من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
وفيها، كان حصار الفرنج عكّا
كان قد اجتمع بصور أهل البلاد التي أخذها السلطان بالأمان فكثر جمعهم حتى صاروا في عدد لا يحصى، وأرسلوا إلى البحر يبكون ويستنجدون، وصوروا المسيح وصوروا [عربيا] يضرب المسيح وقد أدماه، وقالوا: هذا نبي العرب يضرب المسيح فخرجت النساء من بيوتهن، ووصل من البحر عالم لا يحصى كثرة وساروا من صور إلى عكّا ونازلوها في منتصف رجب هذه السنة، وضايقوا عكّا وأحاطوا بسورها من البحر إلى البحر، ولم يبق للمسلمين إليها طريق، فسار السلطان ونزل قريب الفرنج وقاتلهم في مستهل شعبان وباتوا على ذلك وأصبحوا، وحمل تقي الدين عمر صاحب حماة من ميمنة السلطان على الفرنج فأزالهم عن موقعهم والتزق بالسور وانفتح الطريق إلى المدينة فأدخل السلطان إلى عكّا عسكرا نجدة، وكان من جملتهم أبو الهيجاء السّمين، وبقي المسلمون يغادون القتال ويراوحونه إلى عشري شعبان، ثم كان بين المسلمين وبينهم الوقعة العظيمة، فإن الفرنج اجتمعوا وحملوا على السلطان في القلب فأزالوه عن موقفه، وأخذ الفرنج يقتلون المسلمين إلى أن بلغوا خيمة السلطان فانحاز السلطان هو وخاصته إلى جانب وانقطع مدد الفرنج واشتغلوا بقتال الميمنة، فحمل السلطان على الفرنج الذين خرقوا الميمنة وعطف الجيش عليهم وأفنوهم قتلا، فقتل في ذلك الوقت من الفرنج قريب الثلاثين ألفا.
ووصل المنهزمون من المسلمين بعضهم إلى طبرية وبعضهم إلى دمشق وجافت الأرض بعد هذه الوقعة، ولحق السلطان مرض القولنج وأشار عليه الأمراء بالانتقال من ذلك الوضع فوافقهم ورحل عن عكّا رابع عشر رمضان هذه السنة
إلى الخرّوبة، فلما رحل تمكن الفرنج من حصار عكّا وانبسطوا في تلك الأرض، ووصل أسطول المسلمين في البحر مع حسام الدين لؤلؤ الحاجب فظفر بأصطول الفرنج وأخذه وأخذ من الفرنج أموالا عظيمة ودخل بالكل إلى عكّا، فقوى به قلوب المسلمين وكذلك وصل الملك العادل بعسكر مصر بالسلاح إلى أخيه السلطان فقويت قلوب المسلمين بوصوله.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع