من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
الذهب
حار لطيف، أشد اختلاط الأجزاء به الترابية والمائية، والترابية لا تحترق بالنار، لأن النار لا تقدر على تفريق أجزائه؛ ولا يبلى بالتراب، ولا يصدى على طول الزمان. وهو لين أصفر برّاق حلو الطعم طيب الرائحة، ثقيل رزين. أما صفرة لونه فمن ناريته، ولينه من دهنيته، وبريقه من صفاء مائيته، وثقله من ترابيته.
وهو أشرف نعم الله تعالى على عباده، إذ به قوام أمور الدنيا ونظام أحوال الخلق، لاضطرارهم إليه في حاجاتهم، فإن كل إنسان محتاج إلى أعيان كثيرة من مطعمه ومشربه وملبسه ومسكنه وسائر حاجاته، ولعله [لا] يملك ما يستغني عنه كمن يملك <> الثياب، فلا بد من متوسط يرغب فيه كل أحد، فخلق الله الدراهم والدنانير متوسطين الأشياء حتى يبذلا في مقابلة كل شيء، ويبذل في مقابلتهما كل شيء، كالقاضيين بين الناس يقضيان حوائج كل من لقيهما. ولهذه العلة فخّم الله تعالى أمر كنزهما وإخفائهما، فقال ﴿وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ اَلذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اَللّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ الآيات. لأن المقصود منها تداولها بين الناس لقضاء حوائجهم، فمن كنزهما فقد أبطل الحكمة التي خلقا لها.
وذكر بعض العلماء أن عزة الذهب ليس لقلة وجوده فإن الذهب أكثر من النحاس والحديد، وكيف لا؟ وأنه دائما يستخرج من المعادن ولا يتطرق إليه القوى والتلف بخلاف النحاس والحديد، فإنهما يتلفان بطول المكث، بل السبب في ذلك أن من ظفر بشيء منه دفنه، فالذي تحت الأرض أكثر من الذي يتعامل عليه الناس.
ومن خواصه ما ذكر أرسطاطاليس أنه يقوي القلب، ويدفع الصرع إن علق على إنسان، ويمنع الفزع؛ ومن اكتحل بميل ذهب جلا عينيه وقواها، وحسّن النظر؛ وإن ثقبت شحمة الأذن بإبرة من ذهب لم يلتحم، وأن كوي به مكان جرح لم ينفط وبرأ سريعا.
وقال ابن سينا: إمساكه في الفم يزيل البخر، وينفع من أوجاع القلب والخفقان وحديث النفس.
قال ابن البيطار: معتدل لطيف، سحالته تدخل في الأدوية السوداوية، وأفضل الكي وأسرعه برءا ما كان بمكوى ذهب، وإمساكه في الفم يزيل البخر، وتدخل سحالته في أدوية داء الثعلب وداء الحية طلاء وفي مشروباته؛ ويقوى العين كحلا، وينفع من أوجاع القلب والخفقان وحديث النفس وخبثها. وأن كويت به مقادم أجنحة الحمام ألفت أبراجها. وإن طرح منه وزن حبتين في وزن عشرة أرطال زئبق غاص إلى قعره، وإن طرح في هذا القدر ما به درهم أو غيرها من الأجساد الثقيلة <> عام فوقه ولم ينزل فيه. وإن ثقبت شحمة الأذن بإبرة ذهب لم تلتحم، وإن علق الإبريز منه على صبي لم يفزع ولم يصرع، مجرب. وإن لبس منه خاتما من في إصبعه داحس خفّف وجعه، مجرب.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع