تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

نصر الله بن محمد بن محمد، ضياء الدين، أبو الفتح، ابن الأثير الجزري، الكاتب. (٢)

ومنه قوله:

الخادم لا يشكو الأقوام، ولكن يشكو الأيام؛ فإن المعدى على قدر العدوى، والمشكو إليه على قدر الشكوى؛ وممّا يشكوه منها أنها تبادهه ولا تواجهه، وتسارره ولا تجاهره، ولو كان لها شخص للقيه بعزم مولانا فقارعه، أو أرهبه باسمه الكريم فوادعه؛ وهي عبيده، تجني وهو المطلوب بجنايتها، وإذا رأت بأحد عناية من جاهه قرنتها بعنايتها؛ والمملوك يطالب مولانا بأرش جراحها، ويسأله عناية تكف من غرب جماحها.

ومنه قوله في سرى النياق:

كم للركاب من يد لو علمتها لجعلت تراب أخفافها للعيون إثمدا، وخطط

منازلها للجباه مسجدا؛ فهي الحاملة أعباء الهمم، والممكّنة من نواصي النعم.

ومنه قوله:

جوده بعيد على الأمل، غير مفتقر إلى العذل، وإذا احتفل فهو نهر طالوت الذي حلل للغرفة لا للنهل.

ومنه قوله في كريم:

لا يضرب بين ماله حجابا وبين السائلين، وإذا عذل على الجود أجاب بقوله تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ اَلْجاهِلِينَ﴾.

ومنه قوله في الاقتصاد في طلب الرزق:

الإنسان في كفالة الله يرزقه غير واثق، وهو في كل طريق إليه سالك ولكل باب فيه طارق، وكثيرا من يأتيه الرزق وهو عن طلبه نائم، ويقعد عن ابتغائه وهو إليه قائم، ولا يصرف الأقدار إلا القادر على خلقها، وكم من دابة مرزوقة وهي ضعيفة عن حمل رزقها.

قلت: ذكرت بهذه الكلمة دعاء كتاب كتبه ابن عبد الظاهر عن الملك الظاهر إلي وزيره بأن يربع دواب الحرس، وكان قد أمر بإخصائها، لإزعاجها له بالنهيق، ثم رآها فرحمها، فأمر بذلك؛ والدعاء:

ولا زال يشكره غرب البلاد وشرقها، وحمامها وورقها، وما من دابة في الأرض إلا على الله - وعلى حسن تدبيره - رزقها.

عدنا إلى ابن الأثير:

ومنه قوله في ذكر الخدمة:

لو ساغ لوليّ من أولياء الديوان العزيز أن يمت بولائه، أو يدل بما أبلاه في الخدمة من حسن بلائه، لكان لسان الخادم في هذا المقام أكرم صدقا، أو مكانه منه أشرف حقا، لكن ليس لقائم بخدمتها أن يمن بقيامه، كمن ليس لمسلم أن يمن بإسلامه؛ والخادم وإن أمسك عن ذكر خدمه، فقد نطقت بها شهرة سماتها، وأصبحت مواقفها في المواقف أبكارا، ونطق البكر في صماتها، ولم تزل معروضة بالديوان العزيز، وكل وقت إبان وقتها، وهي كالآيات التي لا تأتي منها إلا كانت أكبر من أختها.

ومنه قوله:

ولطالما أورى الاغتراب عزا، وأثار من السعادة كنزا، حتى إن الله جعله سنة في أنبيائه ورسله، ونهج لهم سبيل العز بسلوك سبله، كسنة الغربة اليثربية، في الهجرة النبوية، وما أوجسه من القوة بعد الفرار، والكثرة بعد ثاني اثنين إذ هما في الغار؛ والتقليل سبب للسكون، والشهادة داعية لهدوء العيون، ولو لزم السيف غمده لم يبن أثر مضاربه، ولا خدمه لسان في نظم شاعره ولا نثر خاطبه، وبالاغتراب عذب ماء البحر لما فارق السحاب.

ومنه قوله:

له القلم الذي يصرع الخطب الجليل بضعفه، ويسبق الحرف الأمون

بحرفه، وإذا نكس رأسه رأيت أبهة الخيلاء في عطفه، فهو يجل بأسا ويدق

جسما، ويمج من لسانه شهدا وسمّا، فإذا ارتقى أنامله قيل: خطيب رقا منبرا، وإذا اهتز في يده كأنّه جانّ ولى الخطب مدبرا.

ومنه قوله:

لو ذهب الحزن بالدمع وانهماله، لكان الصبر بصاحبه أحرى، ولو لم ينل به أجرا، فكيف وصلوات الله ورحمته من ثوابه، وما اعتاض المرء صبرا عن المصاب، إلا كان فيه عوض عن مصابه.

ومنه قوله:

المكر ضراب من تحت الثياب، وسيفه لا يقطع إلا وهو في القراب، وصاحبه يلقى بوجه الأحباب، وهو كالجبل الذي تحسبه جامدا وهو يمر مرّ السحاب، يفرق الجموع وقد كادت تكون عليه لبدا، ويجعل قوتها أضعف ناصرا وكثرتها أقل عددا، ويستغني بلين كيده عن شدة أيده، وكثيرا ما يطعن أقرانه قبل الطعان، ويفاجئهم بالذعر وهم من الأمن في صوان.

ومنه قوله في التضرع إلى قريب مضايق:

أنا أسأله بالرحم التي أمر الله باتقائه واتقائها، وتكفل بالإسقاء يوم القيامة لمن تكفل بإسقائها، واشتق لها لكرامتها عليه اسما من اسمه، وقسم لواصلها ببسط العمر والرزق اللذين هما من أفضل قسمه، فلا تتركني أتأوه بقلب المتألم، وأجهر بلسان المتظلم، وأن أصله بسهام الدعاء القاصدة، وأحاكمه إلى صراعة البغي التي ليست عن الباغي براقدة، وأتمثل بقوله تعالى: ﴿إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ﴾ ويعز عليّ أن ألقاه بهذا القول

الذي أنا فيه غير مختار، ولئن كان من المحظور النهي عنها، فالمحظور يباح لمرتكبه عند الاضطرار.

ومنه قوله في تذكير بعض الطغاة:

تذكير الطاغي من سنة الله التي خلت في عباده، وإن عسر نقله عما جبلت عليه فطرة ميلاده، وقد أمر موسى بتذكير فرعون مع أنه لم يستفد ذكرى، بل زاد إلى طغيانه طغيانا وإلى كفره كفرا.

ومنه قوله: ونصبت المجانيق فألقت عصيها وحبالها، وصبت على أقطار البلد نكالها، فسجدت لها الأسوار سجود السحرة لفعل العصا، وبادرت بالإيمان لها مبادرة من أطاع وما عصى، فلم يكن إيمانها إلا بعد إذن الأحجار، التي ما أذنت لمشيد إلا أخذ في البوار، وخر من الأقطار، وأصبح كشجرة اجتثت فوق الأرض مالها من قرار.

ومنه قوله في كتاب:

ورد كتابه فطلع طلوع الصباح السافر، على المدلج الحائر، لا بل أقبل إقبال الحياة على الأجساد، والحيا على السنة الجماد، فعظم موقعه أن يزال باليد أو ينال بالنظر، أو يوصف بأنه ثاني المطر، أو ثالث الشمس والقمر.

ومنه قوله، رسالة في البندق:

من المآرب ما يفعل طالبه، ويرتاح ناصبه، ويشترك فيه الناس، فكل منهم صاحبه كالقنص الذي هو للخاصة نهزة مراح، وللعامة صفقة أرباح، وهو جامع لرياضة أجسام ومسرة أرواح؛ وسأذكر موقفا وقفته وموسما عرفته، تخلسه الدهر إذا عرفته؛ وذلك أني في زمن الربيع، والأرض ديباجة، والسماء زجاجة، والجوّ

قد أصبح بأنفاس الرياض معطرا، والشمس قد ضربت في أرجائها عمودا، فاخضر اخضرارا معصفرا، ولقد أصاب من مثل العام شخصا، وجعل الربيع بمنزلة ثغره النسيم، أو عمرا وجعله بمنزلة شبابه الوسيم، وقد زاد عندي حسنا أني أصبحت في هذا اليوم أصحب أخاه الذي شابهه في اعتدال زمانه، لا في تلون ألوانه، وناسبه في طيب شيمه، لكنه أسخى منه في فيض كرمه، وهو مولانا الملك الذي سعيه مشتقّ من لقبه، وسبقه إلى المعالي كسبق المنتمي إليه من نسبه، والمسمون بالملك كثير، غير أن هذا الاسم لا يختص إلا به:

ملك زهت بمكانه أيامهحتى افتخرن به على الأيّام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ذكر الصبى ومراتع الآرام»

وكان المنتظم بخدمته في هذا اليوم غلمان كأنهم لؤلؤ منظوم، وهو أشرف خادم لأشرف مخدوم، ومقامهم في الحسن سواء، فلا يقال فيهم: وما منا إلا له مقام معلوم، وكلهم قد تأهب للطرد تأهبه للطراد، وهم متقلدون قسي البندق مكان النجاد، فإذا تناولوها في أيديهم قيل: أهلة طالعة من أكفّ أقمار، وإذا مثل غناؤها وغناؤهم قيل: منايا مشوقة بأيدي أقطار؛ وتلك قسيّ وضعت للعب لا للنضال، ولردى الأطيار لا لردى الرجال، وإذا نعتها ناعت قال: إنها جمعت بين وصفي اللين والصلابة، وصيغت من نوعين غريبين، فحازت معنى الغرابة، فهي مركبة من حياة ونبات، ومؤلفة منهما على بعد الشتات، فهذا من سكان البحر وسواحله، وهذا من سكان البر ومجاهله، ومن صفاتها أنها لا تتمكن من البطش إلا حين تشدّ، ولا تنطلق في شأنها إلا حين تعطف وترد؛ لها بنات أحكم تصويرها، وصحح تدويرها، فهي في لونها صندلية الإهاب، وكأنما صنعت لقوتها من حجر لا من تراب، فإذا قذفتها الأطيار قيل: ويصعد من الأرض من

جبال فيها من برد، ولا ترى حينئذ إلا قتيلا، ولكن بالمثقل الذي لا يجب في مثله قود، فهي كافلة من تلك الأطيار بقبض نفوسها، منزلة لها من جو السماء على أم رؤوسها، فما كان إلا أن ابتدر أولئك الغلمان طلقا من الرمي، يأتي على اختيار المختار المنايا ذات أسماع وأبصار، وإذا عرض له السّرب لم يخش فوت خطأ ولا فوت قرار، فمن بين دراجة أدرجت في ثوب دمائها، وحمامة حمّ عليها نزع دمائها، ومن كروان فجع بينهم فراخه، وإوزة ودّت لو لجأت إلى الصائد ومكيد فخاخه، فلم يضرنا مع ذلك فقد المنتخب من الجوارح، وكان اليوم كيوم المحصب من كثرة الذبائح، وشهدت في خلال هذا المنتزه من لطائف اللذات ما يغلو على مستامه، ولا يجيله خاطر المنى في أوهامه، وإذا تذكرته النفس أعاد آخر طعمه أوله، وقالت: ترى الدهر نام عنه أو أغفله، على أنه لا يستغرب مواتاة مثله لمثل هذا السلطان، الذي الأيام له عبيد، ولا تمضي إلا ما يريد، ومن أكرم نعم الله عليّ أن أصبحت من خدمه معدودا، وعلى خدمته محسودا فلهذه النعمة أن أمسكها إمساك الشكور، وأصاحبها مصاحبة الغيور، وقد كنت بالأمس أنذر لها نذورا، وأنا الآن واف بتلك النذور، والسلام.

ومنه قوله من كتاب كتبه في معنى كتاب فاضلي، كتبه إلى الظاهر يعزيه بوالده؛ وكان جرى حديث هذا الكتاب في بعض المجالس فاستحسن، وطلب الجماعة الحاضرون أن يعارض بمثله، فأملى هذا الكتاب عليهم، وكان المتوفى قد مات وقت الصباح:

كتب المملوك كتابه هذا في ساعة أفلت الشمس فيها عند الصباح، وذهبت بروح الدنيا التي ذهبت بذهابها كثير من الأرواح، وتلك ساعة ظلت بها

الألباب حائرة، وتمثلت فيها الأرض مائرة، والجبال سائرة، وأغمد سيف الله الذي كان على أعدائه دائم التجريد، وخفت الأرض من جبلها الذي كان يمنعها أن تميد، وأصبح الإسلام وقد فقد ناصره، فهو أعظم فاقد لأعظم فقيد، وليس أحد من الناس إلا وقد أصم سمعه الخبر، وأصيب في سواد القلب والبصر، وقال وقد توفي رسول الله ﷺ بقول عمر، ولما غلبت على الدفاع عنه ألقيت بيدي إلقاء مكسور الجناح، واستنجدت الدموع والدموع من شر السلاح، ونظرت إلى العساكر حوله ولا غناء لها عن كثرة السيوف والرماح، وقد ودعته وداع من لا مطمع له في إيابه، وحال الترب بيني وبينه فصار بعيدا مني على اقترابه، وبرغمي أن يمشي لي قلم بعزائه، وأن أكاتب به أعز أعزائه، وليس عندي صبر حتى أحثّ على مثله، ولو كنت من رجاله لغلبني الأسى بخيله ورجله، والذي يستنطقه المولى من رأي فإن هذه الرزية أخرسته عن الكلام، وتوفته مع مخدومه الذاهب فاستويا جميعا في الحمام، ولكن في وصية عبد الملك لأولاده ما يغني عن الآراء واستنطاقها، وقد ضرب لهم مثلا في الاجتماع والافتراق باجتماع القداح وافتراقها؛ والسلام.

ومنه قوله ما كتبه إلى الأفضل عليّ عند عوده إلى الديار المصرية المحروسة:

﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي اَلزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ اَلذِّكْرِ أَنَّ اَلْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ اَلصّالِحُونَ﴾

يقبل الأرض بالمقام الشريف العالي المولوي السلطاني الملكي الأفضليّ النوريّ، جعل الله الليالي والأيام من جنده، وأظهر آيته في اعتلاء أمره وتجديد جده، ووهبه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وعقد له لواء نصر لا شركة للناس في عقده؛ ويهنئ مولانا بأثر نعم الله المؤذنة له باجتبائه، حتى بلغ أشده واستخرج كنز آبائه، ولو أنصف لهنأ الأرض منه بوائلها والأمة بكافلها، خصوصا أرض

مصر لأنها قد حظيت بسكناه، وغدت في بحرين من فيض البحر وفيض يمناه، فأصبحت تشمخ بأنفها، وتسمو بطرفها، وتجير من الأيام وصدفها، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها، أو سيقت إليه الجنة بنضارتها وسرورها:

ما زلت تدنو وهي تعلو عزةحتى توارى في ثراها الفرقد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

وقد كان منتهى أمل الأولياء أن تعود الضالة إلى ربها، وتفك الطريدة المغصوبة من يد عضبها، فأتى فضل الله بما لم يؤمله أمل الآمل، وعوض عن القطرة الواحدة بسحاب هاطل، وهذه نعمة يضيق عنها مجال القول المعاد، ويسرع بياضها في سواد الحساد؛ فلو غدت الجباه ساجدة، والقلوب حامدة، والأيدي ترفع الدعاء بادئة وعائدة، لما وفى ذلك بحقها، ولا أخرج الأعناق من عهدة رقها؛ وأحسن ما فيها أنها زارت على غير ميعاد، وحثت ركابها من غير سائق ولا حاد، وتخطت وقد ضرب دونها بسور من صدور الظبا ورؤوس الصعاد، فلم يكن لأحد فيها منة سوى الله الذي قرب بعيد أسبابها، وفتح مستغلق أبوابها، وأبرزها على حين غفلة من حجابها، فيجب على مولانا أن يختزنها بالإنفاق، وأن يقيدها بالإطلاق، وأن يقص أجنحتها لتظل طائرة في الآفاق؛ والمملوك في هذه الوصية كصيقل نصل له من جوهره صقال، وعاصر سحاب له من نفسه انهمال.

ومنه قوله في المجانيق:

ونصب المجانيق فأنشأت سحابا يخشى محلها، ولا يرجى وبلها، فما سيقت إلى بلد حي إلا أماتته، ولم تأته إلا أتاه أمر الله إذ أتته، فلم تزل تقذف

السور بصوبها المدرار، وتنزل عليه جبالا من برد غير أنها من أحجار.

ومنه قوله في التوكل:

وألطاف الله لا يعرفها إلا من عرف الله فوفاه حقه، ولم يكن ممن ضرب له مثلا ونسي خلقه.

ومنه قوله:

وأفتى قوم بوقار المشيب بغير علم فضلوا وأضلوا، وما أراه إلا محراثا للعمر، ولم تدخل آلة الحرث دار قوم إلا ذلوا.

ومنه قوله في الحث على الصدقة:

إنما الصدقة لمن قمصه الفقر لباسا، فستر ذلك اللباس، وكان لا يفطن به فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس، والنار تتقى بشق تمرة، وما سد رمقا لا يطلق عليه اسم قلة، وإن لم يكن موصوفا بكثرة.

ومنه قوله في عيادة مريض:

ولما بلغ المملوك خبر شكاته، هيض منه ما ليس بمهيض، وأصبح وهو الصحيح أشد شكوى من المولى وهو المريض، وقد ودّ لو وقاه، وتلك أقصى درجات الوداد، ولم يق إلا نفسه بنفسه، وقد تجتمع النفسان في جسد من الأجساد، ولقد ناجى المملوك نفسه: إن هذه الشكاة لا تلبث إلا تلبث الزائر عند المزور، وإنها لم تأت إلا لتظهر ما عند الناس من مودات الصدور، فكم من أيد بالدعاء ممدودة، ونذور عند الله ليست بمعدودة، ولقد أخذ المملوك بالخبر النبويّ، فجعل الصدقة طبيبا، وتقالّ بأحاديث منام لم يحدث بها إلا لبيبا أو حبيبا.

ومنه قوله:

وهم سيوف الله التي إذا جردت زالت الهام عن مناكبها، واستوى في القتل نفس مضروبها وضاربها، فما عليها جاهدت صابرة محتسبة ما كان من موارد هلكها، ولا ألم عندها للكلوم إذا جاءت يوم القيامة، ولونها لون دمها وريحها ريح مسكها.

ومنه قوله في عدم قبول توبة باغ:

التوبة وإن جبت ما قبلها، فإنها معتبرة ممن ندم على ما فات، وأخلص فيما هو آت، وأما من يظهر أمرا ويبطن خلافه فإنه لا يلج بابها، ولا يرجو ثوابها.

ومنه قوله:

الفراسة تقرب عيونها، وتصدق ظنونها، والإنسان شر مكنون، يظهره الاختيار، ويخفيه الاختبار، وقد عولنا في ولاية فلانة على فلان، وما أهلناه لها حتى توسمنا منه ما نتوسم من الصالحين، وعضدنا رأينا فيه برأي من عندنا من الناصحين.

ومنه قوله:

فلان يومه في الصحبة كغده، ولسانه في العفاف كيده، لا يحفر لأخيه قليبا، ولا يكون على عوراته رقيبا.

ومنه قوله:

مواقيت الحمد مقسومة على مواقيت النعم، ولكلّ منهما قسمة منه وإن تفاوتت في أقدار القسم، ولا نعمة أعظم من سعادة المثول بالديوان العزيز الذي يرغب إليه ويرهب، ويقرأ فضله في السماء ويكتب، ويحجب لمهابته عن

الأبصار، ويداه عنها لا تحجب؛ والعبد يحمد الله على هذه النعمة حمدا لا يزال جديدا، وليس فوقها غاية في الزيادة حتى يسأل مزيدا، ولو أمن إنكار أمير المؤمنين لخرّ بهذا المقام ساجدا، وهو يسجد له طائعا كما يسجد لله عابدا:

طلبنا رضاه بترك الذيرضينا له فتركنا السّجودا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحلما نرى أم زمانا جديدا»

ولو بصر مخدوم العبد بمكانه لحسده على مواضع رجله، ورأى العلياء وهي شراك لنعله، وقال: يا ليتني فزت بمثل هذا الحظ الذي ليس شيء كمثله، وكيف لا يحسد وقد وقف بموقف يقرب من الجنة ويباعد من النار، ويقمص الواقف به رداء فخر لا يخلق على تطاول الأعمار، ويعطيه أمانا من زمنه حتى يصبح وله على الزمن الخيار، ولا جناح عليه أن ملكته مخيلة الإعجاب، وأن رأى السماء فوقه وهي منال يد في الاقتراب، ولولا أنه بصدد أداء الرسالة التي يحملها لبسط من عنانه، وانتهى إلى غاية ميدانه.

الآن ينهي خدمة مخدومه الذي له في الأولياء نسب كريم، وعرق قديم، يقول الاستحقاق: وأنا به زعيم، ومن أحسن أوصافه أنه لا يمتّ بما عنده من عقيدة في الطاعة ناصعة من الأكدار، راقية كل يوم إلى درجة تحتاج في التي قبلها إلى الاستغفار، ولئن حصل بذلك على مراضي أمير المؤمنين فإنه لا يني فتورا، ولكنه يأخذ بالقول النبوي فيقول: «ألا أكون عبدا شكورا.

وله شعر ذكره ابن العطار، منه قوله:

رضيت بما ترضى به لي محبةوقدت إليك النفس قود المسلم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فراق ومن فارقت غير مذمم»
ومثلك من كان الفؤاد شفيعهيكلمني عنه ولم يتكلم

وقوله:

لا طرق الداء من بصحبتهيصح منا الرجاء والأمل
لا عجبا أن نقيكم حذرانحن جفون وأنتم مقل

وقوله:

وساءلتموه بعدكم كيف حاله[و] ذلك أمر بين ليس يشكل
فعن قلبه لا تسألوا فهو عندكموأما عن الجسم المخلف فاسألوا

وقوله:

ثلاثة تجلو الفرحكيس وكوب وقدح
ما ذبح الدنّ بهالكن للهمّ ذبح

وقوله:

وأهيف تحكيه الغزالة مقلةوجيدا ويحكيها لنا في شماسه
أعار قضيب البان لين انعطافهفأهدى إليه حلة من لباسه

وقوله:

لولا الكرام وما سنّوه من كرملم يدر قائل شعر كيف يمتدح

وهذا البيت عكس قول أبي تمام:

ولولا خلال سنّها الشّعر مادرتبغاة الندى من أين تؤتى المكارم

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.