من «أخبار أبي نواس» لأبي هفان المهزمي (ت ٢٥٧هـ)
أخبار أبي نواس
الصفحة ٢ من ٢
فقلت: خيرا، فقال هو والله الموت.
أبو هفان قال: حدثني يوسف ابن الداية قال: كنت عند أبي نواس يوما نتحدث إذ جاء غلام قد التحى فلما طلع من الباب قال لي أبو نواس: قم وأقعد على الباب ساعة حتى أناظر هذا في شيء، فقلت: ويحك هذا صاحب لحية، فقال لي: قم يا فضولي. فدرت دورة ثم رجعت إليه، فقال لي: تدري من هذا؟ قلت: لا والله غير أني أراه صاحب لحية قال: هذا غلام كنت أتعشقه قديما وكان معي فلما التحى صار من السراجين فربما جاءني في الأحايين فآخذه على طيبه الأول وقد كاد يمتنع على الساعة ولكن كانت لي الغلبة. ثم قام فاغتسل ورجع إلى موضعه ثم أنشأ يقول:
رأى بخديه نابتا زغبافضن عني هناك بالقبل
وقال قد صرت يا فتى رجلاوذا قبيح أراه بالرجل
فقلت يا من زها بلحيتهالآن والله طبت للعمل
ذا زعفران والمسك تربتهيخرج من تحت صدغك الرجل
تراك لو قد خضبت من كبروسحر هينيك فيك لم يحي
صبرت عن عض وجنتيك وعنمص رضاب بفيك كالعسل
فقمت أسعى إليه مبتدراوالقلب من سخطه على وجل
حتى اعتنقنا على الفراش وقدغيبت مهري الجموح في الكفل
أبو هفان قال: حدثني يوسف البن الداية: ان أبا نواس كان محافظا على صلاته إلا أن يسكر. وكان بقضي ما يفوته منها حين يفيق من سكره.
أبو هفان: حدثني عمي محمد بن حرب قال: لما ولى هارون الرشيد إسماعيل بن صبيح بعد البرامكة ديوان الرسائل - وكان كاتبهم وكان يسعى بهم ويكسف عوراتهم - استخلف ابنه على بعض الدواوين وقال لأبي نواس لو دخلت إلى محمد فحدثته وأنشدته سرتني، ففعل، فكان له قوله أول ما لقيه:
قبلة منك نية من سواكاوهما في القياس عندي كذاكا
فإذا ما رأيت وجها صبيحاًكان حظي من نيه أن أراكا
برأ الله منك وجها بديعاقد أحل التعطيل والإشراكا
بأبي أنت من بديع ظريفبذّ حسن الوجوه حسن قفاكا
خلق الناس كي يسوسوا أموراكلفوها وأنت كيما ت
فقال له أبوه: سبحان الله أول ما لقيت ابني لقيته بهذا!! قال: هكذا رزق مني وهو أحوج له. قال: فلامه إخوانه على ذلك فقال: لايلقى ولد ساع إلا بمثل هذا وإن كان أحسن منه تمام النعمة والعافية.
أبو هفان: حدثني أبو عبد الله الحسين بن أبي المنذر:
أن أبا نواس كان يتعشق ابن فورك اللهبي، وكان حسن الوجه بارع الجمال مطواعا، يواتيه أنى شاء، وربما شرب معه في الحانات، فافتقدناه أياما كثيرة فسألنا عنه جميع إخوانه وطلبناه في مظانه فلم نعرف له خبرا بتة، واشتد لذلك غمنا فقلت في نفسي ليس حق أبي نواس علي الحق الذي أضيعه فلا أرعاه، والله لأجتهدن في طلبه والبحث عنه والفحص عن خبره أنى توجه ولو بمشقة علي شديدة، وأشفقت أن يكون قد نيل منه، أو اغتيل بسوء من جهة من كان يبغيه، فقلت لأخي عبيد - وعنده من أصحابه عدة -: هل تساعدني على طلب أبي نواس حيثما كان؟ فقالوا: نعم نحن نسبقك إلى هذا ونساعدك بأجمعنا، فقلت له: الرأي أن نبدأ بباطرنجي فإني سمعته قبل افتقادي إياه يذكرها ولا أحسبه تعداها، فلما خرجنا نحوها لقينا بعض المكاريين مع قوم قد حملوهم منها فقلنا له: هل تعرف أبا نواس؟ فقال: ومن لا يعرفه؟ إني لأحسب حماري هذا يعرفه. وهل يخفى القمر؟ قلنا: فهل رأيته؟ قال: نعم رأيته خارجا من باطرنجي في حية الحمام الشارع على الطريق وهو سكران لا يعقل وقد اجتمع عليه الصبيان يعطعطون به ويضحكون منه، فقلنا: إنا لله، هلك والله إن لم ندركه، فأسرعنا نحوه فوافيناه قد أخرج من الحية وهو مطروح على وجهه لا يتحرك ولا ينبض له عرق ولا يعقل سكرا، فسألناه عن خبره وأين كان يشرب في أيامه، فقال: في هذه الحانة فحملنا إليها، وسألنا الخمار عن قصته، فقال: كان يشرب عندي مع غلام جاء معه من أهل بغداد حسن الوجه يقال له ابن فورك، وحرص الغلام على الانصراف غير مرة وهو يمنعه وأقاما اثني عشر يوما، كل ذلك يمنعه من الانصراف ويرغب إليه في المقام، فلما كان هذا اليوم سكر أبو نواس هذا السكر المفرط فقام الغلام كأنه يريد حاجة فراوغه وشخص متوجها نحو بغداد فرارا منه، فلما أبطأ عليه خرج وهو يتثنى سكرا، لا تقله رجلاه ولا ينطلق لسانه للجواب، وذلك أنه ما نام منذ ثلاث ليال يشرب دائما ويغالب النبيذ، فمنعته من الخروج فلم يصغ إلي، وضربته الريح وهزته على ما كان منه من السكر. فلمنا الخمار وعنفناه وقلنا: ألا اتبعته أو وجهت من يراعيه ويحفظه؟ قال: قد فعلت، وأنا أخرجته من الحية وقد كنت على حمله إلى ههنا. فانتظرنا أبا نواس إلى أن أفاق فلما عاد إليه عازب عقله وصحا من سكره ملنا عليه ميلة واحدة وقلنا له: ويحك أما تستحي أما ترعوي أما تخاف الله وتراقبه؛ أما تأنف لنفسك من هذه المساقط الدنية في الأماكن الخسيسة، مع طلب الخليفة إياك وتشوقه إليك ونزاعه إلى قربك وأثرتك عنده وعند الأشراف؟ فإلى كم يكون هذا الإغراق والإفراط فيما يسخط الله عليك، ويذهب بدينك ويثلم دنياك، ويذهب بقدرك وأدبك؟ كل يوم مع غلام وقحبة، وفي حانة منبطحا سكرانا، وقد جعلت ما يجب عليك من الصلاة وراء ظهرك استهانة بوعد الله ووعيده، مع الذي لا يؤمن من حضور أجلك ومعافضتك على أسوأ حالاتك؛ ويوشك من أدام الشرب أن ينقص اعتداله ويفسد مزاجه، وتصل سوره إلى كبده فيقدح ذلك في صحته، ويعرضها للاستحالة عن جهتها، ثم تقيم مع غلام قد خرجت لحيته وتشوهت خلقته بضعة عشر يوما حتى صرت ضحكة وأحدوثة ولعبة للصبيان والنسوان. فقطع علينا الكلام ثم انشأ يقول مجهشا مسترجعا بصوت شج:
يا بني حمالة الحطبحربي من ظبيكم حربي
حرب في القلب برح بيألهبته مقلة اللهبي
ما أحل الله ما صنعتعينه تلك العشية بي
فتنت أسبابها كبديبسهام للردى صيب
لم يجرني البيت منه وقدعذت بالأركان والحجب
صيغ هذا الخلق من حمأوبراه الله من ذهب
عجبالم يثنه حرج
دون قتلي
عف عن سلبي
فقلنا له: اتق الله يا هذا في نفسك، فقد نلت من رخاء العيش وليانه ما في دونه كفاية ومقنع وارتداع، أما ترى الشيب لامعا في رأسك؟ وأكثرنا عليه من هذا الكلام وقطعناه عذلا وتأنيبا وهو مطرق إطراق الخجل ينكت الأرض ويتأمل نفسه وما قد تلوث به وصار جيفة، فقلت في نفسي: لعل ما نرى من حاله أن يحدث له ندما وإقلاعا عن سيء أفعاله. وإن لم تسمح نفسه بالتوبة في هذا الوقت فليست فيه حيلة ولا موضع للعتاب أبدا فلما أتينا على آخر كلامنا قال: بقي لكم من العذل والتوبيخ شيء؟ قلنا: لن ينجع فيك العتاب وإن أكثرنا ووصلنا بعضه ببعض. قال: قد سمعت قولكم ونصيحتكم فاسمعوا الجواب عنه - ونحن نظن أنه يحتج عن نفسه ويعتذر عن فعله - فقلنا: هات. فأنشأ يقول:
..من لقيت من البشرواعذر أخاك إذا فجر
وأخلع عذارك في الهوىمثل الخليع المشتهر
واسحب ذيولك في الصباودع العوازل في سقر
لا يمنعنك زاجرعمن هويت إذا زجر
فاشرب معتقة الخمور ولا تعف عن السكر
واسكر لتضحي شهرةمتلوثا وسط القذر
ودع القراة لأهلهافهم: الكراب على البقر
إن التنسك عندناوالزهد من إحدى الكبر
لا تحقرن لطيفةصغرت ولا ذات كبر
ممن تبرج للزناوالحور بات الخدر
والمرد لا تدعنّهمأهل التصفق والطرر
ممن إذا جمشتهأبدى الشتيمة أو نخر
مثل ابن فورك في الدلال وذي التبختر والخفر
قالوا التحى فمحا محاسن وجهه نبت الشعر
فأجبتهم لا يسبقنفي الدور سيلكمو المطر
الآن طاب وإنماذاك البهار على الشجر
تلك اللحية روضةخضراء تنبت في الزهر
لولا سواد في القمروالله ما حسن القمر
يا عاذلي على هوىهذا دوينكمو الحجر
رضوا به أسنانكموكلوا التراب مع المدر
لا لا غدرت بمن هويت إلى الممات وإن غدر
والله لا جنبتهمني الوصال وإن هجر
فلما أتى على آخرها بهتنا وبقينا ننظر إليه تعجبا. فقال: مالكم لا تتكلمون؟ قلنا: وما يغني معك إطالة القول وقد ذهب كل شيء قلنا جفاء. قال: وتشكون في ذلك؟ أنتم والله عندي حمقى. أنا أنازع إلى هذه السكرة وأشتهيها حتى تهيأت لي الآن وأرجو ألا أعدم أخواتها. قوموا بنا إلى الحمام. فنهضنا معه حتى تنظف ونزعت أنا وعدة من أصحابي ثيابا فاضلة كانت علينا فلبسها ووهب ثيابه الملونة للخمار. ثم قلنا: قد تنظفت فامض بنا، فقال لنا: سبحان الله نجتمع في هذا الموضع وننصرف منه ولم نشرب فيه؟ هذا والله من سقوط الهمة وسوء الاختيار. اقعدوا، فقعدنا والتفت إلى الخمار وقال له: أحب أن تلذذ أصحابنا، قال له: بماذا؟ قال: لا يغرنك عن عزلهم وتأنيبهم إياي فإنهم يركبون المغمصة فاطلب لنا غلاما مليحا، وقد سمعت البارحة غناء وزمرا فأحضرناه فخرج الخمار فما كان إلا ساعة حتى جاءنا بغلام لم نر مثله قط وكراعات كن هناك من بغداد فأقمنا بها يوما وغده والثالث ثم اجمعنا على الانصراف عنها فأنشأ يقول:
سلاف دن، كشمس دجنكدمع جفن، كخمر عدن
طبيخ شمس، كلون ورسربيب فرس، حليف سجن
رأيت علجا، بباطرنجالها توجى فلم يثن
حتى تبدت، وقد تصدتلنا وملت، حلول دن
فاحت بريح، كريح شيحيوم صبوح، وغيم دجن
يسقيك ساق، على اشتياقإلى التلاقي، بماء مزن
يدير طرفا، يعير حتفاإذا تكفى، من التثني
على غناء، وصوت ناءدواء داء، من التجني
ولثم خد، كطعم شهدمن ذات قد، وهي تغني
غناء دل، وضرب طبلورمي نبل، بطرف جني
يا من لحاني، على القياناللهو شاني، فلا تلمني
أطلت عذلا، فقلت من لايريد إلا، السلو عني
أسخنت عينا، تراك زينافأين أين، الفرار مني
هتكت ستري، فباح سريوعيل صبري، لطول حزني
أبو هفان قال: حدثت عن كامل الثقفي أنه قال: بلغني أن رجلا من متلصصة البصرة وسراقها قال:
ماكان أحوجني يوما إلى رجلفي وسطه ألف دينار على فرس
في كفه حربة يفري النفوس بهاوسيفه كلهيب النار في الغلس
فإن رجعت ولم أظفر بمهجتهوقد خضبت ظباة الصارم الضرس
فلا هنيت بعيش وابتليت بمايكون فيه خروج الروح والنفس
فبلغ قوله هذا أبا نواس فأنشأ يقول:
ماكان أحوجني يوما إلى خنثتجري ملاحته في الروح والنفس
في كفه قهوة تشفي النفوس إلىسحر بعينيه للألباب مختلس
فإن رجعت ولم أظفر بتكتهوقد رويت من الصهباء كالقبس
فلا هنيت بعيش وابتليت بمايكون فيه صدود الشادن الأنس
هذا ألذ وأشهى من منى رجلفي وسطه ألف دينار على فرس
أبو هفان: حدثت ان أبا نواس بعث غلاما يقال له إسحق إلى عمرو الوراق يستهديه قرانة نبيذ فحبس الغلام ساعة ثم بعث إليه بقنينة فلما وافاه كتب إليه أبو نواس:
بعثت أستهديك قرانةفجدت يا عمرو بقنينة
وبعد ذا إن غلامي أنيبه انكسار وبه لينة
تخبرني وجنته انهقد طعن السكين في التينة
فابعث بأخرى تلك مهر لهلا يعتدي في كفه طينة
قال: فضحك عمرو ونقل إليه جميع ما يحتاجه من النبيذ وصار إليه معتذرا مما كتب إليه به.
أبو هفان قال: حدثني يوسف ابن الداية: أن أبا نواس خرج إلى الخصيب بن عبد الحميد وهو يومئذ بمصر وكان بها ثلاثة غلمان أحداث أقران حسان الوجوه كأنهم الطواويس أصحاب ظرف وأدب ومروءة وأحوال جميلة ولم يكن أحد بمصر يتقدمهم صباحة وملاحة وكمالا، وكان أحدهم من ولد شبث بن ربعي التميمي والآخران أخوان من أولاد الدهاقين فلما رآهم أبو نواس أعجبه ما رأى من حسنهم وجمالهم فاحتال في التخلص إليهم بكل حيلة فأعياه ذلك فلما صرح به اليأس عن الوصول سمع بعضهم يقول للآخرين، إذا كان يوم الأحد اصطحبنا. فلم يزل يتوقع ذلك اليوم، فلما كان بكر ولبس جبة صوف وحلق رأسه وشيئا من لحيته وأخذ كرزنا له وترصدهم في السوق كأنه حمال فلما أقبلوا عليه تبعهم إلى الموضع الذي يبتاعون منه حوائجهم فخف بين أيديهم وقال: أنا حمال، فقالوا: دونك، فحمل لهم، فلما صار إلى مستقرهم وضع عنه الكرزن وفرغ كل شيء كان معه ثم تخفف لهم في جمع حطب فأجج نارا وطبخ لهم قددا فعجبوا من طيبها وقالوا له: أطباخ أنت؟ قال: لم أزل قديما، ثم نظر إلى قناني لهم وأقداح علاها الغبار فبادر وأخذها ثم اعتزل ناحية فجلاها ونظفها وكنس مجلسهم وأصلح ركواتهم ونضد رياحينهم وحسر عن ذراعيه يسقيهم ويغنيهم وينشدهم تارة وينقر لهم طنبورا أخرى فأعجبوا به لما رأوا من تقدمه في كل شيء فقالوا له: يا حمال أقم عندنا اليوم، فقال: أنا عبدكم وخادمكم وقد ترون ما بي من العري وسوء الحال وإن كسوتموني خلقا من أطماركم استوجبتم من الله ﷿ الثواب، ومني الشكر والدعاء وواريتم مني ما ترون - وإنما أراد ان يستغويهم ويلبس عليهم الحال لئلا يفطنوا به في مقامه عندهم - فقالوا له: نفعل وكرامة ونحسن إليك ونكرم مثواك فطب نفسا. فقعد معهم فلما تغدوا صب على أيديهم الماء وسقاهم الخمر قبل ذلك على الغمر ثلاثة ثلاثةً وتمثل لهم بهذا البيت وهو له:
ثلاثة على الغمرتترك الوجه كالقمر
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع