تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

ذكر الحوادث باليمن

كان قد تملك اليمن الملك المعز إسماعيل بن سيف الإسلام طغتكين بن أيوب، وكان فيه هوج وخبط فادعى أنه قرشي، وأنه من بني أمية، ولبس الخضرة، وخطب لنفسه [ولبس ثياب الخلافة في ذلك الزمان]، وكان طول الكم [نحو عشرين] ذراعا، وخرج عن طاعته جماعة من مماليك أبيه، واقتتلوا معه، وانتصر عليهم، ثم اتفق معهم جماعة من الأمراء الأكراد وقتلوا المعز إسماعيل، وأقاموا في مملكة اليمن أخا له صغيرا وسموه الناصر، وبقي مدة وأقام بأتابكيته مملوك والده وهو سيف الدين سنقر ثم مات سنقر بعد أربع سنين، وتزوج أم الناصر أمير من أمراء الدولة يقال له غازي بن

جبريل وقام بأتابكية الناصر ثم سم الناصر في كوز فقاع على ما قيل، وبقي غازي متملكا للبلاد، ثم قتله جماعة من العرب بسبب قتله للناصر بن طغتكين، وبقيت اليمن خالية بغير سلطان فتغلبت أم الناصر على زبيد وأحرزت عندها الأموال، وكانت تنتظر وصول أحد من بني أيوب لتتزوج به وتملكه البلاد، وكان للملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه ولد اسمه سعد الدين شاهنشاه وكان له ابن اسمه سليمان فخرج بن شاهنشاه بن تقي الدين عمر فقيرا يحمل الركوة على كتفه ويتنقل مع الفقراء من مكان إلى مكان، وكان قد أرسلت أم الناصر بعض غلمانها إلى مكة حرسها الله تعالى في موسم الحجاج ليأتيها بأخبار مصر والشام، فوجد غلمانها سليمان المذكور فأحضروه إلى اليمن فاستحضرته أم الناصر وخلعت عليه وملكته اليمن، فملأ الأرض ظلما وجورا واطّرح زوجته التي ملكته اليمن، وأرسل إلى السلطان الملك العادل وهو عم جده كتابا جعل [في أوله] ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اَللّهِ اَلرَّحْمنِ اَلرَّحِيمِ﴾

فاستقل العادل عقله، ثم كان من سليمان المذكور ما نذكره إن شاء الله

تعالى.

وفيها، أرسل العادل إلى ولده الأشرف وأمره بحصار ماردين فحصرها وضايقها، ثم سعى الملك الظاهر إلى العادل في الصلح فأجاب على أن يحمل صاحب ماردين مئة ألف وخمسين ألف دينار، ويخطب له ببلاده، ويضرب السّكّة باسمه، ويكون بخدمته متى طلبه، فأجيب إلى ذلك واستقر الصلح عليه.

وفيها، أخرج الملك العادل الملك المنصور محمد بن الملك العزيز من مصر إلى الشام، فسار بوالدته وأقام بحلب عند عمه الملك الظاهر.

وفيها، سار الملك المنصور صاحب حماة إلى بعرين مرابطا للفرنج وأقام بها، وكتب الملك العادل إلى صاحب بعلبك وإلى صاحب حمص بإنجاده، واجتمعت الفرنج من حصن الأكراد وطرابلس وغيرها وقصدوا الملك المنصور ببعرين، واتقعوا معه في ثالث شهر رمضان هذه السنة واقتتلوا فانهزم الفرنج، وقتل وأسر من خيالتهم جماعة، وكان يوما مشهودا، وفي ذلك يقول بهاء الدين أسعد بن يحيى السّنجاري قصيدة منها: <البسيط>

ما لذة العيش إلاّ صوت معمعةتنال فيها المنى بالبيض والأسل
يأيها الملك المنصور نصح فتىلم يلوه عن وفاء كثرة العذل
اعزم ولا تترك الدنيا بلا ملكوجدّ والملك محتاج إلى رجل
يا أوحد العصر يا خير الملوك ومنفاق البرية من حاف ومنتعل

ثم خرج من حصن الأكراد والمرقب الإسبتار، وانضم إليهم جموع من

السواحل، واتقعوا مع الملك المنصور صاحب حماة وهو نازل ببارين حادي وعشري شهر رمضان هذه السنة بعد الوقعة الأولى بثمانية عشر يوما فانتصر ثانيا، وانهزمت الفرنج هزيمة قبيحة وأسر الملك المنصور وقتل منهم عدة كثيرة، ومدح الملك المنصور بسبب هذه الوقعة سالم بن سعاد الحمصي بقصيدة منها: <الكامل>

أمر اللواحظ أن تفوق الأسهماريم برامة مارنا حتى رمى

ومنها:

فتّانة بالسّحر بل فتّاكةما جار قاضيهن حتى حكّما
أصبحت فيها مغرما كمحمدلما غدا بالأريحيّة مغرما
وشننت منتقما بساحل بحرهاجيشا حكى البحر الخضمّ عرمرما
أسدلت في الآفاق من هبواتهليلا وأطلقت الأسنة أنجما

وفيها، ولد الملك المظفر تقي الدين محمود بن المنصور محمد صاحب حماة من ملكة خاتون بنت السلطان الملك العادل وسمي عمر، وإنما سمي [محمودا] بعد ذلك، وكانت ولادته بقلعة حماة ظهر يوم الأربعاء رابع عشر رمضان هذه السنة.

وفيها، أرسل الملك العادل وانتزع ما كان بيد الملك الأفضل وهي رأس عين وسروج وقلعة نجم، ولم يترك بيده غير سميساط فقط، فأرسل الملك الأفضل والدته، ودخلت على الملك المنصور صاحب حماة ليرسل معها من يشفع في الملك الأفضل عند الملك العادل في إبقاء ما كان بيده وتوجهت أم الأفضل وتوجه معها من حماة القاضي زين الدين بن هندي إلى الملك فلم يجبها ورجعت خائبة، قال عز الدين بن الأثير في «الكامل»:

وقد عوقب البيت الصلاحي بمثل ما فعله والدهم صلاح الدين لما خرجت إليه نساء بيت الأتابك ومن جملتهن بنت نور الدين الشهيد يتشفعن في إبقاء الموصل على عز الدين مسعود فردهن ولم يجب سؤالهن، ثم ندم ﵀ على ردهن، فجرى للملك الأفضل بن السلطان صلاح الدين مع عمه مثل ذلك.

ولما جرى ذلك أقام الملك الأفضل بسميساط وقطع خطبة الملك العادل، وخطب للسلطان ركن الدين سليمان بن قليج أرسلان بن مسعود السلجوقي صاحب بلاد الروم.

وفيها، في جمادى الأولى، توفي غياث الدين محمد بن سام بن [الحسين] الغوري صاحب غزنة وبعض خراسان وغيرها، وكان أخوه شهاب الدين بطوس عازما على قصد خوارزم، وخلف غياث الدين من الأولاد ولدا اسمه محمود ولقبه غياث الدين بلقب والده، ولم يحسن شهاب الدين الخلافة على ابن أخيه ولا على غيره من أهله، وكان لغياث الدين زوجة يحبها وكانت مغنية فقبض عليها شهاب الدين بعد موت أخيه غياث الدين وضربها ضربا مبرحا وأخذ أموالها. وكان غياث الدين مظفرا منصورا لم تنهزم له راية قط، وكان له دهاء ومكر، وكان حسن الاعتقاد، كثير الصدقات، وكان له فضل غزير، وأدب مع حسن حظ، وكان ينسخ المصاحف بخطه، ويوقفها على المدارس التي بناها، وكان على مذهب الكرامية ثم تركه وصار شافعيا.

وفيها، استولى الكرج على مدينة دوين من أذربيجان ونهبوها وقتلوا أهلها، وكانت هي وجميع أذربيجان للأمير أبي بكر بن البهلوان، وكان مشغولا بشرب الخمر ليلا ونهارا لا يلتفت إلى تدبير مملكته، ووبخه أمراؤه ونوابه على ذلك فلم يلتفت.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.