تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

وفي سنة اثنتين وعشرين وست مئة

وصل جلال الدين من الهند إلى بلاده، وقد تقدم في سنة سبع عشرة وست مئة هروبه من غزنة لما قصده جنكز خان، وأنه دخل الهند، فلما كان في هذه السنة قدم من الهند إلى كرمان إلى أصفهان واستولى عليها وعلى باقي عراق العجم، وسار إلى فارس وانتزعها من أخيه تيزشاه بن محمد وأعادها إلى صاحبها أتابك سعد بن دكلا صاحب فارس وصار أتابك سعد وتيزشاه أخو جلال الدين منكبرتي بن خوارزم شاه تحت حكم جلال الدين المذكور، ثم

استولى جلال الدين على خوزستان وكاتب الخليفة الإمام الناصر ثم صار حتى وصل إلى بعقوبا بالقرب من بغداد، وخاف أهل بغداد منه واستعدوا للحصار، ونهبت الخوارزمية البلاد وقوي جلال الدين وعسكره ثم سار إلى قريب إربل فصالحه مظفر الدين كوكبوري ودخل في طاعته، ثم سار جلال الدين إلى أذربيجان وكرسي ملكها توريز فاستولى على توريز وهرب مظفر الدين أزبك بن البهلوان بن إلدكز صاحب أذربيجان، وكان أزبك المذكور قد قوي أمره لما قتل طغريل آخر الملوك السلجوقية ببلاد العجم، واستقل أزبك المذكور في المملكة، وكان أزبك لا يزال مشغولا بشرب الخمر وليس له التفاته إلى تدبير المملكة، فلما استولى جلال الدين على توريز هرب أزبك إلى كنجة وهي من بلاد أران قرب برذعة متاخمة لبلاد الكرج <و> استقل السلطان جلال الدين بمملكة أذربيجان وكثرت عساكره، ثم جرى بين جلال الدين وبين الكرج قتال عظيم من أعظم ما يكون، فانهزمت الكرج وتبعهم الخوارزمية يقتلونهم كيف شاؤوا واتفق أنه ثبت على قاضي توريز وقوع الطلاق على أزبك ابن البهلوان من زوجته بنت السلطان طغريل آخر الملوك السلجوقية المقدم الذكر فتزوج جلال الدين بها، وأرسل جيشا إلى مدينة كنجة ففتحوها وهرب منها مظفر الدين أزبك بن البهلوان إلى قلعة هناك، ثم هلك وتلاشى أمره.

وفي هذه السنة، توفي الملك الأفضل نور الدين علي بن السلطان الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب وليس بيده غير سميساط فقط، وكان موته

فجأة وعمره سبع وخمسون سنة، وكان الملك الأفضل فاضلا حسن السيرة، وتجمعت فيه الفضائل والأخلاق الحسنة، وكان مع ذلك قليل الحظ، وله الأشعار الحسنة الجيدة، فمنها يعرض إلى سوء حظه قوله: <الكامل>

يا من تسوّد شعره بخضابهلعساه من أهل الشبيبة يحصل
ها فاختضب بسواد حظي مرةولك الأمان بأنّه لا ينصل
للشاعر الملك الأفضل الأيوبي، اقرأ القصيدة

ولما أخذت منه دمشق كتب إلى بعض أصحابه كتابا منه: أما أصحابنا بدمشق فلا علم لي بأحد منهم، وسبب ذلك: <المنسرح>

أيّ صديق سألت عنه ففي الذّلّ وتحت الخمول في الوطن
وأيّ ضدّ سألت حالتهسمعت ما لا تحبّه أذني

وفي أول شوال في هذه السنة، كانت وفاة الخليفة الإمام الناصر لدين الله أبي العباس أحمد بن المستضيء حسن بن المستنجد يوسف بن المقتفي محمد بن المستظهر أحمد بن المقتدي عبد الله بن الأمير ذخيرة الدين محمد ابن القائم [ عبد الله بن القادر أحمد بن الأمير إسحاق بن المقتدر جعفر بن المكتفي علي بن المعتضد أحمد بن الأمير الموفق، قيل اسمه طلحة، وقيل:

محمد بن المتوكل جعفر بن المعتصم محمد بن الرشيد هارون بن المهدي محمد ابن المنصور] عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس عم النبي ﷺ بن عبد المطلب بن هاشم، وكان عمر الناصر نحو سبعين سنة ومدة خلافته سبع وأربعون سنة، وعمي في آخر عمره، وكان موته

بالدوسنطاريا، وكان قبيح السيرة في رعيته ظالما لهم، خرب في أيامه العراق وتفرق أهله في البلاد، وكان يتشيع وهو منصرف الهمة إلى رمي البندق، والطيور المناسيب، ويلبس سراويلات الفتوة، ومنع رمي البندق إلا من ينسب إليه فأجابه الناس إلى ذلك، إلا إنسانا واحدا يقال له: ابن السفت وهرب لذلك من بغداد إلى الشام.

وقد نسب إلى الإمام الناصر أنه هو الذي كاتب التتر وأطمعهم في البلاد بسبب ما كان بينه وبين خوارزم شاه محمد بن تكش من العداوة ليشغل خوارزم شاه بهم عن قصد العراق.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.