تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

وفي سنة خمس عشرة وست مئة

كان الملك العادل بمرج الصّفّر في أوائلها وجموع الفرنج بمرج عكّا، ثم ساروا منها إلى الديار المصرية، ونزلوا على دمياط فسار الملك الكامل بن العادل بمصر، ونزل قبالتهم واستمر الحال كذلك أربعة أشهر، وأرسل الملك العادل العسكر الذي عنده إلى عند ابنه الكامل، فوصلت إليه أولا فأولا، ولما اجتمعت العساكر عند الكامل أخذ في قتال الفرنج ودفعهم عن دمياط.

وفي هذه السنة، توفي الملك القاهر عز الدين مسعود بن أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن عماد الدين زنكي بن آقسنقر صاحب الموصل، وكانت

وفاته لثلاث بقين من ربيع الأول، وكانت مدة ملكه سبع سنين وسبعة أشهر، وانقرض بموته ملك البيت الأتابكي، وخلف ولدين أكبرهما اسمه أرسلان شاه، وكان حينئذ عمره نحو عشر سنين فأوصى بالملك له وأن يقوم بتدبيره بدر الدين لؤلؤ فنصّبه بدر الدين لؤلؤ في المملكة وجعل الخطبة والسكة باسمه، وقام لؤلؤ بتدبير المملكة أحسن قيام.

وفيها، كانت قضية كيكاوس بن كيخسر <و> ملك الروم.

لما مات الملك الظاهر صاحب حلب، وجلس مكانه ولده العزيز في المملكة، وكان طفلا فطمع صاحب بلاد الروم كيكاوس في الاستيلاء على حلب، فدعا الملك الأفضل صاحب سميساط واتفق معه أن يفتح حلب وبلادها ويسلمها إلى الملك الأفضل، ثم يفتح البلاد الشرقية التي بيد الأشرف بن العادل ويتسلمها كيكاوس، وتحالفا على ذلك، وسار كيكاوس إلى جهة حلب ومعه الملك الأفضل، ووصلا إلى رعبان واستولى عليها كيكاوس وسلمها إلى الأفضل فمالت إليه قلوب أهل البلاد لذلك، ثم سار كيكاوس إلى تل باشر وبها [ابن دلدرم]

ففتحها ولم يسلمها للأفضل فتغير خاطر الأفضل وخواطر أهل البلاد لذلك، ووصل الملك الأشرف بن العادل إلى حلب لدفع كيكاوس عن البلاد، ووصل إليه بها الأمير مانع بن حديثة أمير العرب في جمع عظيم، وكان قد سار كيكاوس إلى منبج وتسلمها لنفسه أيضا، وسار الملك الأشرف بالجموع التي معه ونزل وادي بزاعا، واتقع بعض العسكر مع مقدمة عسكر كيكاوس فانهزمت مقدمة

عسكر كيكاوس، وأخذ منهم عدة أسارى، فأرسلوا إلى حلب ودقت البشائر بها، ولما بلغ [ذلك] كيكاوس وهو بمنبج ولى منهزما وتبعه الملك الأشرف يتخطف أطراف عسكره، ثم حاصر الملك الأشرف تل باشر واسترجعها واسترجع رعبان وغيرها، وتوجه الملك الأفضل إلى سميساط ولم يتحرك بعدها في طلب ملك إلى أن مات سنة اثنتين وعشرين وست مئة على ما سنذكره

إن شاء الله تعالى.

وعاد الملك الأشرف إلى حلب، وقد بلغه وفاة أبيه، وكانت وفاته أنه كان نازلا بمرج الصّفّر إلى عالقين، وهي عند عقبة فيق، فنزل بها ومرض واشتد مرضه، ثم توفي هناك رحمه الله تعالى في سابع جمادى الآخرة من هذه السنة أعني سنة خمس عشرة وست مئة، وكان مولده سنة أربعين وخمس مئة، وكان عمره خمسا وسبعين سنة، وكانت مدة ملكه لدمشق ثلاثا وعشرين سنة، ولمصر نحو تسع عشرة سنة، وكان العادل حازما متيقظا غزير العقل سديد الآراء، ذا مكر وخديعة، صبورا، حليما، يسمع ما يكره ويغضي عنه، وأتته السعادة واتسع ملكه وكثرت أولاده، ورأى فيهم ما يحب، ولم ير أحد من الملوك الذين اشتهرت أخبارهم في أولاده من الملك والظفر ما رآه العادل، ولقد أجاد شرف الدين [بن] عنين في قصيدة مدح بها الملك العادل مطلعها:

<الكامل>

ما ذا على طيف الأحبة لو سرىوعليهم لو سامحوني بالكرى
العادل الملك الذي أسماؤهفي كلّ ناحية تشرّف منبرا
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «ماذا على طيف الأحبة لو سرى»
ما في أبي بكر لمعتقد الهدىشكّ يريب بأنه خير الورى
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «ماذا على طيف الأحبة لو سرى»
بين الملوك الغابرين وبينهفي الفضل ما بين الثّريّا والثّرى
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «ماذا على طيف الأحبة لو سرى»
نسخت خلائقه الحميدة ما أتىفي الكتب عن كسرى الملوك وقيصرا
لا تسمعنّ حديث ملك غيرهيروى فكلّ الصيد في جوف الفرا
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «ماذا على طيف الأحبة لو سرى»
وله الملوك بكلّ أرض منهمملك يجرّ إلى الأعادي عسكرا
من كلّ وضّاح الجبين تخالهبدرا فإن شهد الوغى فغضنفرا
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «ماذا على طيف الأحبة لو سرى»

وخلف الملك العادل ستة عشر ولدا ذكرا غير البنات، ولما توفي الملك العادل لم يكن عنده أحد من أولاده حاضرا، فحضر إليه ابنه الملك المعظّم عيسى، وكان بنابلس بعد وفاته، فكتم موته، وأخذه ميتا في محفة وعاد به إلى دمشق، واحتوى الملك المعظم على جميع ما كان مع أبيه من الجواهر والسلاح والخيول وغير ذلك، ولما وصل إلى دمشق حلف الناس له وأظهر موت أبيه، وجلس للعزاء، وكتب إلى الملوك من إخوته وغيرهم بخبره، وكان في خزانة العادل لما توفي سبع مئة ألف دينار عينا.

ولما بلغ الكامل موت أبيه وهو في قتال الفرنج عظم عليه جدا، واختلفت العساكر عليه، فتأخر عن منزلته، وطمعت الفرنج ونهبت بعض أثقال المسلمين، وكان في العسكر عماد الدين أحمد بن سيف الدين علي بن أحمد المشطوب، وكان مقدما عظيما في الأكراد الهكّارية فعزم على خلع الملك الكامل من السلطنة، وحصل في العسكر اختلاف كبير حتى عزم الملك الكامل على مفارقة البلاد واللحوق باليمن، وبلغ الملك المعظم عيسى بن العادل ذلك، فرحل عن الشام ووصل إلى أخيه الملك الكامل وأخرج عماد الدين بن المشطوب ونفاه

إلى الشام، فانتظم أمر الملك الكامل، وقويت مضايقة الفرنج لدمياط وضعف أهلها بسبب ما ذكرناه من الفتن التي حصلت في عسكر الكامل من ابن المشطوب.

وفيها، استولى عماد الدين زنكي بن أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكي بن آقسنقر على بعض قلاع الموصل.

<و> قد تقدم في سنة سبع وست مئة أن أرسلان شاه عند وفاته جعل مملكة الموصل لولده المسعود القاهر، وأعطى ولده الأصغر عماد الدين زنكي المذكور قلعتي العقر وشوش، فلما مات أخوه القاهر وجلس ولده أرسلان شاه بن القاهر في المملكة وكان به قروح وأمراض فتحرك عمه عماد الدين زنكي وقصد العمادية واستولى عليها، ثم استولى على قلاع الهكّارية والزّوران، فاستنجد بدر الدين لؤلؤ المتولي على تدبير صاحب الموصل بالملك الأشرف بن العادل، ودخل في طاعته فأنجده الأشرف بعسكر، وساروا إلى زنكي بن أرسلان شاه فهزموه، وكان زنكي مزوجا ببنت مظفر الدين كوكبوري صاحب إربل وأم البنت ربيعة خاتون بنت أيوب أخت الملك العادل زوجة مظفر الدين، وكان مظفر الدين لا يترك ممكنا في نصرة صهره زنكي المذكور، وبالغ في عداوة بدر الدين لؤلؤ لأجل صهره.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.