من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
ابن أبي الحديد، عز الدين، عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن محمد الحسين بن أبي الحديد، المدائني، أبو حامد.
كتب في ديوان الخلافة، وكبت من برع في المقال خلافه، وكان ذا لسن وبراعة، ورسن ممتد في البراعة؛ وكان من غلاة الشيعة، وولاة مقالات الرفض الشنيعة؛ رأس في الاعتزال، وكيس جدل يتفقأ سمنا بالهزال، على أنه كان
يظهر التمذهب للشافعي، وكان أصوليا لا يحبس لسانه بالعي، مع أنه كان بالبيان يسحر، وبالجمان يسخر.
وهو الذي عاب على ابن الأثير الجزري في «المثل السائر» ووضع عليه «الفلك الدائر» كما قدمناه في ترجمة المذكور، وما قصر في المناقشة، ولا عذر في المعاجلة له والمباطشة.
ومن نثره قوله:
وبعد، فقد عرض بالديوان العزيز كتابك أيها الزعيم، وخطابك وأمير المؤمنين عليم، وشرحت ولاءك وذلك حبلك الوثيق، وكذلك إخلاصك القديم، وانتماؤك إلى الباب الأشرف، وهذه عقيدة أخذتها عن سلفك ﴿وَما يُلَقّاها إِلّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ نعم، ولا يلقنها إلا ذو فعل كريم، من ذي سلف كريم،؛ وبرز الأمر الأشرف عن الديوان العزيز بتلقي واردك بالكرامة التي عدّيت بها رتبة كل نظير، وأصبحت وعلى رأسك شربوش وتاج، وأنت صاحب تخت وسرير، وستجاب من ديوان الوزارة المشرفة مفصلا عن فصول كتابك، وحسبك حسبك شرفا تتشرف به من الديوان العزيز، إذ كان هذا من خطابك.
ومنه قوله:
وانتهى أمر الجزري إلى أنه قلع قلع الجزر، وما أغناه ما تكهن أو حزر، وهذا معجل كل مائق، وله مؤجل يأتيه يوم تقوم الخلائق.
ومن نثره قوله في تقليد قاض:
وأرفع المناصب وأعلاها، منصب الحكم العزيز، الذي يجتبي الشرع في
ندبه، ويجتني السمع ثمرات كل شيء من جنبه، ويعرف به الحلال والحرام، ويتصرف في أوامر ذي الجلال والإكرام، وإن أحق من ألقي زمام أحكامه إليه، من تفرد بما لديه، وفاز بسهم معلى من العلوم، وأخذ من فنونها بنصيب معلوم، دأب نفسه في تحصيل نفائسها، واجتلاء غرائسها؛ فكم من أحاديث نبوية يعرف السقيم فيها من الصحيح، والعدل من رجالها من الجريح، وعلم الرواية على تشعبها، والأسانيد وطرقها، في حالتي تسهلها وتصعبها؛ وكم تفاسير كشف حقائقها، ومشكلات تأويل أظهر تحسين إيضاحه طرائقها، وكم فروع مسائل أصّلها، وأصول فقه حواها وحصّلها.
وكنت أيها القاضي فلان، لك فخر بعلم علمها لا يباهى، وورع لا تماثل فيه ولا تضاهى، وإفادة ينصب الطلبة لاستفادتها، وتشره الأسماع لحسن إيرادها واستعادتها؛ فلذلك أعهد عليك في القضاء بمدينة كذا، وألق من علومك ما يلاقي من أجله ذوو الطلبة للاستفادة، واعلم أنك حصلت على السعادة الدنيوية، فاعمل على الأخروية، فإنها أعلى السعادة، واجر على عادتك [في] التحرز في الأحكام، وامض على سننك في الاحتياط في كل نقض وإبرام، وأرع يراعك كل ما يفتقر أن يرعى، وكل ما يجب أن يمعن فيه النظر عقلا وشرعا؛ ثم والعدول فلتعتبر أحوالهم، وألزمهم بكل ما هو أجمع وأحوى لهم، فبهم تؤخذ الحقوق وتقام الحدود، وهم أمناء الله في أرضه، حيث هم على خلقه شهود، ومن وصايا العلم في تحقيق مسائل الخلاف لك عناية، فها عادة لا تقطع، وعدة لا تستدفع، وهي للمكمل الأدوات، المبرز بجميل الصفات، تذكرة تبدؤك نصائحها، وتتضح لديك مصالحها، فخذها نصب عينيك وتجاه أمرك، وأدم إحضارها في قضاياك ومرورها على فكرك.
ومن شعره قوله:
بالله ضع قدميك فوق محاجريفلقد قنعت من الوصال بذاكا
وأطل معاتبتي فإن مسامعيتهوى حديثك مثل ما أهواكا
لا عانقتك من البرية كلهاإلا يدي اليمنى وبند قباكا
كلا ولا رشفت رضابك بعدماقد ذقته إلا التي تهواكا
ومنه قوله في مليح جعل عارض الجيش، وخلع عليه خلعة خضراء:
وأهيف كالقضيب قدافي خضر أثوابه يميد
قبلته باعتبار معنىلأنه عارض جديد
واتفق له سرى ليلة برقها قد سرى، موهنا كوجيب الفؤاد، وموهما بأن طرفه لم يكتحل برقاد، كأنه فرس معار أشقر، أو نار تشب ضرمة وما خفي منه أكثر، والرباب دون السحاب كخليع من الفتيان يسحب مئزرا، وأمّ رؤوم على الأرض تدهن لمم الثرى، فقال:
أسري وومض البرق يخفق قلبهويذكي له في الليل قدح زناد
ويوهمني أن ليس يكحل عينهرقاد، بلى قد كحلت برقاد
ودون الغوادي للرباب جلاجلتزور وهادا من عليّ نجاد
تزور بمبتل الحيا هامد الثرىوترشف ثغر النور ريق غواد
ثم لما أبهم عليه الأمر وأشكل، ولم ينخ راحلته فيعقلها ويتوكل، وقد سرى في ليل يخفي ظلامه قصد السبيل، ويملأ هوله صدر الذليل، ويفترس غوله خلب الغرير فكيف الدليل، تململ وتضجر، وقال لم يتصبر:
ما لي ولليل وظلمائهومهمه يحار فيه الدليل
كأنني في لجة غارقيا قوم قولوا لي كيف السبيل؟
ومن شعره أيضا مما أنشدنيه شيخنا أبو الثناء الحلبي، قوله:
أفدى الذي زارني والخوف يقلقهيمشي ويكمن في العطفات والطرق
قبلت أطراف كفيه على ثقةبالأمن منه وخديه على فرق
فكان في أخريات السكر مضطرباإذا أراد انتظام اللفظ لم يطق
لله ما أحسن الصهباء منعمةعلي إذ علمته طيبة الخلق
أهدت إليه سرورا نلت معظمهكالفعل ينصب مفعولين في نسق
وقوله:
أعدى البياض إلى مجاورهما ذاك إلا أنه مرض
هلا تيسر للسواد كذاوكلاهما في حكمنا عرض
وقوله:
يا من يدلس بالخضاب مشيبهإن المدلس لا يزال مريبا
هب ياسمين الشعر عاد بنفسجاأيعود عرجون القوام قضيبا
وقوله على الجادة في تفضيل السيف على القلم:
وما تدرك الأقلام شأو مهنديضيء إذا ما قام بين الكواكب
وأنّى لها وهي التي في طروسهاتخر على الأذقان سود الذوائب
وكم بين من يبكي إذا ما انتدبتهلأمر وبين الضاحك المتلاعب
وقوله في عكسه على طريقة ابن الرومي في المغايرة:
وما تطرق الأقلام في الطرس ذلةولكنها حيات رمل قواتل
ومن أين يلقى السيف بعض فعالهاوآثارها من غير جرح عوامل
إذا كان بين المرء والسيف حائلفليس عن الأقلام والمرء حائل
وقوله مما كتب به إلى بعض أصحابه وقد فصد:
يد تسيل المعاني بين أسطرهاما عودت غر مس الطرس والكاس
تجري دماء الأعادي وهي سالمةأنّى جرى دمها من مبضع الآسي
سهّلت يا وارث العليا المقام لهأم كان فاصدها من أشجع الناس
كأنما شق منها رأس مبضعهبحرا من الجود أو طودا من الباس
وإذ ذكرناه فلننبه على ذكر أخيه:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع