من «أخبار أبي نواس» لأبي هفان المهزمي (ت ٢٥٧هـ)
أخبار أبي نواس
الصفحة ١ من ٢
(أبو هفان قال): دخل أبو نوّاس على يحيى بن خالد فقال له يحيى أنشدني بعض ما قلت، فأنشده:
إني أنا الرجل الحكيم بطبعهويزيد في عامي حكاية من حكى
أتتبع الظرفاء أكتب عنهموكيما أحدث من أحب فيضحكا
فقال يحيى إن زندك ليرى بأول قدحة فقال أبو نواس في معنى قول يحيى ارتجالا:
أما وزند أبي عليٍ إنّهزند إذا استوريت سهّل قدحكا
إن الإله لعلمه بعبادهقد صاغ جدك للسماح ومزحكا
تأبى الصنائع همتي وقريحتيمن أهلها وتعاف إلا مدحكا
أبو هفان: وأخبرني أبو يوسف ابن الداية قال: كان أبان اللاحقي يحسد أبا نواس وكان انقطاعه إلى جعفر بن يحيى، فعرض جعفر على أبي نواس كلبة له وقال له: انعتها باسمها أولا، فقال: قد سميتها أم أبان. فغضب جعفر وقال: تعبث بنديمي وشاعري!! فهجاه أبو نواس بقوله:
أرى جعفرا يزداد لؤما ودقةإذا زاده الرحمن في سعة الرزق
وأعظم زهوا من ذباب كناسةوأبخل من كلب عقور على عرق
فلما قدم الفضل من خراسان سأله جعفر أن يجعل أبانا على عطاء الشعراء وتميز ما يهنأ به من الشعر ففعل، وأعطاهم على مراتبهم وطبقاتهم، فلما جاء أبو نواس لقبض جائزته أعطاه درهمين، فرفع أبو نواس يده فصفع أبانا وقال: سارق غلة أمه، قد بلغني أن أمك كسبت عشرة دراهم فخنتها، فضحك الفضل وقال لجعفر: مر أبانا ليصالحه.
أبو هفان قال: حدثني عبدوس الوراق أن أبا نواس احتاج حاجة شديدة، وتاقت نفسه إلى الخمر فلم تمتد يده إلى ما يشتريه، فذكر أخا له شاعرا في بعض القرى التي تقرب من بغداد، فخرج قاصدا له، فلما ورد عليه وجده أسوأ حالا منه، وأظهر له عيلة، ووجد عنده شرابا وليس عنده ما ينتقل به عليه، فاعتذر إلى ابي نواس وكشف له حاله، فقال له أبو نواس: إنها تشرب على الريق وأنشأ:
اشرب على الخيري والريقإنا على بعد من السوق
لا تطلبن الخبز في دارنافإنما ننفخ في البوق
ثم قال له أبو نواس: أما هاهنا من يمدح؟ قال: بلى، رجل من مضر إذا مدحته مدحني وإذا هجوته هجاني مثلا بمثل. فنظر في شعر المضري فإذا هو شعر متظرف متكلف فتناول القرطاس وكتب له:
قل لأبي مالك فتى مضرمقال لا مفحم ولا حصر
جئناك في ميت نكفنهليس من الجن لا ولا البشر
بل هو ميت سلاحه خزفوالجسم فان والروح من عكر
ليس لنا ما به نكفنهفكفن الميت يا أخا مضر
يا لك ميتا صلاة شيعتهعليه عزف والنقر بالوتر
فلما قرأ المضري الشعر أقبل بحشمه وغلمانه نحوهم، فأقام عندهم يومه ينادمهم بعد أن حمل إليهم ما يقيمهم، وأمر لكل منهما بخمسة آلاف درهم.
أبو هفان قال: حدثني سليمان بن نيبخت قال: مر أبو نواس في غداة يوم من أيام الربيع وقد طشت السماء ساعة، فلما طلع علي من الباب أنشأ:
ما مثل هذا اليوم في طيبهعطل من لهو ولا ضيعا
فما ترى فيه رماذا الذيتريد هذا اليوم أن تصنعا
هل لك أن نغدو على قهوةتسرع في المرء إذا أسرعا
ما وجد الناس ولا جربواللهم شيئا مثلها مدفعا
قال: فقلت له: ما كان يساعدني على هذا اليوم غيرك. أقم فإن عندي ما يقيمك أياما عندي، فلما كان وقت العشاء وقد أخذته الخمرة فلم تدع فيه حركة إلا أزالتها عن جهتها أنشأ يقول:
باح لساني بمضمر السروذاك أني أقول بالدهر
وليس بعد الممات فادحةوإنما الموت بيضة العقر
قم قال لي: اكتم علي فالمجالس بالأمانة.
أبو هفان قال: وخبرت أنّ أبا نواس مر على جارية بباب قصر واقفة مع صاحبة لها فتأوه أبو نواس. فقالت الجارية لصاحبتها: أظن الفتى ذا شجن. فأنشأ أبو نواس يقول:
منحت طرفي الأرض خوفا لأنأجعل طرفي عرضة للمحن
إذ كنت لا أنظر من حيث ماأنظر إلا نحو وجه حسن
يزرع في قلبي الهوى ثم لايحصل في كفي غير الحزن
أفدي التي قال لأخت لها:إني أرى هذا الفتى ذا شجن
قلت: نعم ذو شجن عاشققالت: لمن؟ قلت: لمن قال من
قال عساه لك إنا كماأنت له، قلت: اتفقنا إذن
أبو هفان قال: حدثني عبد الله بن يعقوب بن داود بن المهدي قال: كنا عند سفيان بن عيينة بمكة فجاء ابن مناذر وكانا مجاورين جميعا فتحدثا ساعة، ثم قال سفيان: ظريفكم هذا أشعر الناس. قال: كأنك عنيت أبا نواس؛ قال: نعم. قال وفيم استظرفته؟ قال: في جميع شعره وفي هذه الأبيات خاصة:
يا رشأ أبصرت في مأتميندب شجوا بين أتراب
أبرزه المأتم لي كارهابرغم دايات وحجاب
يبكي فيذري الدر من نرجسويلطم الورد بعناب
لا زال موتا دأب أحبابهحتى أراه أبدا دابي
فقلت لا تبك قتيلا مضىوابك قتيلا لك بالباب
أبو هفان قال: حدثني يوسف ابن الداية قال: كان محمد الأمين مستهترا بأبي نواس لا يصبر عنه ساعة ينشط للشرب، وكان يطلبه بعض الأحيان فلا يكاد يوجد، فتابع الأمين الشراب عدة أيام وأرسل من يستنبطه ويبحث الحانات ويطلبه في مظانه فلم يقدر عليه، فغضب غضبا شديدا، وكان بعض ندمائه يحسد أبا نواس على موضعه من الأمين، فوجد مساغا للقول وموضعا للكلام فسبه وتنقصه وقال: يا أمير المؤمنين هذا عيار شارب شواظ ينادم السفلة والسوقة وينتاب الحانات ويركب الفواحش، يرى ذلك غنما وإن في منادمته تشنعة على أمير المؤمنين، فلما أكثر في ذلك قال له محمد: ألغ هذا الكلام عنك فوالله ما ينبغي أن يكون نديم خليفة إلا مثله في أدبه وظرفه وعلمه وكمال خصاله، وما غضبي عليه إلا تأسفا على ما يفوتني منه. فلم تزل الرسل تتطلبه وتبحث عنه حتى وجدوه في عدة من أصحابه في حانة خمار يهودي، فجيء به إلى الأمين وقالوا: يا أمير المؤمنين، أخبرنا اليهودي أنه مقيم عنده في الحانة منذ شهر لا يفيق من السكر هو وأصحابه ساعة. فغضب الأمين وقال: لهممت أن أضرب عنقك. ثم حلف أنه إن شرب في حانة بعد هذه مع احد من الناس ليقتلنه وليضعن عليه الأبصار والعيون، ثم قال له: اخرج الآن إذا شئت واشرب. فخرج من عنده على هذه الحال ولم ينادمه، وصح عزم أبي نواس على ترك منادمة الناس والشراب في الحانات خوفا على نفسه وإشفاقا عليها. وجفاه الأمين وأطرحه مدّة ولم يسأل عنه حتى أصبح يوما فلما شرب ثلاثة أرطال وطابت نفسه وارتاحت ذكر أبا نواس وظرفه وطيب محادثته، وأن عنده في كل شيء نادرة، فأمر بإحضاره، فلما دخل عليه شكا عظم ما ناله من غضبه وإبعاده وسأله الصفح عنه واغتفار هفوته، فأمر فخلع عليه وأقعد في مجلسه الذي كان يقعد فيه لمنادمته ثم قال له الأمين: هيه، في منزل يهودي منتن أذفر متكئا على عد مزفت شهرا وأنا أطلبك بكل مكان فلا أقدر عليك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، من تمام العفو ألا يذكر الذنب، قال: فأنشدني ما قلت في مقامك هناك فأنشده:
وفتيان صدق قد صرفت مطيهمإلى بيت خمار نزلنا به ظهرا
فلما حكى الزنار أن ليس مسلماظننا به خيرا فصيره شرا
فقلنا: على دين المسيح بن مريمفأعرض مزورا وقال لنا كفرا
ولكن يهودي بحبك ظاهراويضمر في المكنون منه لك الخترا
فقلان له ما الاسم؟ قال سموألعلى أنني أكنى بعمر ولا عمرا
وما شرفتني كنية عربيةولا أكسبتني لا سناء ولا فخرا
ولكنها خفت وقلت حروفهاوليست كأخرى إنما خلقت وقرا
فقلنا لهعجبا بظرف لسانه
أجدت أبا عمرو فجود لنا الخمرا
فأدبر كالمزور يقسم طرفهلأوجهنا شطرا وأرجلنا شطرا
وقال لعمري لو أحطتم بعلمناللمناكمو لكن سنوسعكم عذرا
فجاء بها زيتية ذهبيةفلم نستطع دون السجود لها صبرا
خرجنا على أن المقام ثلاثةفطاب لنا حتى أقمنا بها شهرا
عصابة سوء لا ترى الدهر مثلهموإن كنت منهم لا بريئا ولا صفرا
إذا ما أتى وقت الصلاة تراهموايحثونها حتى تفوتهم سكرا
فاستحسنها الأمين وقال: يا غلام. اسق القوم ولا تسق أبا نواس، قال: يا أمير المؤمنين ولم؟ قال: لأنك تصف الغلام إذا ناولك الكأس بأنه قد سقاك كأسين كأسا بعينه وكأسا بيده وتذكر أنك جمشته فهات الآن ما عسى أن تقول إذا لم يسقك فأنشد:
أعاذل أعتبت الإمام وأعتباوأعربت عما في الضمير وأعربا
فجوزها لساقيها أجزها فلم يكنليأبى أمير المؤمنين وأشربا
إذا عب منها شارب القوم خلتهيقبل في داج من الليل كوكبا
ترى حيثما كانت من البيت مشرقاوما لم تكن فيه من البيت مغربا
يدور بها ساق أغن ترى لهعلى مستدار الأذن صدغا معقربا
سقاهم ومناني بعينيه منيةفكانت إلى قلبي ألذ وأطيبا
فقال له الأمين: ويحك، لم ينج منك على حال يا غلام، اسقه ثم خلع عليه عند انصرافه وأمر له بجائزة.
أبو هفان قال: خبرت أن أبا نواس قدم عليه أقاربه فقالوا له: يا هذا إنه قد نفذ عمرك وتصرمت أيامك وساء عملك واقترب أجلك فلو تزوجت بعض أهلك، وما زالوا به حتى زوجوه قرابة له وكانت جميلة بارعة، فلما دخل بها أعرض عنها وخرج على غلمان كانوا يتعهدونه فدعاهم وألبسهم الأزر المفرجة والخلوقية، وخلا بهم يومهم ذلك فلما أمسى طلقها وأنشد:
لا أبتغي بالطمث مطمومةولا أبيع الظبي بالأرنب
لا أدخل الجحر يدي طائعاأخشى من الحية والعقرب
أبو هفان: أخبرني الجماز قال: قال لي الجند يسابوري: كنت أمضي مع أبي نواس إلى باب أسماء بنت المهدي وذلك أن الشعراء كانوا يجتمعون ببابها، فقال لي: امض بنا لنتعرف خبرا إن كان، فمضيت معه فإذا نحن بجارية قد طلعت من القصر عليها قباء ومنطقة وفي رجليها نعل، مهضومة، كاعب، ناهد، فأعجبته فكان يناغيها ويغازلها ويعبث بها، وينشدها أشعارا يعرض بها فيها ويعلمها أنه يحبها، وكان يجاذبها إذا خرجت فلا ينكر عليه ذلك أحد لعبثه بالناس جميعا، ولأنه لم يكن يعتد بالنساء ولا يعرف بعشقهن. فقال يوما آخر: امض بنا إلى باب أسماء فمضيت معه، فإذا نحن بالجارية قد خرجت عليها قباء وشي منسوج بالذهب، وعلى رأسها قلنسوة إبريسمي رقيقة منسوجة بالذهب، وعليها منطقة بزنار أخضر معرقة بالذهب قد غرقت في خصرها فما تكاد تبين إلا معاليقها من انهضامه. وفي رجليها نعل مدبجة الدروز، وبيدها عود خيزران ملون، فلما طلعت علينا صرت أنا وكل من حضر هناك ننظر إليها وإلى براعتها وجمالها، فالتفت إلي أبو نواس وقال: مثل هذه فاشتر يا نخاس، فقلت: هذه ما تصلح إلا للخليفة، ولا تصلح لمن دونه. فلبثت عندنا ساعة تمزح وتمرح وتتثنى في مشيتها، ثم وقفت في موضع قريب منا وتسمع كلامنا. ونظرت إلى أبي نواس نظرا دل على أن في قلبها شيئا فأنشد بديها:
لقد صبحت بالخير عين تصبحتبوجهك يا مكنون في كل شارق
مقرطفة ما شانها سحب ذيلهاولا نازعتها الريح فضل البنائق
تشارك في الصنع النساء وسلمتلمه صنوف الحلي غير المناطق
ومطمومة لم تتصل بذؤابةولم تعتقد بالتاج فوق المفارق
كأن مخط الصدغ في صحن خدهابقية أنقاس بإصبع لائق
غذته بماء المسك حتى جرى لهاإلى مستقر بين أذن وعاتق
غلام وإلا فالغلام شبيههاوريحان دنيا لذة للمعانق
خلابة زنديق ولحظة قينةبكل الذي تهوى ومنية عاشق
قال: فلما سمعت الشعر ضحكت وولت فإذا أحسن مؤخرا، فانصرفنا وفي قلبه عليها كمد قاتل، فلما كان بعد أيام بكر إلي أبو نواس وقال لي: أتدري ما كنت فيه أمس؟ قلت: لا، قال: كنت أمس بلا نديم إذ دخلت علي وصيفة أسماء من غير إذن فقالت: تقبل الطفيلية؟ قلت لها: يا سيدتي الحمد لله الذي ألان قلبك لعبدك ومن بقربك وسهل المتعذر من لقائك. فخبريني كيف خلصت إلي، فقالت: وجهت في رسالة لا يحملها غيري فكنت أهم إلي منها. فوضعت الشراب فتأبت وقالت: أبو نواس يكون عنده الأحمر صرفا؟ فقلت لها: مطبوخ صحيح وإن كان فيه إثم فأنا أتحمله عنك. قال: فشربت حتى طابت نفسها وعبثت بها فريعت وكانت بكرا فقالت: لا والله ما مسني رجل قط ولولا ما خلبتني به من ظرفك وأدبك وحلاوة شعرك ما فكرت في رجل أبدا، فحملت عليها في الشراب حتى مكنتني من نفسها فلما رأيت سعتها جعلتها غلاما، ولما انصرفت جئتك مبشرا وفي القلب منها مثل حد السنان، فقلت له: صف هذا في أبيات من شعرك. فقال: قد فعلت، وأنشدني:
وناهدة الثديين من خدم القصرمزرفنة الأصداغ مطمومة الشعر
غلامية في زيها برمكيةمناطقها قد غبن في رقة الخصر
كلفت بما أبصرت من حسن وجههازمانا، وما حب الكواعب من أمري
فما زلت بالأشعار في كل موقفأراوغها، والشعر من عقد السحر
إلى أن أجابت للوصال وأقبلعلى غير ميعاد إلي من العصر
فقلت لها أهلا ودارت كؤوسنابمشمولة كالورس أو شعل الجمر
فقالت عساها الخمر إني بريئةإلى الله من حب الرجال مع الخمر
فقلت لها إن كان هذا محرماففي عنقي يا ريم وزرك مع وزري
وطالبتها شيئا فقالت بعبرة:أموت إذن منه، ودمعتها تجري
فما زلت في رفق ونفسي تقول لي:جويرية بكر. كذا جزع البكر
فلما تفاوضنا توسطت لجّةغرقت بها يا قوم من لجج البحر
فلولا صياحي بالغلام وأنهتوهقني بالحبل غصت إلى القعر
فآليت ألا أركب البحر غازياحياتي ولا سافرت إلا على الظهر
أبو هفان: قال الخصيب بن عبد الحميد الدهقاني - وكان من أهل المداراة لأبي نواس وهو بمصر -: بلغني أنك لا تحسن أن تخطب - وكان أهل مصر قد شغبوا عليه - فاستشاط من ذلك وقال: والله لا خطبت إلا بشعر بديهة، ثم خرج من فوره ذلك يسحب أذياله حتى صعد المنبر فقال:
محضتكموا يا أهل مصر نصيحةألا فخذوا من ناصح بنصيب
ولا تثبوا وثب السفاه فتركبواعلى خطة حدباء غير ركوب
رماكم أمير المؤمنين بحيةأكول لحيات البلاد شروب
فإن يك باقي إفك فرعون فيكموفإن عصا موسى بكف خصيب
قال أبو هفان: حدثني ابن الداية أن جمالا الكوفي كان غلاما جميل الوجه جيد الشعر وكان ينزل الكرخ. وقد كان وصف خمسين غلاما وصنفهم على طبقاتهم في شعره وكان على حداثة سنه يتشطر ويطلب الغلمان بماله وشعره. وكان موسرا ذا ثروة. وكان أبو نواس إذا أنشد شعر جمال استجاده واستحلاه. فبينا أبو نواس في صف الوراقين إذ بصر بغلام حسن الوجه بارع الجمال فوثب مبادرا نحوه فتعلق به القوم وقالوا: مهلا فإن هذا جمال الذي سمعت به، فقال: قاتله الله فما رأيت جمالا أظهر منه فمن يوصل إليه أبياتا حضرت؟ فقال بعضهم: أنا، فقال: فعجل في إيصالها وانظر ما يقول في جوابها، ثم كتب إليه:
يا واصف الخمسين لو تعدللكان منهم اسمك الأول
وصفت خمسين وميزتهموأنت انت الظبية المغزل
جمال، دعهم عنك ولا تطرهمأنت وربي منهمو أجمل
لا يبرح اللوطي من شهوةلحسن ردف كالنقا ينزل
فلما قرأ جمال الأبيات قال: ويلي عليه ابن الزانية الشارب الخمر - وكان جمال لا يشربها - قال له: والله لا هجوتك ولكنني أقتلك بخنجري هذا وهزه في يده فرجع الرسول إلى أبي نواس بمقالته فضحك ثم كتب إليه:
يا من عدا بالقتل ظلما لقدحالفت ذا الخنجر كفيكا
ما خنجر يقتلني سيديأقتل من تقتير عينيكا
يا من دعا قلبي إلى حبهفقلت لبيك وسعديكا
هب لي ولا تبخل أيا سيديسويعة ما بين فخذيكا
قال يوسف فما كان إلا بعد قليل حتى واصله وحادثه ودعاه إلى مجلسه وسكر معه.
أبو هفان: كان أبو نواس هجا ابن نيبخت وذكر أمه ورماه بالبخل ونسبه إلى الرفض أيام هارون الرشيد فلم يزل به إلى ان دس له شربة من سم فلم تعمل عملها إلا بعد أربعة أشهر، فلما اشتد وجعه وتمعطت لحيته وتغيرت حاله، دخل إليه غلام - لم يعده - لحبه إياه وكان يتعهده ويكتب أشعاره فقال له: يا أبا نواس كيف تجدك؟ قال: أجدني في الحق. فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما قدمت، ويا حسرتي على ما فرطت في جنب الله ثم أنشد:
دب في البلاء سفلا وعلواوأراني أموت عضوا فعضوا
ليس تمضي من ساعة بي إلانقصتني بمرها بي جزوا
لهف نفسي على ليالوأيامتمليتهن لعبا ولهوا
ذهبت جدتي بلذة نفسيوتذكرت طاعة الله نضوا
قد أسأنا كل الإساءة فاللهم صفحا عنا وغفرا وعفوا
قال: فلما فرغ من هذه الأبيات مات لساعته فخرج الغلام باكيا وهو يعول مجهشا:
مات البديع وماتت دولة الفطنواستدرج الموت روح الشعر في كفن
لله ما صنعت أيدي المنون بهوما تضمنت الأكفان من حسن
من ذا يرد نزارا عند نخوتهاأم من يدافع عن جرثومة اليمن
أبو هفان قال: حدثني الحسين بن أبي المنذر قال: اجتمعت مرة أنا وأبو نواس وعدة من أصحابنا عند عبيد بن أبي المنذر فشربنا يومنا وبتنا عنده ليلتنا، فقال لنا أبو نواس: هل لكم في أن ندلج إلى الكرخ فإن بها حانة لم أر مثلها قط في نظافتها وطيبها وحسن شرابها وأنا أشتهي أن أسكر فيها وأقيم بها أياما فساعدوني، قلنا: امض حيث شئت فإنا معك، فأدلجنا في نصف الليل فوافينا الموضع الذي وصف لنا على ما شاكل نعته واافق صفته فقرب لتاالشراب من ساعتنا ثم أصبحنا فوصلنا نهارنا شربا، ومع أبي نواس غلام قد أفسده على أبيه وغيبه عنه غير مرة وهو كان ساقينا، وأشرفنا حين أصبحنا على زهر ورياض وأشجار وأنهار وكروم لم أر مثله قط نزهة وحسنا، فذكرنا حسن ذلك الموضع الجنة وما أعد الله فيها لأهلها وعظم خطرها فذكرنا الذنوب التي تحجب عنها وتمنع منها وتعرض دونها وان ذلك بقدر مقدور وتفاوضنا ساعة في شيء من الإسلام وما نرجو من العفو والفوز وعظيم منة الله تعالى علينا في الهداية، وأبو نواس ساكت، فقلنا: مالك لا تتكلم؟ فالتفت إلي الذي أنشأ الكلام فقال:
يا ناظرا في الدين مال أمرلاقدر صح ولا جبر
ما صح عندي من جميع الذيتذكر إلا الموت والقبر
قال فامتعضنا من ذلك وأنكرناه واستفظعناه وقلنا: والله ما نقرك على هذا فقد والله أفرطت وجاوزت المقدار وصرت إلى أن تكذب بالمعاد وإنا لنخاف أن ينزل الله بنا قارعة أو تصيبنا جائحة إذا رضينا بقولك وأصغينا إليك ولم نعدلك، فإن رجعت وإلا هجرناك وفارقناك ويحك قد شخت وجاوزت الكمال وما أحد أبصر منك بتصاريف الكلام والأديان، وغير ذلك من فنون العلم، فقد كان ينبغي لك أن تستسمج هذا القول وتعافه. فقال: لا والله ما أدين غير الإسلام ولكن ربما نزا بي المجون حتى أتناول العظائم، وما أعلم أني مسؤول عنه ومعذب عليه ثم أنشأ:
أية نار قدح القادحوأي جد بلغ المازح
لله در الشيب من واعظوناصح لو قبل الناصح
يأبى الفتى إلا اتباع الهوىومسلك الحق له واضح
فاعمد بعينيك إلى نسوةمهورهن العمل الصالح
لا يجتلي الحوراء من خدرهاإلا الذي ميزانه راجح
من اتقى الله فذاك الذيسيق إليه المتجر الرابح
فاغد فما في الدين أغلوطةورح لما أنت له رائح
ثم قال: هذا عمل إبليس أجرى هذا الكلام ليعارض فرحنا ويقدح في سرورنا بما يكدره، خذوا بنا في شأننا وألغوا هذا. فلم نزل نشرب هناك أياما، مرت في متشرب الحنة ومرة فيما يليها من البساتين والمتنزهات، فلما أزمعنا الانصراف بعد أيام كثيرة قال: امهلوا بنا قليلا ثم أنشأ يقول:
يارب مجلس فتيان لهوت بهوالليل مستخلس في ثوب ظلماء
نشتف صافية من صدر خابيةتغشي عيون نداماها بلألاء
كأن منظرها والماء يقرعهاديباج غانية أو رقم وشاء
تستن في مرح من كف مصطبحمن خمر عانة أو من خمر سوراء
كأن قهقهة الإبريق بينهمارجع المزامير أو ترجيع فأفاء
حتى إذا مزجت طارت جنادبهاللمزج وامتعضت من سورة الماء
سألت تاجرها: كم ذا لعاصرها؟فقال: قصر عن هاذاك إحصائي
نبيت أن أبا جدي توارثهامن ذخر آدم أو من ذخر حواء
ما زال يمطل من ينتاب حانتهحتى أتتني وكانت ذخر موتائي
ونحن وسط بساتين وتنفحناريح البنفسج مع ريح الخزاماء
يسعى بها خنث في لهوه دمثيستأمر العين في مسترجع الرائي
مقرطق وافر الأرداف ذو خنثإن ماس في راحتيه وشم حناء
قد رطل الشعر واوات ورددهافوق الجبين ورد الصدغ بالفاء
إني لأشرب من عينيه صافيةصرفا وأشرب أخرى من ندامائي
عيناه تقسم ماء في مذاهبهاوربما نفعت من سروة الداء
ولائم لامني فيه فقلت لهإني وعيشك مشغول بمولائي
أبو هفان قال: حدثني سليمان بن أبي سهل قال:
سألت أبا نواس أن يجعل شربه عندي أياما متتابعة ضنانة ومنافسة على ما كان يفوتني منه. فأجابني إلى ذلك فأعددت له ما احتجت إليه من سماع وغيره وبدأنا في الشّرب. فلما كان آخر النهار جعل يشكو وجده بجارية قد فتنته ويصف أنه ما يهنؤه لذة ولا يسوغ له شراب ولا يصفو له عيش بسببها، فقلت: ويحك قد انتكست وصرت تتعشق النساء أيضا؟ قال: هو والله ما قلته لك، فقلت: سمها لي وعرفني خبرها لأعاونك عليها وأحتال لك فيها، فاستحيا مني وطوى خبرها عني وجعل يقول: لست تعرفها ولا أعرف أنا أيضا اسمها، فقلت: فصف لي خلقها فأبى. ثم أنشد يقول:
كفاك ما مر على رأسيمن شاذن قطع أنفاسي
أكثر ما أبلغ من وصفهاتحدُّثي عن قلبها القاسي
أغار أن أنعت منها الذيينعته الناس من الناس
ولم أر العشاق قبلي رأوابوصف من يهوون من باس
كل أحاديثي سوى نعتهامنكشف مني لجلاسي
لا حبذا الشركة في حبهاوحبذا الشركة في الكاس
قال: فلما رأيته لا يحب أن يعلمني خبرها، ويكشف لي خبرها تغافلت عنه فلما كان الليل وثملنا، نمنا ونام من كان بقي عندنا. أغفيت غفوة ثم انتبهت فإذا هو قاعد وحده فقلت: أبا علي مالي أراك ساهرا متململا لعلك فكرت فيما كنت شكوته؟ قال: إي والله ثم قال لي: اسمع أبياتا قلتها: قلت: هات. فأنشد:
رسم الكرى بين الجفون محيلعفى عليه بكا عليك طويل
يا ناظرا ما أقلعت نظراتهحتى تشحط بينهن قتيل
أحللت من قلبي هواك محلةما حلها المشروب والمأكول
بكمال صورتك التي في مثلهايتحير التشبيه والتمثيل
فوق القصير، والطويلة فوقهادون السمينة، دونها المهزول
قلت: قد ذكرت الآن قدها وأحسبني عرفتها. قال: هيهات، هيهات - يؤسيني بذلك من أن أعرفها - وقد كنت أراه يحد النظر إلى جارية لبعض أهلنا يقال لها نرجس ويتأملها وكانت تأتينا بالتحف في كل وقت من عند مولاتها، فقلت في نفسي: ما عنى غيرها ثم أمسكت عنه فلما كان في غد قلت للساقي: خذ على أبي نواس ففعل. فسكر سكرا ما رأيته سكر مثله فبينما هو في سكره إذ قال:
أحرف أربع سبين فؤاديلم أذق بعدهن طعم الرقاد
خفت إظهارهن خشة واشٍواتقاء العدو والحساد
أشتهي النون من ((نوار)) وأهوىثانيا من حروف إسم ((مراد
و ((جنان)) قد شفني مبتداهاو ((سعاد)) فديت مباد سعاد
لا تراني أحب خلقا سواهاأبدا ما بقيت حتى التنادي
قال: فاستيقنت أن نرجس حاجته فوجهت إلى مولاتها أسألها أن تبينيها فوهبتها لي. فلما أفاق أبو نواس اصطحبنا فقلت له بعد أن شربنا أرطالا: نحب أن نشرب اليوم مع حبيبتك. قال: خذ فيما يكون. قلت: يا غلام أحضر ذلك الرجل. فدخلت نرجس. فلما رآها بهت إليها. فقلت له: قد وهبتها لك، قال: وتملكها حتى تهبها؟ قلت: نعم.
فعلت البارحة كذا وكذا فاستيقنت أنها طلبتك فأردت شرائها لك فوهبتها لي مولاتها وهي لك. فو الله لقد رأيت وجهه أشرق وأنار، وقام فقبل رأسي ثم أقعدها إلى جانبه وجعل كلما شرب كأسا قبلها ثم أنشأ يقول:
مالي في الناس كلهم مثلمأتى خمري ونقلي القبل
قومي حتى إذا العيون هدتوحان نومي فعرسي ثعل
يا أيها الناس فاسمعوا عظتيفكل نفس وراءها أجل
ليحمد الله منكمو رجلساعده في حبيبه الأمل
فلما أمسى قال: قد جدت بالمنى، والتمام الإذن في الانصراف. قلت: معافى ومصحوبا مكلوءا.
أبو هفان قال: حدثت أن صديقا لأبي نواس مات وكان يأنس به فوجد عليه وجدا شديدا واشتد غمه وقلقه وجزعه لفقده وشيع جنازته، فلما صلوا عليه وصيروه في حفرته وواروه في لحده خرج أبو نواس من قبره - وكان فيمن ألحده - فاستقبل الناس الذين شيعوا الجنازة بوجهه وقال بصوت شج وإجهاش:
يا بني النقص والعبروبني الضعف والخور
وبني البعد في الطباع على القرب في الصور
والشخوص التي تباين في الطول والقصر
احتساء من الحرام وحتما على لاضرر
أين من كان قبلكممن ذوي البأس والخطر
سائلوا عنهم المدائن واستبحثوا الخبر
سبقونا إلى الرحيل وإنا لفي الأثر
من مضى عبرة لناوغدا نحن معتبر
إن للموت لمحةتسبق اللمح بالبصر
وكأني بكم غدافي ثياب من المدر
قد نقلتم من القصور إلى ظلمة الحفر
حيث لا تضرب القباب عليكم ولا الحجر
حيث لا تظهرون منها للهو ولا سمر
رحم الله مسلماذكر الموت فادّكر
رحم الله مسلماخاف فاستشعر الحذر
أبو هفان فال: حدثنا أن جارية للقاسم بن هارون بارعة جميلة مرت بأبي نواس في كفها نرجس فجمشها أبو نواس وقال: ما أقبح الهجر بك. قالت: أقبح من هجري إفلاسك فأنشأ يقول:
قلت وقد مرت بنا ظبيةرعبوبة في كفها نرجس
ما أقبح الهجر فجودي لنامنك بما تحيا به الأنفس
فاستضحكت عجبا وقال لنا:أقبح منه عاشق مفلس
حدثنا أبو هفان قال: حدثني يوسف بن الداية قال: كنت عند أبي نواس فقال لي: اسمع أبياتا حضرت، وأنشد:
وملحة بالعذ تحسب أننيبالجهل أوثر صحبه الشطار
بكرت علي تلومنيوصرفت معرفتي إلى الإنكار
ورأيت إيثارى اللذاذة والهوىوتعجلي من طيب هذي الدار
أحري وأحزم من تنظر آجلعلمي به رجم من الأخبار
ما جاءني أحد يخبر أنهفي جنة مذ مات أو في نار
ومعقرب الصدغين يهتك لحظهعن كل مستور من الأستار
أحوى أغن مبتل ذي رونقحسن التنعم من بني بكار
ما زلت أسقيه وأشرب قرقفاما افتضها بالماء غير نزار
كانتوآدم طينة معجونة
في دنها شمطاء ذات خمار
حتى إذا ذهب الزمان بدائهاوتخلصت روحا من المسطار
عادت إلى لون كأن بكأسهامنها جميع طوالع الأنوار
فلما بلغ قوله: ((في جنة مذ مات أو في نار)) قلت له: يا هذا إن لك أعداء ينتظرون منك السقطات فينتهزونها ليجدوا السبيل بها إلى الطعن عليك والقدح فيك إلى السلطان فاتقّ الله في نفسك ودع الإفراط والمجون فغنه مؤديك إلى خسارة الدنيا والآخرة إلا أن يقبل الله بك إلى الطريقة المثلى فإن كنت لم تظهر هذه الأبيات فتناسها واطوها. فقال لي: والله لا أكتمها خوفا. وإن قضي شيء كان. وقد كان سمعها غيري فأخبر بها الفضل بن الربيع وتأدى الخبر إلى الرشيد فما مضى إلا أسبوع حتى حبسه.
أبو هفان قال: حدثني بعض آل نيبخت أن آخر شعر قاله أبو نواس، أنا أتيناه بطبيب بجسه وينظر في علته فوصف لنا شيئا ثم غمز أخي فخرج معه فقال: لا تداووه فإنه لا يسلم من علته ولكن عللوه ومنوه البرء والسلامة. فأحس وأيقن، فلما عاد أخي إليه قال: بحياتي ما خبرك الطبيب؟ قال: لم يقل إلا خيرا، أمر أن تسقى من الدواء كذا وكذا وأخبر أن العلة قد نضجت وانحطت، فانشأ أبو نواس من فوره يقول:
سألتك بالمروءة والجواروقرب الدار من بعد المزار
بما ناجاك إذ ولى سعيدفقد أوجست من هذا السرار
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع