تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

تربد

قال أبو العباس الحمصي: التربد بالعراق، وعلى الصفة التي يجلب إلينا،

وهو إليهم مجلوب أيضا من وادي خراسان وما هناك. وأخبرني الثقة العارف بالعقاقير أبو علي البلغاري ببغداد، أنه بحث عنه في البلاد الخراسانية عن صفته وهيئته وورقه، فأخبره الجلاّبون له أن ورقه على هيئة ورق اللبلاب الكبير إلا أنه محدد الأطراف، له ساق قائمة وأصوله طوال على الصورة المجلوبة، وهم يقطعونه وهو أخضر قطعا على القدر الموجود.

وذكر لي الثقة: أن كل ما يجلب من التربد في البحر يسرع إليه التآكل بخلاف المجلوب منه في البر. ولما كان المتأخرون من المتطببين لم يبحثوا عن صفته وذكروه مهملا في كتبهم وجد المدلّسون السبيل إلى تدليسه بغير ما نوع من الكلوخ واليتوع وغير ذلك مما يجب التوقف فيه والحذر منه.

قال ابن ماسويه في إصلاح الأدوية المسهلة: خاصة التربد إصلاح البلغم إلاّ أنه يورث البشاعة في النفس لفظاعة مطعمه، وإن أراد مريد أخذه فليتقدم قبل ذلك في إصلاحه فيلتّه بدهن اللوز الحلو فإنه يمنع ضرره، ثم يأخذه. والمختار منه ما كان حديثا جوفه شديد البياض، أملس الظاهر، دقيق العيدان غير متآكل، ليس بذي شظايا. والشّربة منه ما بين درهم إلى درهمين.

وقال حبيش: أجوده ما كان أبيض في لونه، ملتفا في شكله مثل

أنابيب القصب، ودق جسمه وأنبوبه، فإذا كسرته أسرع إلى التفتيت ولم يكن غليظا رزينا، وإذا سحقته أسرع إلى ذلك وكان عند السّحق أبيض، وما كان على خلاف ذلك فلا خير فيه.

والتّربد إذا طال عليه الزمان عمل فيه القادح كما يفعل في الخشب فيضعف فعله، والدليل على ذلك أنه تراه مثقبا كأنه ثقب رأس إبرة، وإصلاحه أن يحك قشره الخارج الرقيق حتى يبلغ إلى البياض، ويدق وينخل، فإن استعمل في المعجونات الكبار نخل بحريرة، وإن استعمل في الأدوية المسهلة مثل الحب والمطبوخ نخل بشيء واسع ليكون فيه جراشة يسيرة فلا يلزق بخمل المعدة. وإن استعمل لمن به بلغم لزج في معدته دقّه ونخله ليلزق بالبلغم فيقلعه. وقدر الشربة منه من درهم إلى درهمين، وإن طبخ مع الأدوية فوزن أربعة دراهم.

ولا ينبغي <> أن يستعمل منه إلاّ الأبيض السليم من السّوس، وشرّه المستاس، فإنه مؤذ لفم المعدة ومكرب معطّش غير مسهل. والمختار منه يخرج البلغم اللزج وينقي المعدة وطبقاتها منه. وينفع من أوجاع المفاصل والعضل المتولّد من البلغم، ويخرج الخلط الفاعل لها وينقّي الأرحام تنقية بالغة مشروبا ومحتقنا به ويفتح سددها، وينفع من أوجاعها عند إقبال الحيض. وينفع [من]

أوجاع المعدة والظهر وتنقيته للدماغ من البلغم ينفع من الفالج والصّرع، وبذلك ينفع من النزلات والسعال المتولد عن رطوبات في فم المعدة، ومن علامته أنه لا يسكن عنهم حتى يتقيّأوا طعامهم أو يتقيّأوا خلطا لزجا. وإذا خلط بالكابلي كان دواء نافعا للمصروعين. وقال بعض الأطباء: وبدل التربد إذا عدم ولم يوجد وزنه من قشور أصل التوت والله أعلم.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.