تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

ومنهم ولده، وهو محمد بن نصر الله بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني، أبو عبد الله

فطرة ذكاء غذي بلبانها، وغدا في ورق الشباب يهتز اهتزاز قضبان بانها؛ طلب العلياء والشبيبة ممدودة الطراف، والحبيبة غضة الأطراف، وكان دأبه في أدب يوشيه، لطرب ينشيه، بفكر ينديه، لبكر يهديه، فأهداها خفرات، وأبداها مسفرات، من غرز وسام ودرر لا تسام، نثرها نثر الجمان، ونظمها قلائد في جيد

الزمان، فقدحت الأنوار، وفتحت بين نرجس المجرة أعين النوار، فطابت بها الأيام بكر وأصائل، وطالت بسحبها الأيام غدر وخمائل، وكان مخالفا لمذهب أبيه في التيه الذي مقت لأجله، ووقت ميقات الحب لنجله.

ذكره أبو العباس ابن العطار، وقال: ولد بالموصل في رمضان، سنة خمس وثمانين وخمسمئة. وله كتاب «غرة الصباح في أوصاف الاصطباح» وكتاب «الأنوار في نعت الفواكه والثمار» وله نثر رائق، ونظم فائق.

ومن نثره قوله:

بين المشوق وبين الحمام مناسبة في شجو تعبيره لا في شجو ضميره، فهو يعلن نحيبه تألما، وهي تعلن بعتابها ترنما، وفرق بين الأشجان الملهبة الأضالع، والألحان المطربة للمسامع، وقد زعم قوم أنها تذكر عهدا، وتجدد وجدا، وهذا شأن من كانت عهوده منسية الأيام، ومن لم يكن له من وجده حمامة لم يهتج لتغريد الحمام، ولست براض أن أرعى للإخوان عهدا يفتقر إلى تذكار، وأضمر لهم وجدا يحتاج إلى تجديد آثار، وأشواقي إليهم على النوى بين الأشواق التي تذهب بجلد الجلد، وتوري زناد الصبابة تحت الحشا الصلد، وإذا صافحت برد الموارد، وجدت حر الغليل في ذلك البرد، وإن زاد غيرها بحديث سعد، وكذلك هي في ارتياحها إليه والتياحها عليه.

ومنه قوله يصف سحابة:

خفقت بها بنود الرعود، وأطردت فيها خيول السيول؛ فالسحاب بها بين سائر ونازل، وواضع وحامل.

ومنه قوله:

ولقد وافيتها في زمن المشمش الذي له المثل السائر والذكر الدائر، فرأيت منظر أبهاء، ومخبر اشتهاء، ذا لون ذهبي وشكل كوكبي، وعرف مندلي، وطعم عسلي، فهو يتمزق للطافة جلده، ويزهي بلذة طعمه، وعظم قدّه.

ومنه قوله:

وصل الورد على يد مشبهه عرفا، ومخجله وصفا؛ وما أقول إلا أني جرت في التشبيه، فعدت على خاطري بالتنبيه، وقلت: أين الورد الذي تناله الأيدي بتناولها، وتبذله بتداولها، من ورد لا يجنى إلا بالعيون، ولا ينال إلا بالظنون؟.

ومنه قوله:

كأنما خلقت أغصانها منابر لخطباء الغرام، وصوّرت أوراقها محاجر لدموع الغمام، وخرطت أزهارها مجامر للمندل الرطب، وقدر أقحوانها فما لمؤشر الثغر العذب، والطير ما بين متطلع من وكنه، وقائم على غصنه، من كل مفوّف الطيلسان، ذا طوق يزهى به على طوق العقبان، يترنم خلال أوراق الغصون، فيلتقي شأن المتيم بين الشؤون:

يصلن بنوحي نوحهن وإنمابكيت بشجوي لا بشجو الحمائم

ومنه قوله في البنفسج والورد:

أنا حبيب النفوس، وتاج الرءوس، والعطر الموضوع في الجيوب، واللون الذي يشبه عذار المحبوب، ولئن ذممت بأن لباسي لباس السواد، فإن هذا من شيم أهل

الوداد؛ فأقبل الورد في عسكره وجنوده، خافقة ألسنة عذباته وبنوده، محمر الوجنات من الغضب، منكرا على البنفسج ما جناه من سوء الأدب، فجال في ميدان المفاخرة وصال، وهتف بالبنفسج وقال:

أعلي يفتخر البنفسج جاهلاوإلي يعزى كل فضل ينهر
وأنا المحبب في القلوب زمانهوبمقدمي أهل المسرة تفخر

كيف أطعت هوى نفسك الأمارة، حتى افتخرت بحضرة الأمارة؟ ألست صاحب الاسم المعجم، والرداء الذي ليس يعلم؟ بينا ترى ناضرا، ويرى الطرف عنك نافرا، تهلك من الفخر، إلا أن تشبه بالعذار إذا بقل، والكبريت إذا اشتعل، ولم تحظ من هذين الوصفين إلا بالصيت المذموم، لأن هذا إحراق النار، وهذا تسويد الخد الملثوم، على أن بعض البلغاء قد أنكر تشبيهك بالعذار، ونزع عنك ضعة هذا الثوب المعار، فقال:

ومهفهف لما بدا في خدهشبه البنفسج وانطفا توريده
غم البنفسج حين شوه خلقهوغدا على مبيضه تسويده

لكن أنا مرتقب الأيام، ومنتظر الأعوام، وأيامي أيام الأفراح، ومراوح الأرواح، لا يشرق الربيع إلا بورودي، ولا تشبه خدود الغيد إلا بخدودي.

ومنه قوله:

وبينما الغمامة تطلق لسانها، وتذكر إحسانها، إذ عارضتها الشمس، فخرجت من أثوابها، وقالت هذه منة على الأرض، أنا أولى بها، وأنا معجزة الجبار، وعروس الفلك الدوار، ومربية الأزهار والثمار، ومصلحة ما أفسده تابع الأمطار؛ على أن للمطر يدا لا تنسى، وطبّا به جراح الرق يوسى؛ فإنه مخرج الأرض من موتها إلى نشورها، وموقد فيها مصابيح نورها، تزف إلى عرائس

الرياض وافي مهورها، ويظهر ما في بطون الأرض من الكنوز إلى ظهورها، قام بنسج أبرادها، ورد أرواحها إلى أجسادها، فهي المقدمة تهيج، وتهتز وتنبت من كل زوج بهيج.

وأما نظمه، فلم أقف له منه على قصيدة مطولة فأذكرها متما ولا مختارا، إلا بائية مختصرة ستأتي؛ ومن مقطعاته قوله:

لمع البرق فهاجت لوعةلفؤاد بالتجني متعب
فتخال الجو من لمعتهحبشيا في رداء مذهب

وهذا معنى مطروق، يشبه الليل بالحبشي، ولكن حسنته هذه التتمة التي جاءبها، ولا شيء أحسن من ردائه المذهب هنا؛ وإن نظر قول المعري، حسب الليل زنجيا جريحا.

وله:

في روضة سلت بها أنهارهامن كل ماضي الشفرتين مهند
قد صيغ فيها فضة بيد الضحىوأتى الأصيل فصاغه من عسجد

وله:

ولم يطلع البدر السماء لأنهرأى بيننا بدرا له يخجل البدر
تغنى وأسباب السرور تمدهوفي لفظه درّ وألحاظه سحر

وله:

أما ترى الليمون يبدو في خلال الورق
بظاهر من ذهبوباطن من ورق
تحوطه غلائلمن أخضر إستبرق
إذا دنا الليل لناجلا ظلام الغسق

وله في المشمش:

والمشمش الغض الجني بدابين الغصون كأنجم السحر
إن رمت أن أجنيه يشغلنيطيب المشمّ ورونق النظر
سبحان خالقه وجاعلهنزه العيون وعسجد الثمر

وهذه الكلمة حسنة لولا كاف التشبيه في «أنجم» فإنها قذى في عين هذه العروس، ودعامة ملحقة في هذا البيت.

وأما قوله: وعسجد الثمر، فمطرب؛ وكذلك كلمة العماد نثرا، وهي قوله: كأنما خرط من الصندل، أو خلط بالمندل.

عدنا إلى ابن الضياء الجزري.

وله:

وكمثرى حبوت به الندامىتزيل تقطب الوجه العبوس
كأكواب صغار من زجاجوقد ملئت بصفرة خندريس

وله:

قد أسفر الصبح لنا عن نقابورقت الكأس وراق الشراب
فقم بنا نشرب من قهوةيلمع للشرب كلمع السراب
من قبل أن تلقط شمس الضحىمن أعين النرجس ورد السحاب
أما ترى الخمر وإيماضهاكالسيف والكأس لها كالقراب
فهزّها في كأسها هزةتجن بها أثمار شرخ الشباب

وقوله:

وروضة طليقة حباءغناءة مخضرة جنابا
ينجاب عن نورها كمامينحط عن وجهه نقابا
للشاعر ابن خفاجه، من قصيدة «مر بنا وهو بدر تم»
بات بها مبسم الأقاحييرشف من طلها رضابا
للشاعر ابن خفاجه، من قصيدة «مر بنا وهو بدر تم»

وله:

السحب تبكي والثرى ضاحكبكاء صب ملّ من جفوته
والزهر قد فتح أزرارهكأنه استيقظ من رقدته

وله:

هب النسيم على الغصون فخلتهامثل الأحبة ساعة التوديع
وبكيت من وجدي وفرط صبابتيحتى سقيت أصولها بدموعي

وله:

والشمس خلف الغيم كالحسناء خلف المعجر
تبكي إذا ما احتجبتمن شدة التحسر
لها النعامى نفسوالدمع ماء المطر
تسفر أحيانا لكيتحظى ببعض النظر
كأنما تنثر في الأرض نجوم السحر
أو ذهب منتثرعلى بساط أخضر

وله:

نثر النسيم الطل من أغصانهوالروض بين مذهب ومفضض
فتخاله فوق الغدير وقد طفاحببا يدور على شراب أبيض

وله:

والروض ساه باسم مستعبرخضل بطلّ سمائه مطلول
والفصل معتدل فيا عجبا لهكيف النسيم يمرّ وهو عليل

وله:

في روضة تطرب أغصانهاسجع طيور في ذراها فصاح
قد فتح الزّخّر أحداقه[و] قبل الطل ثغور الأقاح
وتحسب الأنهار في جريهاقد حمت الزهر ببيض الصفاح
ودغدغ الغيث بطون الثرىفابتسمت فيه ثغور الأقاح
وكلما غنت هزاراتهاشقت جيوب النور هوج الرياح

وله:

إني رأيت بالأراك هتّفاتزعم أن عندها ما عندي
تبكي بلا دمع وأبكي بدمشتان بين وجدها ووجدي

وله:

تغني يا حمامة فوق غصنثنت أعطافه ريح الشمال
فإنك كلما غردت صوتاأميل من اليمين إلى الشمال

وله:

زهر البهار بلونهيزهو على شمس النهار
بهر العيون بحسنهفلذاك سمي بالبهار

وله:

أما ترى نرجسنا قائماوهو لنا في ليلنا حارسا
قد فتح الأحداق مستيقظافظل يخشى أن يرى ناعسا
حتى إذا قبّلت من اشتهيتراه من فطنته ناكسا

وله:

والماء بين الرياض تحسبهقد جرد البيض وهو يحميها
وكلما غنت الطيور بهاتراقص الزهر في نواحيها

وله: [مخلج البسيط]

للروض عند الصباح طيبنمت إلينا به الجنوب
للشاعر أمين الدين الحلبي، اقرأ القصيدة
واستمتع الطرف من كراهفملّت المضجع الجنوب
للشاعر أمين الدين الحلبي، اقرأ القصيدة
والطير فوق الغصون يدعوطاب لكم وقتكم فطيبوا
للشاعر أمين الدين الحلبي، اقرأ القصيدة
والكأس في كف ذي قواميخجل من لينه القضيب
للشاعر أمين الدين الحلبي، اقرأ القصيدة
لولا لباس يقيه طرفيلكاد من لحظه يذوب
للشاعر أمين الدين الحلبي، اقرأ القصيدة
ما سعد الوالدان فيهإلا لتشقى به القلوب
للشاعر أمين الدين الحلبي، اقرأ القصيدة
راح إذا الراح أبرزتهاصبا إلى شربها اللبيب
للشاعر أمين الدين الحلبي، اقرأ القصيدة
لها إذا الماء جال فيهافي قعر كاساتها وثوب
للشاعر أمين الدين الحلبي، اقرأ القصيدة
إذا سرت في عروق شخصهانت على قلبه الخطوب
وقائل: تب، فقلت: كلاهيهات عن شربها أتوب
للشاعر أمين الدين الحلبي، اقرأ القصيدة
إذا استقام الأنام طراقل لي: لمن تغفر الذنوب

وله:

فهي شمس لكن بغير مغيبولهيب لكن بغير انطفاء

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.