من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
ذكر دولة أخيه العالي
أبي العلى إدريس بن يحيى بن علي بن حمود، وهو الذي سجنه نجا الصقلبي، وغصبه من أصل جده النبي، ونسبه الأبوي مشتق من فعله الأبي، ومحتده الأصيل، يعرف بعطائه الذهبي، وكرمه العلوي ينطق به لسان قراه اللهبي، وأنه يصحح طرف النجم السقيم، ورايته تدمر كل شيء أتت عليه كالريح العقيم، برقه لا يخلف وعدا ولا وعيدا، وأفقه يمطر تارة فضة وذهبا، وتارة حجارة وحديدا، وبويع في اليوم الذي قتل فيه السطيفي وذلك أن نجا لما اعتقل هذا العالي، واستبد بالأمر، خرج من مالقة في جنوده، واستخلف عليها رجلا من خاصته يعرف بالسطيفي، وقصد الجزيرة الخضراء ليقبض على محمد والحسن ابني القاسم بن حمود ولم يظفر بهما، فرجع إلى مالقة خائبا وقد حان حينه أن يزور ثرى الأرض دفينه، فاغتاله ليلا في خبائه بعض عبيد القاسم بن
حمود، فقتله واحتز رأسه، ورفعه على عود وأطيف به في تلك البلاد كأنه هدي تزف، لا يمل بالتشفي رؤيته طرف، ثم أدخل مالقة فثارت العامة على السطيفي فقتلوه، ونصبت رؤوسهما وعلقت، وركبا على خشبتين، وركبا منهما مطيتين بوارك لا تسير بهما، ولا تدني نوى مغتربهما، إلا أنهما من جذوع الرواحل، لا تطوى بها المراحل، أو قواعد وعمد، إلا أنها ليست ممدودة كأنهما عليها خشب مسندة، قيدت لهما من مرابط النجار [ص]، ونيطت بهما لما يجمع بينها وبينهما من قرب النّجار، وأخرج إدريس العالي من السجن، وبويع يوم الخميس سادس إحدى شهري جمادى سنة أربع وثلاثين وأربع مائة، ثم بويع بغرناطة قرمونة وما بينهما من البلاد، أنارت بالعدل مشارق زمانه، وأنالت من الفضل بوارق إحسانه، ثم أمطرتهم ديمة دراكا، وأرتهم غرّ الثنايا، فما استسقوا بشاما ولا أراكا.
قال الشريف الغرناطي: وكان عدلا خيّرا، لم يزل على أحسن الأحوال، إلى أن ثار عليه ابن عمه محمد المهدي، فجرت بينهما حروب، كان الظهور فيها لابن عمه، فانخلع له، فسلم له الأمر، وذلك في رجب سنة ثمان وثلاثين وأربع مائة، وكانت مدته ثلاث سنين وستة أشهر، ومات بعد ذلك بيسير.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع