قفل من أصفهان لم يعرفه أحد منهم، وعرفهم كلّهم بآبائهم:
أنا ضيف وإنّماأين أين المضيّف
أنكرتني معارفيمات من كنت أعرف
ومنه قوله:
وما هذه الأيام إلاّ صحائفنسطّر فيها ثمّ نمحى ونمحق
ولم أر في عمري كدائرة المنىتوسّعها الآمال والعمر ضيّق
ومنه قوله:
هي كتبي فليس تصلح من بعدي لغير العطّار والإسكافي
هي إمّا مزاود للعقاقير وإمّا بطائن للخفاف
ومنه قوله:
وهضيم الكشح في حبّي لهلم يزدني كاشحي إلاّ اهتضاما
كرم العاشق فيه مثلمالؤم العاذل فيه حين لاما
بقوام علّم الهزّ القناولحاظ تودع السّكر المداما
خدّه يجرحه لحظ الورىفلذا عارضه يلبس لاما
ومنه قوله:
هلمّوا إلينا نحو مشمس جلّقوثم بمن نهوى على الأكل نلتقي
كأنّ مذاب الشّهد فيه مجسّدأجدّ له عهد الرّحيق المعتّق
حكى جمرات بالغضا قد تعلّقتفيا عجبا من جمره المتعلق
كأن نجوم الأرض فوق غصونهكرات نضار بالزّمرّد محدق
قلت: وقد ذكر الفاضل صلاح الدّين أبو الصّفا خليل الصّفدي، أن العماد كان قالها:
كرات نضار في اللّجين مطرّق فلما أنشدت السّلطان صلاح الدّين قال: تشبيه الورق باللّجين غير موافق؛ فغيّرها العماد كما ذكرنا.
وقوله:
قد كان يسمح بالوصال خيالهالو لم تضنّ العين بالإغفاء
ودنت تودع للفراق وإنّماإقصاء سهم القوس في الإدناء
وقوله:
بدر فؤادي في محبّة وجههبدريّه المعدود من شهدائه
رمق المحبّ فلم يدع رمقا لههلاّ أخذت ذمامه لدمائه
وقوله:
ماء الصّبا في وجنتيه ونارهضدّان [بين] تموّج وتلهّب
وكأنّ وجنته وخطّ عذارهفيها طراز مفضّض في مذهب
وقوله:
هات يا بدر الدّجى شمس الضّحىقهوة تهدي إلينا الفرحا
واملأ الكأس إذا فرّغتهاإنّ روح الرّاح يبغي شبحا
واقتدح زند سروري طرباواسقنيها كلّ دور قدحا
لا تلم يا صاح - أفديك - علىسكر قلب فيك لو صحّ صحا
وقوله:
وعلى السوالف منه فود مرسلفيه فؤاد المستهام مقيّد
متقلّد بدمي وظنّي أنهبمدامعي أو مثلها متقلّد
ما عاينت عيناي صدغا فاحماإلاّ وسواده لقلبي أسود
أيخاف عارضه عقارب صدغهوعليه رعف للعذار مزرّد
وقوله:
مشعشعة لاحت كأنّ مزاجهاكسا كأسها بالورس ثوبا مصبّغا
يطوف بها ساق من السّكر خلتهوقد عرفت منه الفصاحة ألثغا
إلى ريقه المعسول يظما محبّهوروّى به عود الأراك الممضغا
وما فتّر العينين إلا ليقتلاوما عقرب الصدغين إلا ليلدغا
وقوله:
يروقني في المها مهفهفهاومن قدود الحسان أهيفها
يا ضعف قلبي من أعين نجلأفتكها بالقلوب أضعفها
يا منكرا من هوى بليت بهعلاقة ما يكاد يعرفها
دع سرّ وجدي فما أبوح بهوخلّ حالي فلست أكشفها
وقوله:
نهيت فؤادي عن هواكم فما انتهىونهنهت دمعي في الغرام فمارقا
ومن فرط وجدي خلتم بي جنّةإذا لم ترقّوا لي فما تنفع الرّقى
وقوله:
هب أنّ قلبي للنّصيحة قابلما نافعي والدّمع ليس بقابل
مالوا إلى وصلي فحين وصلتهمملّوا وليس يملّ غير الواصل
وقوله:
سل سيف ناظره لماذا سلّهوعلى دمي لم دلّه قدّ له
واحذر سهام اللّحظ منه فإنّماعن قوس حاجبه يفوّق نبله
واقبل وإن حسدوك عذر عذارهواحسد على عسل بفيه تملّه
يا منجدا ناديته مستنجدافي خلّتي والمرء ينجد خلّه
سر حاملا سرّي فأنت لحملهأهل وخفّف عن فؤادي ثقله
فإذا وصلت فغضّ عن وادي الغضاطرف المريب وحيّ عنّي أهله
وقوله:
ألا يا عاذلي دعني وشأنيوما تجري المدامع من شؤوني
بكلّ خدينة للحسن ماليسوى بلوى هواها من خدين
كريم أو كغصن أو كبدربلحظ أو بقد أو جبين
تبسّم درّها عن أقحوانوأزهر وردها في ياسمين
وقوله:
قفوا وسلوا عن حال قلبي وضعفهفقد زاده الشّوق الأسى فوق ضعفه
أرقت فجفني ما يريق سوى دميكأنّ الهوى أوصى جفوني بنزفه
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع