تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

دولة ابنه عبد الرحمن بن الحكم

أبي المطرف [ص]، كان أثيرا عند أبيه الحكم، كثيرا مما يظهر به من

الحكم أشبه في حكمته بالمأمون، وفي حرمته هارون، وتطلّب الكتب القديمة، وتطبّب بها من عدوى الأفهام السقيمة، وطالع كتب الأوائل، وطالب بإقامة الدلائل، وبعث إلى العراق في طلب الكتب الحكمية، وغالى في أثمانها، ووالى في ذخائر البيوت استخرج جمانها رغبة في إقامة براهينها وإدامة الوقوف على قوانينها، حتى نأى بها إلى الأندلس عن أوطانها، ورأى بالعقل أنه لا ينفذ إلا بسلطانها، فغلب بحججها القاطعة وبلغ الغاية بأنوارها الساطعة.

وكان هو أول من أدخل الحكمة، ويثها في أقطارها، ومد إليها بعثها حتى جاس خلال ديارها، فأعاد عصر الأوائل جديدا، وعصر الفضائل زاد ضحى قريبا بعيدا، بل زاد حتى سطا بأرسطاطاليس، وفلّ أفلاطون بجيش لا يفله الخميس، فما جاء معه أبقراط بقيراط، وبطل بطليموس فيما أحاط به علما ومالا أحاط، فذكت قريحته، وزكت صبيحته، وكان أبوه الحكم لما سمع كلامه في هذه الدقائق، وعرف مرامه في معرفة هذه الحقائق، يتضاعف به سروره، ويتماثل لديه أموره، ولهذا انتعش لديه حظه من خاطره، وجاد أفقه صوب ماطره، فكان

لا يبرح يحبوه من الشكر بعاطره، ويجلوه في حلل اغنته عنها فطره، هذا مع استقلال بجنوده، صاب نوؤه وأصاب سدد الظلام ضوؤه.

قال الرازي: عبد الرحمن بن الحكم، أول من فخّم الملك بالأندلس من خلفاء بني مروان، وكساه أبهة الجلالة للأعمال، واستوزر الأكفاء، فعظم شأنه، وكاتبته ملوك البلاد، ثم شيّد القصور، واتخذ المصانع وجلب الماء.

وحكى معاوية بن هشام: أنه كان يتشبه بالوليد بن عبد الملك في شرف نفسه، وعلاء همّته، وفخامة سلطانه، ودعة أيامه، وما شاد من البناء، وشق من الأنهار، وغرس من الأشجار، وزاد في المسجد الجامع، وفيه قال عبد الله بن الشمر:

بنى مسجدا لم يبن في الأرض مثلهوهل مثله في حوزة الأرض مسجد [ص]
له عمد حمر وخضر كأنّماتلوح يواقيت بها وزبرجد

قال الرازي: وفي أيامه أحدث بقرطبة وغيرها من بلاد الأندلس الطرز لأنواع الكسوة والوطاء، واستنبطت فيها الأعمال، وتدرج فيها إلى التجويد في ذلك، وقال الرازي: وفيها اتخذت بقرطبة السكة، وقام فيها ضرب الدراهم، ولم يكن فيها دار ضرب منذ فتحها العرب، وإنما كانوا يتعاملون بما يحمل إليهم من دراهم أهل المشرق.

قلت: وهذا أوان صارت الأندلس مصرا، وصارت تعد بستانا، وقصرا بعد أن مضت برهة من الدهر لا يوصف إلا بأنه يصفق في جنباتها النهر. وكان عبد الرحمن أشم أقنى أسود العينين طوالا ضخما مسبلا عظيم اللحية.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.