تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

دولة ابنه محمد بن عبد الرحمن

وهي المتصرمة عن افتراق الجماعة، المقسمة في آخرها بفراق الطاعة المسلمة من يده إلى الإضاعة المحومة لا إلى منهل عذب، المحولة رداها لا بمنصل عضب، بل يتحوم النفاق بكل جهة، وعدم الوفاق على ما تكون به السرائر مرفهة لقضاء سبق علمه لا لاقتضاء بسوء فعل، إلا أنه قسمه، وقد كان ذا كرم غمر اليدين، وهمم تسع صدر الفرقدين، وبصيرة ثاقبة، وسريرة لله مراقبة، إلا أنها الأقدار لا تعاند، والأسرار لا تبيد ذممها ولا تعاهد.

استخلف يوم مات أبوه، ودخل القصر على ملأ من الناس، وحماء ممن يريد هدّ ذلك الأساس، وقيل: بل دخل متخفيا، ثم أصبح على السرير جالسا، ثم علا صهوة المنبر فارسا، وتولى أخذ البيعة له ابن شهيد

بمشهده، واستناب يده له عن يده، وقام لديه مؤمن بن سعيد منشدا:

تهلّل بطن الأرض لما ثوى بهاإمام الهدى الثاوي بها بطن ملحد
وزلزلها موت الإمام وفقدهفقال لها الله اسكني بمحمّد [ص]

ثم كان من أكثر القوم تأنيا، وأوفر لما في النفوس تمنيا، وصفا العيش في ظل خلافته، وكفى المسئ اعتذارا فضل رأفته، وكان له في مدته الآثار الجميلة، والفتوح العظيمة، والعناية التامة بمصالح المسلمين، والاهتمام بالثغور وحفظ الأطراف، والتحرز من قبل البحر.

قال الرازي: كانت لا تجري في بحره جارية إلا عن معرفته. قال: وهو الذي قسم مراتب أهل الخدمة، وإعلاء رتبة الوزارة، ورجّح أهل الشام على أهل الأندلس، وأعلى رتبة الوزراء منهم في الجلوس، انتهى كلامه.

قال صاحب المقتبس: وزاد في توسعة الجامع بقرطبة، فقال العباس بن فرناس:

محمد خير مسترعى ومؤتمنللمسلمين جميعا حيث ما كانوا
للشاعر عباس بن فرناس، من قصيدة «محمد خير مسترعى ومؤتمن»
بنى لهم مسجدا جلّت عجائبهلولا السماء لما ضاهاه بنيان
للشاعر عباس بن فرناس، من قصيدة «محمد خير مسترعى ومؤتمن»

قال: وكان مجبول الطباع على حب البنيان، مسعوفا بتشييد مبانيه، مبالغا في إتقانه، سخيا بالإنفاق عليه، منه قصور قرطبة والرصافة، وفيها يقول أحمد بن عبد ربه:

ألمّا على قصر الخليفة وانظراإلى منية زهراء شيدت لأزهرا
مزوّقة يستودع النجم سترهافتحسبه يصغي إليها لتخبرا
بناء إذا ما الليل حلّ قناعهبدا الصبح من أعرافه الشّمّ مسفرا
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «ألما على قصر الخليفة فانظرا»
ترى المنية البيضاء في كل شارقتلبس وجه الشمس ثوبا معصفرا
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «ألما على قصر الخليفة فانظرا»
ودونك فانظر هل ترى من تفاوتبه أو رأت عيناك أحسن منظرا
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «ألما على قصر الخليفة فانظرا»
تذكر بالفردوس من كان لاهياوتلهي عن الفردوس من قد تذكّرا
كأنّ السماء استوهبت لون أرضهاوأنجمها من نورها حين نوّرا

وكان ممدّحا. ومما قال فيه عمار بن المنبي:

غدا في أسارير الأمير محمدإمام الهدى بدر وفي كفه بحر
فلو ملّك الله الرعية عمرهالكان له من ذلك العمر الشطر [ص]
إذا ذخر الأملاك مالا فما لهسوى المجد فالمعروف كنز ولا ذخر
مهيب إذا أبصرت غرّة وجههتكاد له من هيبة يصدع الصدر

وكان كثير الخروج إلى الصحراء للتنزه في نواحيها، والتوسع في سعة ضواحيها، وكان معجبا بدربد وهو مكان قتلى أشبيلية، مرج أخضر كأنه زمرد شارب، ونهر يتكسر ماؤه كأنه عسل ممزوج لشارب، فابتنى به أبنية رفيعة، إلا أنها خيام، وقرّض هناك قراره إلا أنه هيام، فقال الوزير تمام بن أحمد:

لعمري لما يوم من الدهر كلهبأنعم من يوم حللنا بدربد
لدن روضة خضراء ما أن تخالهالعمرك إلا معدنا للزمرد

ودام في بلهنية من الملك إلى أن ثارت إليه الثواير، ودارت عليه الدواير، وسار إلى مغالبته كل ساير، وطار لمواثبته في البر والبحر كل طاير، ولم يكفه انفتاق الفتوق، وانبثاق البثوق، واختلاف كلمة أهل ملكه، حتى قصدته ملوك الكفار، وأجهدته بالنهود إلى الأسفار، وما رمي بأهل الصليب على انفرادهم، حتى مني بالمجوس من أقصى بلادهم، وكان في هذه النوائب تارة وتارة، ومرة ومرة، آونة حلاوة، وآونة مرارة، وفي بعض غزواته التي أثخن فيها في أهل الخلاف، وأمعن في زيادة الاختلاف، قال مؤمن بن سعيد:

دع اللّهى يفنها محمدهاأسنى بني غالب وأمجدها
أشياع لب سنابل خشعتأعناقها فالسيوف تحصدها
دانوا له وهو وارد بهمحياض حتف يعاف موردها
كعابد النار وهي تحرقهبعدا لمثواه حين يعبدها
ساؤوا ملوكا هم لهم خولوهل يسامي الملوك أعبدها
أضحوا أحاديث للمواسم عنظبى السيوف استفاض مسندها

وعارضه محمد بن عبد العزيز القيسي فقال: [ص]

دع الوغى لمم يزل محمدهايوقد نيرانها ويخمدها
فليس تروى السيوف إن ظمئتإلا إذا علّها محمّدها
سيف هدى تشهد السيوف لهيوم الوغى أنه مهنّدها
تقيل في ظله المنون إذاهاجرة الحرب حار موقدها
فتلك دار العدو خاليةأو حين نور الأنيس معهدها
أطفأ عنا بسيفه فتناأوقدها في البلاد أعبدها

ثم طغت الفتنة ومرد النفاق، وانبعث الفساد، ودبّ الوهن في أقطار الدولة، حتى وهت أركانها، وهوت أقمارها، وعمي المبصر، وصم السامع، وخرس الناطق، وعم الأندلس بلاء أطل سحابه، وعظم شتات، لم يدر له امرؤ كيف ذهابه.

ثم توفي محمد بن عبد الرحمن ليلة لخميس، ليلة بقيت من صفر سنة ثلاث وسبعين ومائتين، ومولده في ذي القعدة سنة سبع ومائتين، وبلغ من السن خمسا وخمسين سنة وثلاثة أشهر، منها مدة خلافته نحو أربع وثلاثين سنة وأحد عشر شهرا، وكان أبيض مشربا حمرة، مستدير الوجه، ربعة تام اللحية أصهبها به شئ من وقص، يخضب بالحناء والكتم.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.